مجزرة الطنطورة و«شركة الندم المتحدة» الإسرائيلية

حجم الخط
3

الراحل إدوارد سعيد يروي حكاية تعود إلى عام 1988، حين كان يشارك في ندوة أقامتها مجلة «تيكون»، الفصلية الناطقة بلسان نفر من الكتّاب في الولايات المتحدة تُطلق عليهم صفة «إنتلجنسيا يهودية يسارية»؛ وإلى جانب سعيد جلس أحد هؤلاء، مايكل ولتزر، ومناسبة اللقاء كانت إعلان المجلس الوطني الفلسطيني الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي وقبول مبدأ الدولتين. ولتزر خاطب سعيد كما يلي: «حسناً، إسمع الآن: لقد اعترفتم بإسرائيل، ولا أدري إذا كانت دولتكم ينبغي أن تقوم أم لا. ولكني أعرف أنه ينبغي عليكم نسيان الماضي والتحدّث عن المستقبل فقط». سعيد كتب إنه لن ينسى أبداً سيّدة يهودية كانت في القاعة، هبّت واقفة لتردّ على ولتزر بصوت يرتعش غضباً: «كيف تجرؤ؟ كيف تجرؤ على مطالبة الفلسطيني بأن ينسى الماضي؟ كيف تجرؤ على مطالبة أيّ شعب بأن ينسى الماضي؟ ألسنا نحن الذين لا نكفّ عن مطالبة العالم بأن يتذكّر ماضينا؟ كيف تجرؤ، أنت اليهودي؟».
إلى أمثال ولتزر انتمى كثر من مؤرّخي دولة الاحتلال، وكتّابها، وقضاتها في المحكمة العليا، فضلاً عن ساستها يميناً ووسطاً ويساراً، وجنرالاتها عاملين ومتقاعدين؛ ممّن توافقوا، واتفقوا فعلياً، على رفض أطروحة الماجستير التي تقدّم بها الطالب تيودور كاتز إلى جامعة حيفا، وأثبت بالوثائق الدامغة وقوع المجزرة الرهيبة في الطنطورة، على يد عصابات وحدة ألكسندروني الصهيونية سنة 1948. يومها لم تقتصر ردات الفعل على الرفض، بل لجأ الرافضون إلى القضاء حيث مُنع كاتز من عرض براهينه أمام المحكمة، واضطرّ لاحقاً إلى سحب الأطروحة. اليوم تعود ذاكرة المذبحة عبر الشريط التسجيلي الذي أنجزه ألون شفارتز وعُرض مؤخراً في مهرجان سندانس الأمريكي، من دون أن يتبّدل جوهرياً تركيب جبهات الرفض الإسرائيلية أو تنويعاتها.
ولم تكن المصادفة وحدها وراء تزامن افتضاح المزيد من أهوال مجزرة الطنطورة، مع نشر منظمة العفو الدولية تقريرها حول الأراضي الفلسطينية الذي اتهم دولة الاحتلال بممارسة «نظام فصل عنصري» تمييزي، «يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي». ثمة وقائع كثيرة في الماضي أثبتت سلسلة أنماط أخرى من التطابق بين سياسات الاحتلال ومعايير كونية متفق عليها بصدد توصيف جرائم الحرب والفظائع العنصرية والفاشية. ومع ذلك فإنّ الجبهات الإسرائيلية التي تحثّ على النسيان، على غرار ما جنح إليه ولتزر في ندوته مع سعيد، لا تتكاثر سنة بعد أخرى، وافتضاح مجزرة هنا أو جريمة حرب هناك، فحسب؛ بل يحدث أنها باتت تستقرّ كقاعدة سلوكية إسرائيلية تشمل جندي الاحتلال على الأرض مثل المؤرّخ في جامعة أو المعلّق في صحيفة.
ولقد مضى زمن، أعقب بروز تيّار «المؤرّخين الجدد»، شهد ظهور مؤسسة شاء الكاتب والمؤرّخ الإسرائيلي ميرون بنفنستي أن يطلق عليها اسم «شركة النَدَم المتحدة»؛ اختصت بإبداء الأسف، وبعض الأسى والحزن، على ما حاق بالإسرائيليين والفلسطينيين من آلام وعذابات جرّاء «النزاع». لكنّ «شركة الندم» تلك لم تكن متحدة فقط، بل ظلت محدودة أيضاً، والنزر اليسير الذي توفّر لدى قلّة من أفرادها أُريد له أن يكون معادلاً لذروة الندم وأقصى النسيان على الجانب الفلسطيني.
وليس الاستقبال الإسرائيلي الفاتر لأخبار افتضاح المزيد من وقائع مجزرة الطنطورة سوى الدليل الأحدث على أنّ تلك «الشركة» انقرضت، حتى من دون اضطرار إلى إعلان إفلاسها، رغم استمرار عدد من المؤرّخين (أمثال إيلان بابيه وآفي شلايم وآدم راز) في تفضيح أكاذيب السردية الصهيونية؛ بصدد حرب 1948 ومجازر دير ياسين وسوق حيفا والشيخ بريك والطنطورة وسواها. إذْ ما الحاجة، إسرائيلياً، إلى شركة كهذه إذا كان عرض شريط الطنطورة الوثائق قد تزامن مع زيارة رئيس دولة الاحتلال إلى… أبو ظبي!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية