‘محطات باريسية’ هو الكتاب الأخير لحسن نرايس والذي يرمينا إلى رحاب موضوعة الآخر كسؤال ميتافيزيقي، سؤال ملغم بالمفارقات إلى حدود تشظيها وانتشار شظاياها على البياض الذي لم يكتبه بعد.
لا يعني هذا أننا نريد ملء تلك الفراغات ولا رتق البياض بقدر ما يرفعنا البياض لمساءلة الحرف الأخير والأول من اسم الكاتب، كأن الكتابة عن الآخر هي كتابة عن الأنا، كأن باريس لا تستقيم الكتابة عنها إلا بالبيضاء والعكس صحيح تماما. كتابة هذا النص إذن هي مفارقاته عبر الرقص عليها بشكل يفيد توتره الملغم بحجاب المثقف العضوي الباحث عن ثورة هنا أو هناك وبالجملة هي كتابة تحتفي بمفارقاتها الأنطولوجية. من هنا يدعونا سؤال الآخر/ باريس للتلصص على الذات / الدار البيضاء فلعبة الرؤية والتلصص. تبعدنا في الأول لقراءة مقدمة الناقد بشير القمري، لا لطيها في ركن مختلفات، بل للتهرب من بوصلة قراءته. وعادة تكون المقدمة إضاءة للنص مثلما تكون رسما لطرق القارئ عبر فتح مغالق النص، لذا سأترك المقدمة إلى حين، مخافة من قراءتها والتوقف عندها أو على الأقل عدم الاشتراك مع الكاتب في مسألة بياضاته.
باريس مدينة الجن والملائكة، هكذا قال طه حسين في زمنه، المدينة التي تحسن الرقص على النور، بل لها جاذبية خاصة. الارتحال مع الكاتب في ذكرياته مع باريس هو ترحالي أنا أيضا الذي لم اشبع من رؤية باريس في الزمن السابق، كأن الكاتب يقيس ذاكرتي البصرية والذهنية بما يكتبه، مثلما يحيلنا إلى العمق الباريسي وإلى المجهول الذي تخفيه سراديب مترو الأنفاق، والذي كتب عنه بشكل دقيق الصحفي المتميز محمد باهي على صفحات مجلة ‘اليوم السابع’. مثلما يستفزك المنفلت في الأمكنة التي تبدلت واجهتها الرائعة إلى واجهات لا تحمل سوى ماركات مسجلة.
2 ـ النص إذن- قياس للنسيان، بمعنى الذي يتذكره الكاتب هي الصور التي نسيها بين عينيه ونظاراته. بين التذكر والنسيان مسافة الموت والحياة. كأن الكتابة عن النسيان هي مساءلة الذاكرة، بل وخلخلة ما يعلق بها. هكذا نسير مع الكاتب في رحلته إلى باريس كأنه يرغب في أن يكون دليلنا في عاصمة النور. إن كان هذا الدليل مشكوك في أمره طالما الكتابة خيانة لصاحبها، وطالما السواد خيانة للبياض. وأنا لا أريد فك هذه الثنائية للبحث عن اللون الرمادي الذي لا يليق بالكاتب. مثلما لا يليق بوحدة القراءة ولكن بالإمكان أن نتورط في قراءة المنفلت من السواد والبياض، من الكتابة والمحو، من الكاتب وشبيهه، الشبيه الذي لا يشبهه كأنه يبحث عن صورته المفقودة في البيضاء ليجدها في باريس، في مقاهي المثقفين، في مدرج الجامعة، وعند بائع الساندويتش الإغريقي، والأكثر من ذلك، فيما لم تكتبه الصحافة الباريسية، وما لم تعرضه دور السينما، وما لم يتذكره محمد باهي والصيباغي والكنسوسي، وما انفلت من متعة سريعة مع امرأة ما. وما لم يقله الأصل، أصل الذاكرة والروح والجسد. هذا الذي كتبه ولم يكتبه، رسمه ومحاه، وهو الوجه الشبيه الذي يبحث عنه حسن نرايس في باريس. صحيح أن صديقه الفنان التشكيلي المغربي الذي مات من دون انتباه أحد، رسم صورته دون أن يعطيها له، الصورة التي يراها الكاتب ولكن يحكيها بألم الفقدان، تلك هي الصورة المنفلتة من الكاتب. إنه لا يحمل كما نعتقد قارئه للتجول في دهاليز باريس، بل هو يحمل شبيهه، كنوع من اعتراف مؤجل بلحظة كان الكاتب متخاصما مع شبيهه. أو هكذا ينفلت الكاتب من بين صورته والذكريات. لا أقول صورة واحدة بل صورا متعددة يليق بنا التوقف عند بعضها من قبيل…
3 ـ صورة سوريالية تتمرآى فيها البيضاء أمام باريس أو الكاتب بصورته الجديدة. كأن الكاتب يبحث عن المعنى في رسم المفارقات الكبيرة أو على الأقل بين أزقة الحي المحمدي وشوارع سان ميشال بين دور السينما الباريسية وسينما السعادة التي أعيتها الأفلام الهندية وغير ذلك من صور تبحث عمن يرتقها. ربما سنجد أحمق ما في أزقة الحي المحمدي أو في سراديب الأنفاق يطرز البون الشاسع بين البيضاء وباريس بين الوجه وشبيهه، بين الكاتب وصورته، وفيما ‘بين بين’ التي تعطي للنص حيويته وفعاليته، يليق بنا اعتباره علامة فارقة للكتاب ككل. علامة لا تظهر المعنى إلا لتحجبه في ضفة أخرى والعكس صحيح تماما، كما الوجه وصورته تماما. الرسام لم يقدم بورتريها خاصا للسارد. السارد لم يقل لنا إنه عاد من البيضاء ليحمل صورته في باريس، لكن الرسام مات. لتظل الصورة بعيدة عن السارد أو أنها تقترب منه حين يبتعد عنها. هذا ما تحيل إليه المفارقات في الصفحات 15 و 24 و 33 و 41 و 60 … إذا توقفنا في الصفحة 41 التي تحكي حدثا تاريخيا، تواضع الفرنسيون على الاحتفال به وهو نزول الحلفاء في نورماندي، كان الاحتفال رسميا إلا من المغاربة الذين قاوموا إلى جانب فرنسا. هكذا يحكي الكاتب حكاياته عبر البحث عن رابط يعلقها في البيضاء ليخلص إلى صورة الجندي المغربي المشارك في الحرب إلى جانب فرنسا والمتكئ على ذكرياته مفترشا قساوة الحياة والسيجارة ‘كازاسبور’. الصورة صادمة لا تحتاج إلى البحث عن وجهها الأصلي بقدرما يكون نزوعها نحو التوتر والاحتجاج. كأن الصورة هي فعل احتجاجي بامتياز.
4ـ صورة الاحتجاج هي الصورة المبنينة للنص ككل فالكاتب يكتب صوره بنوع من الاحتجاج. ليس احتجاجا ضد الآخر، بل ضد الأنا في حمولاتها المتعددة. إنه احتجاج مزدوج، احتجاج يسوده انفعال في بعض الأحيان، وهو ما وضع الكاتب في تناقض ‘بين- بين’ خصوصا فيما تقدمه صفحة 60. بين الشرف والعهارة يدخلنا الكاتب في معايير أخلاقية بعد ما يجول بنا في الأنفاق والمجهول والمغمور فيما لم تنقله الكاميرات التلفزيونية ومن هنا الحكاية.
يحكي عن حدث سياسي فرنسي والذي نجمله في قانون الإقامة في فرنسا، أي طرد المهاجرين غير الشرعيين، ستبدأ الشرطة الباريسية بإخلاء الشوارع التي تعمرها العاهرات، لكن في الوقت ذاته يجدن مواقع أخرى لبيع الرغبات واللذات. وهذا شيء عادي هنا أو هناك، لكن السارد يحاول تنقية وجه المغربي من قبح لاصق في هوامشه، وجه ‘جميلة’. الطالبة المغربية التي تقول ‘اللي بغا يدير هاذ العجب، إديرو فبلادو… وما يوسخش الصورة ديالنا حنا’ صفحة 60.
هكذا تتعدد الصورة وتسترخي في خطوط انفلاتها. كما أن السارد لم يقبض على ذاك الخط المنفلت بين الوجه وشبيهه، أو بالأحرى بين الكاتب والسارد. يحاول السارد إقناعنا بالوجه الجميل، ‘لجميلة’ المرفوع بأخلاق الأجداد وثقافة الأم، لكن في الوقت ذاته يحتج على هذه الصورة. حينما يقبل صورة أخرى في شارع سان دونيس أو في المراقص الليلية التي تظهر الجسد المغربي في أقصى درجات اللذة: في هذا السياق، من الصعب في نظري التورط في رفع تلك السلوكات والمعايير الأخلاقية تحتفل بميتافيزيقاها الخاصة. وإن كانت هذه السقطة/ الورطة هي انبجاس المكبوث المخزون في الحي المحمدي، في المغرب العميق، فإن افتضاحه سرعان ما يعلن سؤالا آخر كسؤال ما فتئ حسن نرايس يشتغل به وعليه، سواء في الحديث عن صورة السخرية فيه؟؟؟ ونحن لا نريد ذلك، إننا نقاوم سخريته بفضح لا شعورها أو بالأحرى خلخلة السلطات الثاوية خلف تلك الصورة التي تظهر لنا المغربي (باعتباره ينتمي إلى الشرق) في مقابل المستعمر الأجنبي الأوربي الفرنسي.
وهي نفس الصورة التي يعلنها الكاتب باحتجاج كبير حين الحديث عن ذاك الجندي المغربي الذي رمته فرنسا في الهامش من دون أن تقول له شكرا ولا تعترف بما قام به في الحرب.
5 ـ صورة أخرى تضع الوجه المغربي قلقا بئيسا متوترا، منكسرا… وهي صورة تحيل إلى المستوى المعيشي الذي يعيشه هذا الوجه وخصوصا حينما يتعلق الأمر بحق من حقوقه الإنسانية، وأعني بذلك حقه في التطبيب.
هنا تنفضح الصورة، صورة الأنا، ليس بما يقوله السارد في وضع علامة استفهام حول التحاليل الطبية. وبتأويل الأطباء بل إنما في جعل تلك العلامة تدور بين السطور لا لتقول المعنى بل لتفضح ما يجعل فساد الأمكنة إطارا سياسيا للمجتمع وبين المستشفى الباريسي الذي يستقبلك كإنسان دون اهتمام بجيبك وجنسك، بل تحتضنك ملائكته بابتسامة تفيض حبا وإنسانية، لتبرأ من جراحات الماضي. المسألة لا تتوقف عند السارد بل تتعداه إلى أقصى درجات البؤس السياسي والاجتماعي عنده، فمن جهة، أغلب المرضى في هذا المستشفى هم من أغنياء الدول المتخلفة، بتعدد مجالات غناهم، والباقي من الناس العاديين في باريس، من جهة أخرى هذه الصورة التي تقلب صورا أخرى لباريس، تعيدك إلى شعارات الثورة الفرنسية، إلى باريس المرأة الناعمة التي تغطيك برموش عينيها وتحضن رغباتك، مثلما تقوم بتحريرك من ذكرياتك، هكذا يتحرر السارد من تأويلات الأطباء المغاربة، من تلك المصحات التي تسرقك وأنت تبتسم. كأن الكاتب يريد تقديم وجهه بشكل يليق بالمعايير الإنسانية التي يغطيها النور الباريسي.
6 ـ صورة أخرى تضع الكاتب أمام أوراقه البيضاء، يكتب بقلم جاف في البيضاء أو في باريس. دون أن يذكر مكان الكتابة، يستطيع القارئ النبش في الصور المتناسلة في هذه الحكاية أو تلك، بمعنى أنه حين تكون نبرة الاحتجاج قوية، نفترض أنه يكتب في البيضاء، بينما حين يكتب في باريس، يتقلص الاحتجاج.
ثمة أمكنة يستطيع الكاتب تكسير احتجاجه فيها من قبيل السينما، مقاهي المثقفين، اللقاءات الثقافية، الكتاب الذين تربطهم علاقة به، كالطاهر بنجلون، محمد باهي … وكتاب يعبرون نهر السين كالطيور، وأمكنة أخرى تغيب وتحضر في المكتبات والإعلام التلفزيوني وشخوص روائية وسينمائية وغير ذلك، بينما يندفع الاحتجاج إلى حدوده القصوى حين تخنقه أمكنة البيضاء بضوضائها ولصوصها وباراتها وباصاتها وأزبالها ومقاهيها ومثقفيها وعاهراتها… كل الروائح الكريهة التي تخنق أحلامه ومشيته، يحتج الكاتب، لكن لا أحد يسمعه، لأن الجميع منشغل بتطريز السماء بالدعاء.
باريس، تفتح أبواب الحرية للكاتب، ولكل مسافر إليها وتصنعه أمام تحسس ذاته دون حاجة إلى أحد ما، هذا ما يرسمه الكاتب في حدائقها وممراتها… إلخ. والبيضاء التي تشتعل وتستر جسده من عين طائشة، قدر المغربي هو العيش داخل صوره المتعددة.
‘ محطات باريسية’ إذن تفضح هذا التوتر بين الوجه وشبيهه، بين باريس والبيضاء، وبين هذا وذاك، رحلة الكتابة باعتبارها شهادة عما ينفلت من النسيان، عما يظهر في المضمر، أي فيما يعنون به الكاتب كتابه ‘محطات باريسية’ في كل محطة ثمة وجهات نظر، ثمة نوافذ مشرعة إلى الشمال والجنوب، إلى الشرق والغرب، وفي كل محطة يتوقف الكاتب في نافذة تاركا النوافذ الأخرى مشرعة على كتابة قادمة المحطة هي عبور العابر، هي وقفة الواقف، حضور الحاضر وغياب الغائب، هي هذا ونقيضه، هي الصورة والمعنى والوجه وشبيهه. وذاك الشبيه الذي يشبهه ولا يشبه هذا المنفلت من الكاتب والمسكون بجني ما.
أو ذاك الجني الذي كان جنينا والذي يبحث عما يبينه وما يظهره. هل يظهره النور أم العتمة؟.
الكاتب مهووس بقياس النور بالعتمة، ومنخرط حتى الجنون بالسفلي والمغمور. في باريس وفي البيضاء ولأنه كذلك هناك محطات تنتظر العبور والتوقف عندها.
7ـ الكاتب خائن، هكذا أتخيل وأعتقد، ولأنه هكذا فهو يراوح بين الخيانة والصدق، بين الصدق في رسم ذاكرة أصدقائه الذين عاشوا دون أن ينتبه إليهم أحد احتجاجا على هذا الزمن، زمن الصورة، زمن النور في المقابل يخون اسمه ككاتب مسحور بموضوعة الآخر حتى الثمالة، الآخر يسكننا، ‘الآخر هو أنت’، كما يقول التوحيدي، والآخر موضوعة رئيسة في مشتل الكتابة عنده. علاقته بباريس في هذا الكتاب لا تنم عن حنين رومانسي ولا تروم فتح الجرح الطلابي من جديد وإنما هي نوع من الابتعاد عنها. فالبعد منها هو قياس الكتابة، قياس الاحتجاج، قياس التوتر…
8ـ إن شكل الكتابة التي يقدم لها حسن نرايس محطات باريسية لا ينتمي إلى تحقيق صحفي ينمحي حين قراءته، بل يتعداه إلى بعد جمالي يؤسس رؤيته الجمالية للعالم. لا نريد الإحالة إلى هوس صاحب ‘محطات باريسية’ بالصورة السينمائية التشكيلية، الفوتوغرافية، الروائية، المعمارية، القصصية الشعرية وغيرها…
إنه ينتقل بين هذه الصورة بانفتاح كبير وتمثل بمساحة الكتابة. لكن ما أثارني في أسلوبية الكتابة عنده هو ترسيم بعض الكلمات العامية في النص دون وضعها بين مزدوجتين، لأن الكلمات الدارجة لا تقبل في حمولتها الدلالية مرادفات لها في اللغة العربية، سيما أن الكلمات أكثر دلالة في العامية. وحين يستعملها لا يفجر اللغة كما يرى البعض ولا لتأزيم المقدس فيها وإنما لفتح النص أمام لغات أخرى.
9- أحاول إتمام قراءتي لهذا الكتاب، كأن أحدا ما يطلب مني التوقف من الكتابة، وإن كنت أعتقد أنها مفتوحة على كتابات أخرى، قد أقوم بها حين إعادة قراءة هذا النص مع مقدمته أو حين يقوم بها كاتب آخر. قلت في الأول أني لا أريد البدء بمقدمة الناقد البشير القمري، لأني لا أريد القراءة بنظارته والآن وقد انتهيت من قراءة العمل ومقدمته وجدت نفسي أمام ذاك الخوف الذي أحسست منذ البداية، ذلك أن البشير القمري قد أحاط بالعمل من كل جوانبه، بعبارة أخرى، لقد وضع النص في سكانير القراءة، إنه فض مغاليق النص بأكملها، ما ترك لي؟ سؤال متخلف.. ربما لأنه يقيس القراءة بقانون اقتصادي، لكن النص الأدبي كما هو معروف، نص مطروح في شوارع التأويل والقراءة وبالتالي، فإن التهرب من إضاءة قمري البشير ورطتني في قياس قراءتي لهذا العمل وأنا لا أريد ذلك بل لا أرغب القياس لأني أنا الخاسر طبعا.
لأن القمري أشتغل على النص ‘محطات باريسية’ بمرجعية نقدية راكمها في دراساته الأكاديمية والجامعية بينما أنا أقرأ كقارئ لا يحمل هذا الوضوح المرجعي. ألم أقل أني تورطت في قول كل ذلك. ألم يكن بالأحرى القفز على المقدمة دون إعلان ذلك، أو دون أن أفضح نفسي أمام القارئ والكاتب والناقد، بل وأمام نفسي، أليست هذه الأسئلة هي نافذة أخرى من محطات باريسية تتخذ ذكاء قارئ ممكن لإيقاظ شيء ما بين هذا الخليط الجميل.
ـ حسن نرايس: محطات باريسية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 2012.
‘ كاتب مغربي