محكمة سودانية تصدر أحكاما بالإعدام على ضباط وجنود عذبّوا مواطنا حتى الموت

صلاح الدين مصطفى
حجم الخط
0

الخرطوم-“القدس العربي”:لأول مرة في تاريخ السودان تتم إدانة مجموعة كبيرة من جهاز الأمن على خلفية مقتل مواطن تحت التعذيب. وشهد يوم الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر الماضي صدور الحكم ضد 29 من منسوبي جهاز الأمن السوداني، بعد رفع الحصانة عنهم واتهامهم بقتل المعلّم أحمد الخير في معتقلات الجهاز في مدينة خشم القربة شرقي السودان.

اعتقال وتعذيب

وتم اعتقال المعلم أحمد الخير من منزله في مدينة خشم القربة في ولاية كسلا، في 31 كانون الثاني/يناير الماضي، بسبب مشاركته في التظاهرات ضد حكم البشير وتم الإعلان عن وفاته تحت التعذيب قيد الاعتقال بمدينة كسلا في الثاني من شباط/فبراير، حسب أسرته وناشطين، لكن السلطات الرسمية أعلنت أن الوفاة نتيجة لحالة تسمم غذائي لتناوله وجبة “فول” مع عدد من المعتقلين.

وتفاعل السودانيون في وسائل التواصل الاجتماعي مع الحدث ومن ضمن ذلك تم تكوين مجموعة تحت اسم “كلنا الشهيد أحمد الخير” جاء في ديباجتها “تم اعتقال وتعذيب الأستاذ أحمد الخير في مدينة خشم القربة واغتيل بطريقة وحشية. ونحن نرفض ونعمل كل ما في وسعنا لإزالة نظام المجرم عمر البشير وتقديم كل من ارتكب جريمة للعدالة. كلنا الشهيد الأستاذ أحمد الخير”. وضجت مواقع التواصل بالجماعات التي تندد بهذه العملية.

الاشتراك الجنائي والقتل العمد

جموع غفيرة تقاطرت نحو محكمة أم درمان صباح اليوم الذي حدد للنطق بالحكم وأصدر القاضي الصادق عبد الرحمن حكما بإدانة 29 متهما بموجب المادتين 21 “الاشتراك الجنائي” و130 “القتل العمد” من القانون الجنائي السوداني، وتقرر الحكم عليهم بالإعدام شنقا حتى الموت.

وجاء في حيثيات الحكم أن أفراد جهاز الأمن الذين قاموا باعتقال عدد من المواطنين عددهم 38 قد مارسوا التعذيب بحق المعتقلين. وحسب مجريات المحكمة فقد تمت تبرئة سبعة منهم وحكم على ثلاثة آخرين بالسجن. ونجا ثلاثة من المعتقلين من الموت لكن حالتهم الصحية تدهورت وخضعوا لجلسات علاج طويلة.

وعقدت هيئة الاتهام مؤتمراً صحافياً، عقب النطق بالحكم بحضور النائب العام مولانا تاج السر الحبر عن الاتهام في الحق العام وهيئة الاتهام عن الحق الخاص برئاسة عمر عبد العاطي وسعد الخير شقيق الشهيد وقيادات قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين، دعا من خلاله النائب العام التوقيع والمصادقة على العهد الدولي الخاص بمنع التعذيب والمعاملة غير الإنسانية وبروتوكولاته الملحقة، كما أشاد مولانا اسماعيل التاج بمهنية يومية التحري التي قال إنها بذلت جهداً مهنياً مقدراً يستحق الاحتذاء، وأشار عادل عبد الغني المحامي إلى أن الحكم علامة فارقة في المسيرة العدلية والأمنية لكونها أول مرة يحاكم فيها جهاز الأمن بسبب التعذيب.

دم الشهيد ما راح

تفاعل المجتمع السوداني مع هذه المحكمة وتابع أخبار جلساتها وخرجت تظاهرات عفوية بعد صدور الحكم معظمها من طلاب المدارس ورددت العديد من الهتافات التي تشيد بدولة القانون ونزاهة القضاء وزوال عهد التستر على المجرمين وكان أبرز تلك الهتافات “دم الشهيد ما راح…الليلة سقطت صاح”.

وحسب ناشطين، فإن اعتقال أحمد الخير الذي يعمل معلما واغتياله بطريقة بشعة أحدث نقلة كبيرة في مسار الثورة التي أطاحت بحكومة عمر البشير في الحادي عشر من نيسان/أبريل من العام الماضي وذلك باعتبار أن القتيل كان يعمل معلما وهي مهنة لديها احترام كبير وتقديس عند السودانيين ولأن قتله كان بطريقة بشعة جدا.

ترحيب بقرار المحكمة

وعقب انتهاء جلسة المحكمة الأخير، أصدر تجمع المهنيين السودانيين (وهو الكيان الذي كان يدير التظاهرات ضد حكم البشير) بيانا قال فيه إن   “جريمة تعذيب واغتيال أحمد الخير مزيجا من محض النزالة وقيح الشر، هزت وحشيتها كل ضمير، وأزاحت لمن كان في قلبه بقية شك، ورقة التوت عن وضاعة الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع”.

وأوضح تجمع المهنيين أن “يد العدالة ستطال من جعلوا التعذيب وسحل المخالفين نظاما وعقيدة، ووفروا له الحماية والصولجان، وليس فقط المنفذين والباطشين الصغار”.

وفي بيان آخر طالب تجمع المهنيين “الإسراع في إعادة هيكلة جهاز الأمن ليتوافق مع الثورة وأهدافها” مضيفا أن الوثيقة الدستورية نصّت صراحة على هيكلة الجهاز “وهذا الأمر قد تأخر كثيرا”.

بيان من جهاز الأمن

وأصدر جهاز الأمن والمخابرات العامة بيانا بعد صدور الحكم أثار حفيظة الكثيرين حيث اعتبر عدم اعتراف بالجريمة التي قام بها بعض منسوبيه وجاء في البيان: “يؤكد الجهاز احترامه للمحكمة ولأحكامها التي صدرت بحق عدد من منسوبيه وفي ذات الوقت سيواصل دفاعه عنهم عبر الاطر القانونية فيما هو متاح له من إجراءات في مختلف مستويات التقاضي وفقًا للقانون وبجانب ذلك سيتواصل مع أولياء دم الشهيد ومع أسر المحكومين في إطار ما يتعارف عليه مجتمعنا السوداني الأصيل من قيم وتقاليد سمحة من دون أن يكون لكل ذلك أي تأثير على مجريات العدالة”.

ووصف الكاتب والمحلل السياسي عبد الله رزق البيان الذي أصدره جهاز الأمن بغير الموفق حيث “اصطف فيه الجهاز إلى جانب منسوبيه المدانين بقتل الشهيد أحمد الخير تعذيبا، بدلا من الاصطفاف بجانب الحق والعدل الذي قررته المحكمة”.

وحسب رزق فإنه “لأول مرة ينكشف ظهر جهاز الأمن، ويتعرض لأول مرة في التاريخ السوداني، على الأقل للنقد العلني القاسي في وسائط إعلامية، بسبب ذلك البيان”.

ويرى عبد الله أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الذي استنفد كل طاقاته خلال الشهور الممتدة من مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي، تاريخ بدء الثورة وحتى الإطاحة بالرئيس المخلوع، في التنكيل بالثوار، شبانا وشابات، لم يتغير، سوى اسمه، الذي أصبح جهاز المخابرات العامة.

ويقول إن الإشكالية في أن يناط بالجهاز الذي كان مكلفا بوأد الثورة، مهمة حمايتها. غير أن الجهاز، الذي ربما تفاجأ بالحكم الصارم على منسوبي، قد نسي الدور، وخرج عن النص الثوري الذي تم تفاصيله خصيصا له، ليكشف عن كامل قديمه من الولاءات والتحيزات السياسية والايديولوجية، والمناصرة الوظيفية.

ويخلص رزق إلى أن محاكمة قتلة الشهيد أحمد الخير، أعادت الجهاز من جديد تحت مجهر التقصي والنقد، حد “المطالبة، بحله وإعادة بنائه من جديد، وفق مقتضى الثورة ووثائقها، بدلا من الاكتفاء بإعادة هيكلته”.

أسرة القتيل تتمسك بالقصاص

ورغم أن شقيق القتيل طالب بالقصاص من المدانين أمام قاضي المحكمة، سرت شائعات كثيرة بعد ذلك عن عفو الأسرة عن المدانين، وتسربت أنباء عن وساطات داخلية وخارجية عبر دول عربية للقبول بالدية. ونفت أسرة المعلّم أحمد الخير قبولها لأي تسوية في هذا الاتجاه وأصدرت بيانا أوضحت فيه رفضها القاطع لأي “ﺗﺪﺧﻞ أﻭ ﻭﺳﺎﻃﺔ ﺃﺟﻨﺒﻴﺔ أﻭ ﺳﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﻟﻠﻌﻔﻮ ﻋﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺘﻬﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ضحى ﺑﺤﻴﺎﺗﻪ لأﺟﻞ أﺟﻴﺎﻝ مقبلة”.

 ﻭحسب البيان رفضت ﺍﻷﺳﺮﺓ ﻭﻣﻜﺘﺐ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ أﺣﻤﺪ ﺍﻟﺨﻴﺮ أﻱ ﺗﻌﺰﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ. وأعلن ﻣﻜﺘﺐ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ ﺃﺣﻤﺪ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻋﻦ “ﺍﺻﺮﺍﺭﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺼﺎﺹ ﻟﻠﺸﻬﻴﺪ ﺍﻟﻤﻨﺎﺿﻞ”.

وقال المهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني في تغريدة له معلقا على حكم المحكمة: “الحكم في قضية الشهيد أحمد الخير انتصار للعدالة التي شكلت أحد أهم شعارات ومطالب ثورة ديسمبر المجيدة” وأضاف: “هذا الحكم لا يتوقف عند حد إدانة الأشخاص، بل يتجاوزه إلى إدانة المؤسسات والممارسات الوحشية للنظام البائد وإعلان قطيعة شاملة معها”.

نقاش مستمر

النقاش الذي يدور وسط القانونيين والناشطين منذ صدور الحكم يتركز حول عدة أسئلة منها “هل يطمئن الشعب السوداني إلى وجود عدالة ضمن دولة المدنية والحريات؟ وهل تؤدي هذه المحاكمة إلى عهد جديد بخصوص العلاقة بين المواطنين وأجهزة الأمن، بمعنى أن تتحول العلاقة القديمة (القمع والذل) إلى علاقة صيانة حقوق واحترام متبادل وفقا للقوانين؟ وهل تقبل الأجهزة الأمنية مثل هذه المحاكمات عطفا على بيان جهاز الأمن والشائعات المنتشرة عن استقالات جماعية للعاملين في الشرطة والأمن؟ وهل تكون هذه المحاكمة فرصة لمحاكمات مقبلة، علما أن هناك بلاغات مفتوحة ضد عدد من الجنود الذين قتلوا بعض الشهداء؟

ويرى الكاتب والمحلل السياسي وائل محجوب إن محكمة قتلة أحمد الخير “هي محاكمة لحقبة الإنقاذ المظلمة ودولتها ومشروعها الذي تمثل بيوت الأشباح والتعذيب عماد حمايته، ووجهه الحقيقي الذي عاشت وماتت به وعليه تحاسب اليوم”.

ويصف حال الدولة في عهد البشير قائلا: “هذه الدولة التي أطلقت يد أعوانها بلا حساب أو عقاب حتى استحالوا وحوشا آدمية، يحمون كبار المجرمين ويحتمون بهم وبأعوانهم من أعضاء حزبهم، الذين يبررون القتل وينفون التعذيب، ويزيفون الوقائع والتقارير والشهادات الطبية، ويشهدون بالزور أمام الناس والمحاكم والعالم. قادة دولة ووزراء وسفراء وساسة ورجال دين يحمون هذه البشاعات ويكذبون ويتحرون الكذب حتى ضاعت دولة العدالة”.

وحسب وائل فإن هذه المحكمة فتحت الباب للقصاص في جرائم بشعة أخرى ويضيف: “عندما تنظر المحاكم في جرائم دارفور وكجبار والعيلفون وبورتسودان وغيرها من جرائم الإبادات والقتل الجماعي، ستتكشف للعالم طبيعة قادة هذا النظام الذين خططوا وأمروا بتنفيذ تلك الجرائم التي يندى لها الجبين، وطبيعة النظام الذي بطش بأهل السودان، وكيف قاوموه ببسالة وشجاعة متحدين هذا الموت المشاع، وانتصروا عليه بعد ثلاثة عقود بثورة سلمية لا مثيل لعظمتها تقارب المعجزات”.

فاصل بين عهدين

الكاتبة شمايل النور تقول: “أعتقد أن قضية أحمد الخير تمثّل فاصلة بين عهدين، بمعنى أن حكم الإعدام الصادر ضد القتلة نفسه حكم فاصل وهو أول حكم ضد منسوبي جهاز الأمن، وحتى لو كان الحكم أقل من إعدام ما كان الوضع سوف يكون عاديا”.

وترى شمايل أن هذه القضية تعتبر فارقة في مسار العدالة مستقبلا، بالذات ان القتلة منتمين لمؤسسة هي شريك الآن في الحكم الانتقالي وتضيف: “لكن تحركات الجهاز بشأن العفو عن المدانين يرجعنا لعدم إيمان الجهاز نفسه بمسألة محاسبة منسوبيه خصوصا وان النائب العام أمامه بلاغات ضد منسوبي الجهاز وبعضهم رفع عنه الحصانة”.

وباعتبار ما دار حول هذه القضية، تقول شمايل إن هذا الحكم يمثّل بذرة ثقة في النظام القضائي بعد الثورة والتي أبرز مطالبها العدالة لكنها ترجع وتقول إن تحركات الجهاز للعفو عن الذين قتلوا أحمد وبهذه البشاعة تشي بأنه ليس من السهولة أن يقبل بمحاسبة منسوبيه مهما كان حجم الجرم. وتخلص إلى أن السلوك الإجرامي عمل مؤسسي وليس عمل أفراد “لأن الطبيعي أن يكون الجهاز في مقدمة المطالبين بإنزال أقسى العقوبات ضد من يحمل اسمه ويرتكب مثل هذا الجرم”. وتخلص إلى أن كل ما يدور هذه الأيام يفتح نقاشا جادا حول جهاز الأمن والمخابرات ويتركز النقاش على حلّه أم إعادة هيكلته؟

ورغم الإجماع الذي وجده الحكم على قتلة المعلم الخير، برز صوت آخر من الداعمين لثورة السودان في رفضه المطلق لحكم الإعدام، ويرى هؤلاء، ومعظمهم يعيشون خارج السودان، أن الحكم بالإعدام مرفوض في المجتمعات المتحضرة، وطالب هؤلاء الناشطون بإلغاء القتل من دائرة العقوبات القضائية في السودان.

نظام قضائي مستقل

وفي أول رد فعل خارجي على هذه المحاكمة قالت الولايات المتحدة الأمريكية إن السودان أثبت أهمية وجود نظام قضائي مستقل ومرن. وأوضحت سفارة واشنطن في الخرطوم في منشور على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أن العدالة يجب أن تطال الجميع وأضافت “يسرنا أن نرى أولئك الذين قتلوا الأستاذ أحمد الخير، أحد الضحايا العديدين للثورة السودانية تم تقديمهم للعدالة”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية