الناصرة- “القدس العربي”:
يوجّه المحلل الإسرائيلي للشؤون الاستخباراتية والاستراتيجية، يوسي ميلمان، أصابع الاتهام للقائد الجديد لجيش الاحتلال، بسبب تغطيته على جرائم المستوطنين التي يعتبرها الكاتب تهديدا وجوديا على إسرائيل أكثر من المقاومة الفلسطينية.
ويقول ميلمان في مقال نشرته صحيفة “هآرتس” إنه لا شك في أن قائد الجيش الجنرال هرتسي هليفي، أو رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، هما الآن في وضع لا يُحسدان عليه، وإنّ مَن سبقهما، أفيف كوخافي ونداف أرغمان، يشكران الرب يومياً على أن ولايتيهما انتهتا في الوقت الصحيح.
وعن هذا المأزق يضيف ميلمان: “ففي أسوأ كوابيسهما، لم يتخيل بار أو هليفي، أنه يمكن أن تتفكك أجهزة الأمن، وتجد إسرائيل نفسها أمام حرب أهلية أثناء تولّيهما المسؤولية. الاحتجاجات ضد الانقلاب القضائي تضعهما بين المطرقة والسندان، بين الالتزام بالقانون وقيمة المؤسسة، وبين الالتزام بقرارات الحكومة المسؤولة عنهما. في هذا الامتحان غير المسبوق، لا خيار أمامهما إلا العمل بحكمة ومنطق وحساسية. الضلع الثالث في هذا المثلث هو القائد العام للشرطة، كوبي شبتاي، الذي يبدو حتى الآن الحلقة الأضعف”.
ويتابع: “لذلك، يرافق الصلاحيات أيضاً امتحان المسؤولية. خلال الهجوم على حوارة، فشل الثلاثة، وإن كان فشل بار أقل منهما. وحتى الوعود التي أصدرها قائد المنطقة الوسطى في الجيش يهودا فوكس، بأنه سنحاسب المخلين بالنظام، تبيّن سريعاً أنها فارغة المضمون. الشرطة لم تنجح حتى الآن في الحصول على أدلة، ولذلك، تم تسريح جميع المستوطنين المعتقلين، باستثناء اثنين منهم تم تحويلهما إلى الاعتقال الإداري لأربعة أشهر، بتوصية من الشاباك”.
متجاهلا عنف الشرطة ضد فلسطينيي الداخل، يقول ميلمان إنه عندما يدور الحديث حول تظاهرات للحريديم واليهود من أصول إثيوبية، أو المتظاهرين ضد الانقلاب الدستوري، أو مجرد مواطنين عاديين، تظهر قوة الشرطة. أما عند الحديث عن مستوطنين عنيفين، فإنها تتجاهل. ويؤكد أن “الشاباك” أيضاً فشل في مهمته الأساسية: التحذير من الخطر المقبل. لم يكن هناك حاجة إلى أن يكون الإنسان “جيمس بوند” ليفهم أن المستوطنين سينتقمون بعد قتل المستوطنيْن هيلل وياغيل يانيف في حوارة. لقد قاموا بذلك، المرة تلو الأخرى، ولم تكن المرة الأولى.
وأكثر من ذلك، فإن الذين يعملون في “القسم اليهودي” في “الشاباك” يعلمون جيداً بأن أيام ما قبل عيد المساخر هي أيام هجوم لدى المستوطنين، مثل رمضان لدى الفلسطينيين، مع فارق واحد: دائماً يحذرون من رمضان مسبقاً. ويوضح أن الإرهاب من طرف المستوطنين دائماً ما يبدو مفاجئاً، ويقول إنه حان الوقت لأن يفهموا أن المستوطنين العنيفين هم تهديد لوجود إسرائيل، حتى أكثر من “الإرهاب” الفلسطيني، على حد تعبيره.
قال ميلمان في هذا المضمار، إن الفشل الأكبر خلال “ليلة البلور” اليهودية- الإسرائيلية هذه، هو فشل الجيش. ويعلل رؤيته هذه بالقول إنه لساعات طويلة، هاجم مئات المستوطنين المتعطشين للدم بلدة حوارة والقرى المجاورة لها، مثل بورين.
ويضيف: “أحرقوا المنازل على سكانها، وأحرقوا المركبات، وهدموا حوانيت. موت فلسطيني واحد في هذه الليلة كان معجزة. الجيش لم يكن جاهزاً، ولم يقدّر بالشكل الصحيح. وفي النهاية، لم يرد أيضاً على المذبحة. الفشل الإضافي كان في منح قائد المنطقة الوسطى يهودا فوكس المسؤولية عن التحقيق. هذا كالذي يمنح القط مهمة حراسة الحليب. صحيح أن فوكس اعترف بفشله بشكل شخصي، لكن التحقيق الذي سلّمه لرئيس هيئة الأركان هذا الأسبوع، يبدو كمجموعة من التبريرات: من جهة، ما جرى هو حدث كبير وخطِر جداً يجب منعه. ومن جهة أُخرى، تبين أن حجم الهجوم وقوته كانا استثنائيين نسبة إلى ما كان يحدث سابقاً. لذلك، لم يكن هناك ما يكفي من القوات للتعامل مع الحدث وملاحقة منفّذ العملية والتصدي للإرهاب، وأيضاً منع الهجمات العنيفة”.
وطبقا لميلمان، فقد جاء في بيان الناطق الرسمي بلسان الجيش، أنه تم استخلاص العبر في منطقة القيادة الوسطى بشأن التعاون بين الجيش والشرطة و”الشاباك” و”حرس الحدود”، وأيضاً بشأن التحضير وتعزيز القوات بشكل أسرع عندما يكون هناك تخوُّف من وضع خطِر كما حدث. ويتساءل ميلمان متشككا هل تم استخلاص العبر فعلا؟ ويجيب بنفسه: “ليس كما يجب. بعد ذلك بأيام، خلال عيد المساخر ذاته، عاد الذين يعتقدون ويتصرفون وكأنهم سادة الأرض، وهاجموا مرة أخرى. ومرة أخرى وقف الجيش جانباً. وإن كان هذا غير كافٍ، فإن بعض الجنود من وحدة غفعاتي، انضموا إلى الرقص مع المستوطنين، كما كانوا أخوة في السلاح”.
يستذكر ميلمان في انتقاداته للمؤسسة الأمنية، أنه بعد الهجوم على حوارة، تطرّق قائد جيش الاحتلال هليفي بأقوال كبيرة إلى ما حدث، وكان نقدياً تجاه الجيش، إلا أن أقواله لم تلحقها أي أفعال. ويضيف في هذا المضمار: “بعد أن قام سلفه، كوخافي، وعلى مدار أربعة أعوام، بالتغطية من خلال التحقيقات على حوادث الجيش والسلوكيات غير اللائقة من طرف الجنود، حتى أنه قام بترقية جنود وضباط انزاحوا عن التعليمات، كان متوقعاً من هليفي أن يكون مختلفاً. سلوكه يشير إلى أنه يسير على ذات الطريق: عدم استخلاص العبر من حوادث استثنائية”.
كما يقول ميلمان إن هليفي صادق أيضاً على التحقيق الذي لا يوجد فيه ولا أي قرار قيادي أو خطوات جدية، لافتا إلى أن التعامل يشبه، إلى حد بعيد، قول أمير أوحانا، حين كان وزيراً للأمن الداخلي وحدثت كارثة ميرون: “أنا مسؤول؛ ولكنني لست متهماً.. لا توجد مسؤولية من دون تهمة”.
يخلص ميلمان للقول إنه في خلفية هذا كله، هناك المقولة المذهلة والمخجلة التي قالها هليفي في سياق النقاشات حول “الإصلاحات القضائية” والاحتجاجات عليها. وبحسبه: “في السيناريو الأسوأ… من الأفضل أن يكون هناك ديكتاتورية آمنة، من وجود فوضى غير محمية”، والتي تشير إلى ضياع وبلبلة.
ويمضي ميلمان في انتقاداته لقائد الجيش الجديد بالقول: “إنه يفضل الديكتاتورية، والمهم أن يكون الجيش قوياً، وحتى لو جاء كلامه رداً على سؤال خيالي، تفوح منه رائحة الفاشية. صحيح أن هليفي اعتذر عنها، وقال إنه كان من الخطأ قولها، ولكن مجرد حقيقة أن رئيس هيئة الأركان يستطيع التفكير بهذه الطريقة، والأسوأ أن يقولها خلال جلسة مع جنود في جيش الاحتياط هو شيء مرعب. عادةً، يتم منح مَن يتولى رئاسة هيئة الأركان 100 يوم من العمل براحته، لم يتبقَ لهليفي منها إلا 20 يوماً لكي يسيطر على نفسه”.