محصلة الصورة الفوتوغرافية في تجربة العراقي ناظم رمزي

حجم الخط
0

تشكل تجربة الفنان المتنوع ناظم رمزي، ريادة في كونها خضعت لمجموع التجارب، سواء في العلاقات العامة مع الآخرين، أو البحث المتواصل عن منافذ ترصين الرؤى الفنية، وتمتين نتاجها الإبداعي. وهذا التنوع هو السمة التي وضعت مجمل تجاربه الإنتاجية ضمن دائرة التجديد والتنوع. فهو يستقبل الحياة، ويصانع بهجتها. وهذا ما نمّ عنه كتاب «من الذاكرة» الذي عكس ما نشير له، فهو فعلاً ذاكرة احتوت في صفحاتها حشداً من العلاقات مع الفنانين الكبار، ومع العاملين معه في حقل الطباعة، ما صعد من وتيرة العمق في نتاجه الفني، فهو فنان الفوتوغراف، ومبدع سُبل الطباعة، وفنان تشكيلي له اجتراحاته الفنية، لاسيما توظيف الحرف العربي بكل ما يشكله من رشاقة وطواعية، كذلك سمة اللون على لوحاته، التي تميزت بالسطوع إلى جانب الألفة بين عناصرها ودلالاتها.
هذا المنهج في الفن أتاح له تحقيق رؤاه الفنية.. والأهم في كل ما عمل في حقله، كونه يعمق دأبه في كل مضمار، ما يُزيد من المعرفة وسبل الحِرفة المتعلقة به، وهذا قاده إلى طريق الخوض في عمق الحياة، فقد أسفر عطاؤه وسيرته المعرفية والثقافية والإنتاجية على صورة هذا الدأب.

حركة الاشياء

ركّز رمزي على تجميع ما تطلبت تجربته الفنية. فهو لم يبخل عليها بشيء، فقد خاض غمار التجريب، ليس بالنتاج الفني في الفوتو والتشكيل وحسب، بل بمكملات عناصر الإبداع. ولعله وجد في تأسيس قاعدة الطباعة، من خلال ملاحقة التجارب في العالم، ما أتاح له قدرة تحقيق جُهد طباعي فني راق، تشهد له مدونة التاريخ الشفاهية والمحررة. كان رائده وبشهادة من عمل معه، كونه وفّر مستلزمات النهوض في هذا الحقل للآخرين. والدليل على ذلك عدم توقف وتيرة العمل في هذا المضمار، بل إن تلاميذه وصحبه من تبنى مثل هذا في حياته وبعد رحيله، من أجل تصعيد وتيرة العمل، ومن بينهم الفنان مريوش فالح.
إن تجربة الفنان ناظم رمزي الفوتوغرافية، وهو موضوع دراستنا، تُعد تجربة غنية، بسبب شموليتها وسعة أفقها من جانب، وعمق تفاصيل لقطاته وإشاراتها التي وفرتها عينه، متحدة مع عين الكاميرا. فهو فنان يعتني باختياراته، بل يُخضعها لتجاربه الغنية، والمفعمة بالتجدد والريادة. وهذا نابع من حرصه على أن يكون الخلود نصيب ما يقدمه من إنتاج، شأنه شأن فنانين كبار، كمراد الداغستاني، جاسم الزبيدي، فؤاد شاكر، عادل قاسم، عبد علي مناحي، كفاح الأمين، ناصر عساف وغيرهم. فقد أضاف ريادة في سجل جمهرة الفنانين الفوتوغرافيين في العراق والوطن العربي، بل في العالم. فلقطاته الفنية التي اتسمت بالتنوع والشمولية، حيث سجلت عين كاميرته معظم المشاهدات اليومية، ذات الصلة بالتاريخ الناصع للبلد، وتنوعها متأتٍ من مجال تأكيده على سعة القاعدة التي اعتمد عليها في إنتاج الصورة، باعتبارها تاريخا لكل مكونات الحياة، بل تعدى ذلك إلى تحقيق جدلية فلسفية، لاسيما في تلك اللقطات التي حاكت الطبيعة، والوجود اليومي للإنسان على كل الأصعدة. فما توفر لرمزي قد لا يتوفر لغيره. لكنه في الخصوصية الذاتية، خضع إلى الاختيار الرؤيوي الذي ألزم الفنان على التدقيق في الظواهر المعاشة، والالتزام بشروطها الموضوعية، دون مبالغة تُذكر، أو زيادة في كادر الصورة وعناصرها الموجبة. فالصورة لديه تذهب مباشرة إلى تجلي المعنى الذي ألزمت جُهدها في حقل التدوين، باعتبارها لغة مضافة. وباعتبار اللقطة جزءاً من تجسيده حركة الأشياء التي قد تغفل عن مدون آخر له سُبل خاصة. واقع لا بد من تدوينه على صعيد الفن. فقط تحكمت في لقطاته العفوية والمدروسة، النابعة أصلاً من عمق النظرة الشمولية للواقع، وما يدور فيه من جدلية الوجود، منطلقاً من مفردات الحركة في التاريخ الذي اشترطته بنى سائدة، خفية ومعلنة. فالتاريخ شاغل متواصل لنظراته وتجاربه اليومية. وقد أخضعها إلى مبدأ تذليل الصعوبات، أي التقشير للظواهر ضمن حقل الانتقاء، من أجل الوصول إلى مشغولات أساسية تُرصن الفن على أصعدته كافة.
كما أنه ضمن هذا الاختيار خضع للنادر من اللقطات، التي قد تكون من ضمن ما تطرق إليه غيره من الفنانين، لكن الخصوصية الذاتية الفنية، أبرزت التميز بين هذه اللقطات ذات التشابه في البنية العامة، أما في بنيتها الخاصة، فإنها خضعت للسبب والنتيجة. فلقطاته خضعت كما ذكرنا إلى مكونه المعرفي للظواهر الاجتماعية، بما فيها عوامل الإنتاج التي حصرناها في محور المهن والحِرف، الذي يرفد تجربته واهتمامه بالحياة، من أجل إزالة تراكم الحيف على سطحها وعمقها، كما نجده قد فعل جُهده في رصد حياة الطفولة ومحتوى الأزقة والمنعطفات الشعبية.. كذلك في مجال الاهتمام بالإنسان وتجسيد مشاعره وأحاسيسه عبر لقطات البورتريه، التي تميزت في معظمها، لعكس الوجع الظاهر والمضمر.
إن ملاحقة حياة الإنسان لم تقتصر على صورة الإنسان المقهور، بل تعدت إلى الإنسان بشكل عام، وهذا ما اشّره عبر استكمال دائرة علاقاته الاجتماعية والأسرية والثقافية، الفنية منها والأدبية. فذاكرته خضعت للغنى المجسد في صور معظم المهتمين في الثقافة من خلال العلاقة المباشرة بهم، ما صعّد وتيرة ذاكرته المحتشدة بالجمال والرفعة.

2021-08-03_15-48-20_799029

التماس مع المكان

ما يمكن الوقوف عنده من خلال تشوف الرائي لصورة رمزي هي العلاقة بالمكان. وطبيعي أن عين الكاميرا تتعامل في جُهدها وفق هذا الحراك. غير أن ما يميز الصورة هنا هي خاصية المطلق في التعامل مع المكان. وهذا يسحب معه حيوات المكان، أي محركاته البشرية، فهو هنا يعكس النظرة الأممية للمكان ــ إن جاز التعبير ـ أي أنه ينظر إلى المكان دون الأخذ بنظر الاعتبار هويته الذاتية. بمعنى تكون نظرته بذلك محايدة، ذات بُعد إنساني عام، بعيداً عن التعاطف أو عدمه لهذا الحيز أو ذاك. فمركزية اللقطة تتحدد في المعادلة التالية:
(المكان = الإنسان + الحيوات الأخرى + خاصيته الذاتية «صفته البيئية»)
من هنا نجده يتعامل وفق منظور جمالي، من خلال التدقيق لخواصه، مستلهماً تأثيراته الظاهرة والمضمرة، مجسداً هذه التأثيرات من خلال قدرة فنية، تضع بالاعتبار سؤال الوجود في المكان، محققة نمطا فلسفيا يسأل:
ـ ما علاقة الإنسان بالمكان؟
ـ الكيفية التي يتم فيها الوجود في المكان.
ـ الأفعال وردودها في التعامل الذي يُحقق وجود الإنسان والحيوات الأخرى ضمن هذا الحيز.
ـ استنفار مكونات اللقطة عبر عدسة الكاميرا التي تستعير عين المصور، المجسدة في حساسية عين الرائي (المصور) التي تأخذ بنظر الاعتبار حساسية الرائي المتلقي بصرياً للصورة.
ـ تواصل الصورة مع الأزمنة (الخلود الفني).
ـ الكيفية التي عليها مكونات الصورة (جدلية العلاقة الفلسفية).
ـ ما تستوجب الصورة عبر علاقاتها الاجتماعية والإنسانية.
وبهذا نكون قد حصلنا على صورة (لقطة) فيها إثارة للأسئلة بمعنى حيوية جدلية. هذه الحيوية تُسهم في تغليف فضاء الصورة بالأسئلة والحوار واستقدام الرؤى، سواء كان هذا عند محترف لإنتاج الصورة، أو رائياً يعشق ما تنتجه عين الكاميرا. ومن كل هذا أيضاً يضعنا الفنان ناظم رمزي ضمن دائرة التفاعل مع المكان (اللقطة) من اعتبار التعاطف الباحث عن أسرارها. وهنا علينا التأكيد على ثنائية (العين والعقل) الذي بنينا عليها نظرتنا للصورة عن معظم الفنانين في حقل الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية. العين والعقل، ليس بالمنظور المجرد، وإنما بما ينتجانه من فيوض فلسفية، ربما تتداخل مع الفيوض الصوفية، بمعنى الحلول في الأشياء. وهي سمة تؤصل صورة الأشياء، وقدرة نتاج الثنائي على التوصيل المستدام مع الزمن، بمعنى خلود الأثر، وحضور الخالق للأثر حتى بعد رحيله. وهذا ما حصل لرمزي وهو يترك نتاجه العقلي ــ العاطفي ــ الإنساني بين أيدينا، أنى شئنا زماناً ومكاناً.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية