حين أسير معك وتحدّثني فأنا لا بدّ أن أصدر – وأنت تتكلم- ما يدلّ على متابعتي لكلامك والانتباه إليه، سواء أكان بحركة الرأس، بصوت قصير أم بهمهمة؛ أنا أكون وقتها متابعا لقولك متفكّرا فيه وأكون وقتها في مساق من المعالجة الذهنية لكلامك يسمّى الفهم. ليست عملية الفهم حوسبة للكلام البسيط الذي تقوله لي، أو تقوله لغيري وأنا أسمعك، بل هي أكثر تعقيدا من ذلك، إنّني لكي أفهمك عليّ أن أضع كلامك في سياقه الصحيح، أو المناسب الذي أردته وهذا أمر على غاية في التعقيد.
لكنْ أن تنشئ محاورة مع شخص معروف شيء، وأن تفكّر في محاورة غريب أو أن يفكّر هو في أن يبني معك محاورة لسبب ما شيء آخر. حين تقيم محاورة مع غريب لا قبل لك بحديثه تحتاج أن تبذل جهدا أكبر من ذاك الذي تبذله وأنت تتحدث مع صديق مثلا. قد تعتقد وأنت في قطار ليلي وفي رحلة طويلة، أنّك لو حاورت مسافرا أو مسافرة في جوارك سوف « تقصّر الوقت» وتحصد شيئا من الأنس تحتاجه، وعندها تنشأ رغبة في محادثة الغريب هذه الرغبة هي ما يشرّع إنشاء الكلام مع طرف ليس بينك وبينه عهد، لكن قد تكون بينكما خلفيات ثقافيّة مشتركة هي التي تعتمدها في المحادثة الأولى.
لكنّ الخلفيّات الثقافية ليست مشتركة تماما بينكما، فالحديث مثلا عن الطقس وإن كان من العموميات المشتركة، فإنّ فيه خلافات كثيرة. تصوّر أنّك تكره الصيف ويحبّ الصيفَ هذا الغريب، عندئذ ستكون خلفية الحوار العاطفية مختلفة: عاطفة من يحبّ الصيف، وعاطفة من لا يحبّه وقد تنخرط المحادثة مع الغريب إلى شيء من الإثقال عليك، أو عليه هي التي كان القصد منها البحث عن الأنس.
الحديث إلى الغريب لا تسمح به الثقافات التي تشكّ في الغريب وترذّله، ويسود لدى أغلب أفرادها كره الأجنبي وغير المألوف، لذلك فإنّ هذا الضرب من المحادثة غالبا ما يكون في ثقافة تسمح به. والحديث إلى الغريب شأن فردي نفسيّ أيضا فمن المسافرين في قطارك البعيد مثلا من يؤمن بقداسة لمملكة الفرد وحرياته، وصمته الاختياري وعزلته الإرادية. هذا التصوّر لا يعني فيه الاشتراك في الفضاء اشتراكا في المحاورة والكلام. ليس الصمت في هذه التصوّر عقابا ولا ترفّعا أو نكرانا للآخر، بل الصمت بند من بنود الحرّية الشخصية، وكسره من دون استئذان ولا تفاهم هو كسر لتلك الحرّية. فالمحادثة مع الآخرين في هذا الإطار لا يكون إلاّ بالاتفاق النفسي على حدوثه، وهنا يكون الاستئذان في بداية المحادثة أصعب ما في المحادثة. ليس إبرام محادثة مع الغريب أمرا آليّا، والشروع في محادثة مع الغريب هو أشبه ما يكون بإحماء محرّك سيارة، وإحماء المحاورة هو شيء من نوع تحميس الآخر لها. عناصر التحميس غالبا ما تكون خارج لغويّة قد تكون علاميّة تتعلق بالصوت وبالوجه وبأثرهما فيمن يراد منه مجاراتنا في محادثة. وحين تنطلق المحادثة بصوت ساحر، وحين ينطق الغريب تبدأ القراءة العلامية المتعددة في الفهم والاستكشاف والتأثر.
الانطباع الأول وأنت تسمعني أتكلم في مداخلتي الأولى، هو عنصر مؤثر في تواصل المحادثة أو في قطعها. فرص نجاح محاورة أولى قد تختلف استنادا إلى عناصر خارج مضمون الرسالة، فقد تنجح محاورة أولى بين شابّين وسيمين من جنسين مختلفين، أو بين عجوزين في خريف واحد للعمر، أو بين من يتشاركان في اللكنة أو اللغة أو الانتماء إلى دائرة ثقافية أو إثنية واحدة. كسر الغربة يكون من أوّل انطباع ثمّ تبدأ المحاورة بسلام. ليس إنشاء المحاورة مع غريب بالأمر السهل، إنّها أشدّ صعوبة من فاتحة قصيدة على شاعر تخونه البدايات، ومن التخطيط لنصّ سرديّ تريد وأنت تفكر فيه أن تدخل شخصيّاته إلى بيت الطاعة الخيالي. فمحاورة الغريب عند من يفكّر في التئامها صعبة البدايات لأنّها ككلّ فعل تشاركيّ لا بدّ لها من تفاهم.
القاعدة الكلامية الأخلاقية: أنّ من سبّنا في محاورة ليس منّا، صحيحة ومجربة؛ أمّا أن يصبح من سبّنا جزءا منّا من الروح والفؤاد، فهذا لا يكون إلاّ في خيال شاعر ليس لبس جلدا ثقافيا مختلفا تمشي فوق السنن الثقافية المحرّمة بخيلاء من لا ترى إلاّ نفسها.
لأفترض أنّي غامرت وبدأت المحاورة مع الغريب، فبمجرد أن أشرع في المحاورة سأختار دائما الكلام الذي يُجمّلني في نظر هذا الغريب (بالطبع أنا أتحدث عن المحاورات المسالمة) فضلا عن اختياري العبارات التي تناسب الوصف والمقام، وسأختار أن أكون متكلفا أكثر للّطف والتأدّب وسأكون متعاونا أكثر مع استعداد الغريب أن يشاركني الكلام، فيكفي أن يهمّ محاوري بالكلام حتّى أنصرف إليه بكلّ ما لديّ من سمع، وأعتبر أنّي نجحت في جرّه إلى حلبة الكلام، وسأمارس دوري مستمعا جيدا. يعني هذا أنّ التحاور مع الغريب يحفظ شروطا طرازية للمحاورة وللتعارف والتأدّب وزيادة. حين يتكلم محاوري الغريب سيكون ذلك فرصة لي لكي أتمعن في علامات وجهه وإشاراته وإيماءاته، وسأتصرّف وأنا أنظر في الحدود الثقافية التي تتيح لي أن أرى شيئا ولا أرى آخر، بدعوى الانضباط لقواعد التأدّب الاجتماعية.
تحدث أكبر اكتشافات الجمال في وجه من سيقع لاحقا في حبّ غريب يحاوره أثناء هذه المحادثات الأولى؛ وأوّل ابتهاج بالوجوه الغريبة يكون بالجمع بين حلاوة الوجه وطلاوة الحديث، هذا الافتتان بعذوبه المقال المغلف بسحر الجمال هو الذي يبطل كلّ حسابات ستظهر لاحقا ضمن ما يسمّى لاحقا «كشف القناع». أغلب الأقنعة تلبس في أولى محاوراتنا مع غريب نريد أن نراه جميلا، ويرانا كما نراه كذلك، كنّا يومها نلبس أحلى زينتنا في الكلام ثمّ ستنزعها الأيام.
في بيتي جميل بن معمر التاليين إيحاء بأولى محاوراته التي قادته إلى جنونه بها يقول: (وأوّل ما قاد المودّةَ بيننا/ بوادي بغيضٍ يا بُثَيْنَ سِبَابُ// وقلنا لهَا قوْلا فجاءَتْ بمِثْله/ لكلِّ كلامٍ يا بُثَيْنَ جَوابُ) سنعتبر على سبيل الافتراض أنّه حديث عن كلام بكر؛ ومن الممكن أن يكون جميل عارفا ببثينة، لكنه جاهل بمنطقِها وأنّ المحادثة بينهما كانت الأولى في هذا الوادي الملقب باسم غير محايد. هذه المحاورة مناوشة من نوع ما يحدث عندنا في زحمة المواصلات، من إلقاء امرأة اللوم على رجل سبقها إلى كرسي في القطار وجلس وتركها واقفة من غير أيّ احترام لقواعد الكياسة والمجاملة.
تنتظر المرأة من أيّ رجل أن يكون أنيقا في معاملتها حتّى إن كان غريبا، فلا يدفعها ولا يسبقها إلى الكرسي؛ ولذلك تندلع بينهما محاورة متشنجة قد تصل إلى السّباب. ليس هذا هو السباب نفسه الذي دار بين جميل وبثينة، لا في المعنى ولا في السبب ولا في التأويل، لأنّ المقامين مختلفان: مقام بادية وقيودها ومقام مدينة ومشاكلها، بالإضافة إلى اختلاف في طبيعة العلاقة الاجتماعية بين ذلك العصر وهذا العصر. السباب الذي أعجب جميل من جرأتها ليس سبابا مما يمكن أن نفهمه اليوم ونسمعه؛ هو ليس شتيمة لا تبقي ولا تذر هو نوع من الجرأة: جرأة امرأة على رجل لم ينتظر من امرأة أن تتجرأ عليه مثلما لم تنتظر امرأة القطار أن يفعل بها رجل عصرها ما فعل. سباب انقلب إلى الإعجاب: انقلاب ساحر لا يعرفه إلاّ الخيميائيون يريدون أن يستخرجوا من مواد متفاعلة شيئا سحريّا مفارقا سحريّا: هو العشق.
القاعدة الكلامية الأخلاقية: أنّ من سبّنا في محاورة ليس منّا، صحيحة ومجربة؛ أمّا أن يصبح من سبّنا جزءا منّا من الروح والفؤاد، فهذا لا يكون إلاّ في خيال شاعر ليس لبس جلدا ثقافيا مختلفا تمشي فوق السنن الثقافية المحرّمة بخيلاء من لا ترى إلاّ نفسها.
في ثقافتنا العربيّة كثير من قصص الزواج بدأت بمحاورة مع غريب، وكثير من صداقتنا بدأت بمحاورة مع غريب التقيناه فجأة، لكن اختار هو أو نحن أن نبدأ المحاورة وفي سيرورتها الأولى اختلط الفهم بالذكاء العاطفي: ذكاء يزن الإنسان بميزان الوجدان.. بعدها اتخذنا قرارا: أن نكون أصدقاء أو أحبّة.. وبعد محاورة مع ذلك الغريب الذي صار حبيبا قد نعود ربّما كما كنّا غرباء ولكن مع فرق: باتت لدينا ذاكرة من كلام مليئة بالتفاصيل.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية