محاولات إيران للتفاوض مع أمريكا من بوابة إغلاق مضيق هرمز

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: عندما حطت طائرة وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في نيويورك لتحريك ملف التفاوض مع الشيطان الأكبر سابقاً من خلال تقديم اقتراح جديد حول البند الـ5 للشروط الـ12 التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، لتغيير سلوك الجمهورية الإسلامية تمهيدا للتفاوض معها، صعد القادة العسكريون والسياسيون في طهران لهجتهم فيما يتعلق بإغلاق مضيق باب السلام “هرمز” الذي يمر منه ما يقارب ثلث النفط العالمي. وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد هدد بإغلاق المضيق لأول مرة خلال زيارته إلى سويسرا تموز/يوليو الماضي رداً على تهديدات الإدارة الأمريكية بمنع تصدير النفط الإيراني، حيث قال “إذا استطعتم افعلوا ذلك، وسترون النتيجة”. وسارع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، اللواء قاسم سليماني، للإشادة بتصريحات روحاني، وأكد أن الحرس الثوري سيواكب خطة الحكومة للرد على العقوبات الأمريكية في إغلاق المضيق “إذا اقتضت الضرورة”.

في سياق اللهجة التصعيدية وعلى هامش ملتقى قادة ورؤساء قوات الشرطة والأمن الداخلي في طهران، أكد رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيراني، اللواء محمد باقري، أن بلاده لا تريد إغلاق مضيق هرمز إلا إذا “بلغت ممارسات الأعداء حداً يدفعنا إلى الاضطرار لذلك” مضيفاً أن القوات الإيرانية المسلحة هي التي تتحمل مسؤولية الأمن في المضيق، وأن طهران تريد الأمن وإبقاءه مفتوحاً. وأوضح أنه كما تجتاز شحنات النفط والسلع التابعة لإيران والبلدان الأخرى هذا المضيق، وكما أكد المسؤولون الإيرانيون إنه إذا أراد أحد زعزعة أمنه فإنهم سيواجهون. وشدد على أن تصريحاته لا تعني إغلاق المضيق، وأن الجمهورية الإسلامية لا تريد ذلك إلا إذا بلغت ممارسات الأعداء حداً يجعلهم يضطرون له، وأنهم قادرون على ذلك ما يدركه أعداء طهران.

وعلى الخط التفاوضي، أشار وزير الخارجية الإيراني إلى أن الجمهورية الإسلامية لا تريد تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة، مضيفاً “لقد أعلنا بوضوح بأننا لا مصلحة لنا في تصعيد التوتر مع واشنطن”. وعلى هامش زيارته للدوحة للمشاركة في الاجتماع الوزاري لمنتدى حوار التعاون الآسيوي، اعتبر ظريف الخليج ومضيق هرمز الشريان الحيوي لبلاده، موضحاً “نريد أن تكون منطقة الخليج والمضيق آمنة للملاحة البحرية لجميع الدول ومنها إيران” مؤكداً أن الشعب الإيراني برمّته يرفض خيار الرضوخ لإملاءات واشنطن، وأن بلاده سوف لن تسمح بتحويل مضيق هرمز إلى ممر مائي غير آمن، وقال إن أمريكا لو أرادت زعزعة أمن المضيق، فإنهم سوف لن يسمحوا لها.

لكن تصريحات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الأخيرة في ضرورة اتخاذ قرار الحرب من قبل الشعب، تحمل نظرة تشاؤمية تجاه نتيجة المحاولات لفتح قناة تفاوضية مع الإدارة الأمريكية، خاصة أن ظريف أكد عدم جدية واشنطن في التفاوض، قائلاً إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية اقترحت على الولايات المتحدة الأمريكية تبادل السجناء بين البلدين منذ 6 أشهر، لكن واشنطن لم ترد على المقترح حتى الآن. ويعتبر موضوع تبادل السجناء الشرط الـ5 من الشروط التي وضعها مايك بومبيو لبدء حوار مع طهران. وأشار خامنئي إلى اتخاذ العدو نهج الحرب وهجومه في المجالات الاقتصادية والسياسية والتغلغل الاستخباري وتوجيه الضربات عبر الأجواء الافتراضية، وقال إن أمريكا والصهيونية تخططان وتعملان في جميع الأبعاد، وإن هذا الأمر ليس مختصا بالحكومة الأمريكية الراهنة، إذ أن الحكومات السابقة كانت تفعل الشيء ذاته، ولكن بقفاز مخملي إلا إن ما ساعدنا به الرئيس الأمريكي الحالي هو أنه نزع هذا القفاز، وأصبح الجميع يرى تلك القبضة الحديدية التي كانت متخفية تحته.

ومنذ تجرع مؤسس الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني، كأس سُم الهزيمة في عام 1988 بعد 8 سنوات من الحرب مع العراق، اعتمدت إيران استراتيجية ثابتة في عدم خوض أي حرب أو معركة بالقرب من حدودها، وعملت على إبعاد المخاطر من حدودها بشتى الأساليب أهمها إنشاء ميليشيات عابرة للحدود تحارب بالنيابة عن طهران في جغرافيات بعيدة عن إيران. وكتبت مجلة “فورين بوليسي” التابعة لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن إيران لا تنوي إغلاق مضيق هرمز، بل تعمل على رفع أسعار النفط بدون أن تعرض نفسها إلى خطر حرب مباشرة مع الولايات المتحدة. وأوضحت أن طهران بإمكانها أن تزيد من مناوراتها العسكرية في المضيق ما يؤدي إلى عرقلة حركة ناقلات النفط في مياه الخليج والمضيق. وأشارت “فورين بوليسي” إلى إعلان طهران إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا في المياه القريبة من المضيق خلال الفترات المقبلة، واعتبرت ذلك بأنه إشارة خطيرة للولايات المتحدة والدول الأوروبية. ولم تستبعد المجلة الأمريكية أن تلجأ إيران إلى سياستها في ضرب ناقلات النفط التي نفذتها خلال فترة الحرب مع العراق، ما أدى إلى ارتفاع كلفة تأمين ناقلات النفط بنسبة 4 أضعاف حينها.

ويعتقد الخبير العسكري الإيراني في المعهد الملكي العسكري في كندا، هوشنك حسن ياري، أن إغلاق مضيق هرمز ليس أمراً صعباً، لكن ذلك سيؤدي إلى حرب شاملة ضد الجمهورية الإسلامية بتداعيات كارثية على إيران وشعبها. وأضاف أنه في حال بادرت إيران لإغلاق المضيق، ستلتحق دول عديدة بالولايات المتحدة ومنها إسرائيل في شن حرب شاملة بحجة فتح المضيق.

لكن المؤشرات لا تظهر أفقا واضحا يطمئن من عدم اندلاع أزمة جديدة في المنطقة خاصة وأنها ستكون شاملة هذه المرة. وكتبت مؤسسة كارنغي للسلام الدولي في مقال لها “المواجهة بين ترامب وخامنئي بلغت مستويات خطيرة للغاية” وأضافت أن ترامب لا يريد الحرب مع إيران، وأن خامنئي لا يريد أن يسقط اقتصاد نظامه تحت الضغوط الأمريكية، لكن سياستهما تدفع باتجاه مواجهة خطيرة. وأوضحت أن خامنئي يعتمد ما وصفته بـ “سياسة الصبر الاستراتيجي” منذ 30 عاما وبعد توليه منصب قيادة البلاد، وأنه من جهة يسمح للحكومة بالتفاوض، ومن جهة أخرى يعمل على تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة. وشككت في أن تحقق سياسة خامنئي النتائج المرجوة هذه المرة، وتوقعت أن الشعوب في إيران ومنطقة الشرق الأوسط ستكون الخاسر الرئيسي في المواجهة بين ترامب وخامنئي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية