محمد السَّرْغِيني شَاعِر جازَفَ بالمُكْتَسَبِ لِتَوْسِيع دَوَالِّ الشِّعْر

■ ثمَّة من الشُّعراء، من يكتب مُلْتَفِتاً إلى الماضي، الشِّعر عنده، في بنياته، وفي كل ما يتأسس عليه من رُؤًى، هو هذا الماضي، إيقاعاً ودلالةً، وبناء، أيضاً، لذلك تجد القصيدة عنده، هي الأساس في هذا البناء، بمعناه الشفاهي الإنشادي. وثمَّة من يكون الماضي، عنده، جِسْر عبور إلى المستقبل، أو إلى اللانهائي، ويظهر ذلك في طبيعة الكتابة التي تخرج عن سياقات القصيدة، وعن أنساقها البانية لها، لتصير كتابةً، الشِّعْر فيها، بمعناه الجامع، أو باعتباره جامع أنواع، هــو ما تتأسس عليه رؤيته للوجود والأشياء.
محمد السرغيني، هو ضمن من ذهبوا إلى الشِّعر بمعناه اللانهائي، بما في الشِّعر من انشراح، أي بما يخرج عن القصيدة، ويتجاوزها. والغريب، هو أن محمد السرغيني، جاء إلى الشِّعر من القصيدة، في معناها الرومانسي، قبل أن يكتب وَفْق ما ظهر من انتقال في الشِّعر المعاصر، إلى ما كان سُمِّيَ في حينه، أي في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، بـ «الشِّعر الحُر»، الذي كان اعتمد التفعيلة كنظام عروضي للشِّعر، بدل الشكل «العمودي» الذي كان يقوم على التقابُل والتوازي بين أشطاره. لكن، محمد السرغيني، كواحد من رواد الشِّعر المعاصر في المغرب، خصوصاً في كتاباته التي جاءت لاحِقَةً، أحْدَثَ انعطافةً كبيرةً في تجربته، وبدا مُنْقَلِباً على نفسه، وعلى تجربته ذاتِها، وأصبحت الشِّعر عنده، نوعاً من المُغامرة التي لا تشرط نفسها بسياق، ولا بنسق ما.

كتابات السرغيني الشِّعرية، لم تَلْقَ رواجاً، إلا عند الشُّعراء والنقاد والباحثين والمُحِبِّين للشِّعر، ممن يُجْهِدُون أنفسهم في البحث في الشِّعر عن المُفارِق والطَّارئ.

عادةً ما يحرص الكُتَّاب والشُّعراء، حين يتقدمون في السِّن، على البقاء في ما أنجزوه من مكتسباتٍ شعرية، وما حقَّقُوه من تراكم، السرغيني، كان يسير بعكس الريح، وكتب بطريقة، بدا فيها مُشْكِلاً، ومُسْتَعْصِياً، إلى الدرجة التي جازف فيها بِكُل شيء، لأجل أن يجعل الشِّعر يتحقق في الكُل اللغوي، أو في اللغة بمجموع إمكاناتها، لا بما ظَنَّ الكثيرون أن الشِّعر له مفرادته وجمله وصوره، وثمَّة في اللغة ما لا يصلح أن نستعمله في الشِّعر، لأنه آتٍ من «النثر» هكذا!، أي بمُضاهاة الشِّعر بالنثر، بدل مُضاهاته بـ «النَّظْم». محمـــد السرغيني، كان عارفاً بهذا المطَبّ، ومُدْرِكاً لمزالقه، لذلك ذهب إلى اللغة بدون التمييز فيها بين الشِّعري والنثري، ما ساعده على الكتابة بابتداع الصور والأخيلة، بتراكيب قد تبدو غريبة، صادمة، ومُسْتَعْصِيَة، لما فيها من مُفارقاتٍ، هي، في صميمها من طبيعة الشِّعر. وهذا، ربما، يدعونا لاستحضار أبي تمام، الذي اتُّهِمَ بالخُروج عن العربية، بل بإفسادها والإساءة لها، في الوقت الذي كان يُوَسِّعُها ويُعزِّزُها ويبتدع فيها ما لم يكن سائداً ولا معروفاً.
كتابات السرغيني الشِّعرية، لم تَلْقَ رواجاً، إلا عند الشُّعراء والنقاد والباحثين والمُحِبِّين للشِّعر، ممن يُجْهِدُون أنفسهم في البحث في الشِّعر عن المُفارِق والطَّارئ. وقد حَدَث أن اسْتَنْكَر بعض الشُّعراء مغامرة السرغيني هذه، ورأَوْا فيها ابتعاداً عن المُكْتَسَب، واعتبروا الشِّعر، هو الكتابة الأفقية التي تبدأ من الأعلى إلى الأسفل، على يمين الصفحة، وأن أي امتلاء، أو توزيع خَطِّي، غير هذا، هو «نثر» بدون الانتباه إلى ما يمكن أن تحمله الصفحة، في طيَّاتها من إبدالاتٍ، باعتبارها دالًّا شعريا، به يتوسع مفهوم الشِّعر، والبياض والفراغ، والنقاط والفواصل وأشكال الخطوط، يصير مكوناً من مكونات المعنى الشِّعري للتجربة، باعتبارها عَملاً، لا قصيدة، بالمعنى الضيق المخنوق الذي لم يخرج منه حتَّى من ظنُّوا أنهم يكتبون في سياق التحديث الشِّعري، أو يتكلَّمُون عنه نَظَرِياً ونقياً، في ما كتاباتُه بقِيَت مخنُوقَةً لم تَخْرُجْ من «القصيدة»، ولا من ماضيها.
الغنائية، عائق في الشِّعرية العربية، خصوصاً الغنائية التي تبقى فيها الذات أسيرة ذاتها، بدون أن تتحقَّق، بما أسميه بالتَّصَادِي والتَّدَاعي، أو التجاوب مع غيرها من الذوات، حيث الضمائر في النص، تصير مُتَداخِلَة، مُتجاوِبَة، ويصير السَّرْد والحوار، بين ما تتأسَّس عليه الكتابة، وهذا ما تُحقِّقُه حداثة الكتابة، عند السرغيني، وعند سليم بركات، وقاسم حداد، ورفعت سلام، على سبيل المثال لا الحصر.
البناء الدرامي، أو الملحمي للعمل الشِّعري، اليوم، هو أحد رهانات الشِّعرية المعاصرة، وهو الأفق الذي يمكن أن ينجو بنا من التكرار الذي بِتْنا نعيشه في فهم الشِّعر، وفي قراءته، وكتابته، وحتَّى في ادِّعائه. ومحمد السرغيني، كتب في هذا الأفق، لم يلتفت إلى الماضي، بل تركه خلفَه، هو خريج جامعة القرويين، في أصل تكوينه، واختار اللانهائي، ليتخلَّص من القصيدة، ويذهب إلى الشِّعر، طليقاً، كطائر يُحَلِّق في سماء فسيحة، لا غيمة تحجُب زُرْقَتَها، أو تُخفيها.

في المغرب، ثمَّة من كتبُوا بعد السَّرْغِيني، واحْتَذَوْا به، لكن الشِّعر خانَهُم، لأنهم لم يُدْرِكُوا أنَّ الشِّعرَ هو اللغة، حين نعرف كيف نجُوزُ أرْضَها، ونخوض مضائقَها، بِكُل ما في اللغة، لا ببعض اللغة.

حين زرتُ محمد السرغيني، في بيته، منذ أيامٍ قليلة، وهو طريح الفراش، يبذل جُهْداً كبيراً في تذكُّر ما فاتَ، كان الشِّعر ضمن ما أخَذَنا، وكان السرغيني يتكلم بعربية فصيحة، لم يتخلَّ عنها، رغم ما يعانيه من تعثُّر في الكلام، ويُؤكِّد لي أنه لم يتخلَّ عن كتابة الشِّعر، وظل يستعمل حاسوبه ليخزن فيه كتاباته، كما أكدت ذلك زوجتُه، لكنه في الأشهر الأخيرة، لم يَعُد قادراً على الكتابة، ولكنه ظل، في حديثه معي، يتحدَّث عن الشِّعر، ويُؤكِّد على عنصر التحديث فيه، وعلى المُغامَرة في البحث، وفي الخُروج من المُكْتَسَبِ والسَّائد، ما يشي بعُمْق التحديث والتجديد، والمُغامرة في فكر السرغيني وفي خياله، حتَّى وهو بالكاد يتذكَّر الأشياء التي تجري حوله، أو يستعيدُ بعضها بصعوبة.
عندنا في المغرب، ثمَّة من كتبُوا بعد السَّرْغِيني، واحْتَذَوْا به، لكن الشِّعر خانَهُم، لأنهم لم يُدْرِكُوا أنَّ الشِّعرَ هو اللغة، حين نعرف كيف نجُوزُ أرْضَها، ونخوض مضائقَها، بِكُل ما في اللغة، لا ببعض اللغة، بمعنى الاقتصاد، هذا المفهوم الذي تمَّ استعمالهُ في النقد بطريقة مغلوطة، ومُنْحَرِفَة عن سياقها الفعلي. فالشِّعر هو أرض اللغة بامتياز، ويَدُ الشَّاعر الذي يعرف مواطن الماء فيها، هو من يستطيع أن يَجْعَل فيها كُلّ شيء حَيٍّ.
بهذا المعنى، كان الشِّعر، عند السرغيني، هو الماء والهواء الذي به كان يحيا ويكتُب، والشِّعر، رغم ما يعيشه السرغيني من حَرَج في حركته، وكلامه، في وضعه الراهن، سيظلُّ، هو ما يُجدِّد به هذا الشَّاعر اللانهائي، وجوده بيننا، رغم انكفائه داخل عالمه الخاص، الذي، ربما، هو نوع من الحياة بالشِّعر، في سراديبه العميقة، التي منها كان الشِّعر يباغت الشُّعراء، ويأخذُهم إلى مجهول الكتابة، وغواياتها التي لا معنى للشِّعر بدونها.

٭ شاعر مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية