في كتابه الصادر عام 2017 عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع الموسوم “في السيميائية العربية… مقاربات علاماتية…من سيمياء الشهادة الجهوية إلى سيميائيات المشاهدة العامة” يحدد الباحث الأكاديمي التونسي محمد خرّيف مصطلح السيميائية باعتبارها علما عاما، مشغله اليومي التفكير السيميائي في كل الكائنات الحية المتشكلة عناصرها باستمرار في الوجود الفيزيائي الطبيعي والتي تكون لعلاماتها معان مخصوصة دون الحاجة إلى خالق لمعانيها خارج عنها ومتدبر أمرها.
اختار الباحث ان يبوب كتابه إلى إحدى عشرة مقاربة، الأولى كانت بعنوان “السيمياء والسيميائية: في المتحول الاصطلاحي العلاماتي” لتكون مدخلا لتحسس الظاهرة الاصطلاحية السيميائية في المدونة العلاماتية العربية، وذلك من منظور الإفادة من مبتكرات السيميائية الحديثة في مفهومها العام، منها أن السيميائية أو علم السيمياء مصطلح قديم/حديث. فهو قديم باعتبار السّيما مصطلحا مذكورا في مقدمة ابن خلدون ضمن فصل “علم أسرار الحروف” ومعاصرا باعتباره مذكورا كذلك في كتب دي سوسير ورولان بارت وايكو. ويضيف خرّيف إلى ذلك أن هذا العلم الجدير بالعناية والاهتمام يكاد أن يكتسح كل مجالات المعرفة الحديثة في العالم. وهنا يطرح سيلا من الأسئلة المهمة: هل لدى العرب على امتداد تاريخهم اللغوي الذي لا تعرف له بداية سيميولوجية وعي كيفي بمبادئ هذا العلم؟ وهل مرحلة ما قبل الإسلام مرحلة قحط العلامة أم بالعكس هي مرحلة الخصب العلاماتي، وقوامه التشبيه في الشعر الجاهلي لا المجاز المتداول بشكل لافت في القرآن، وعلامتهُ علامةُ الغالب، علامة التوحيد المجازية، وقد أطلق عليها إطلاق حكم الأضداد بعلامة البيان أو الفرقان؟ وهل علامة القائم مقام التشبيه وهي علامة المجاز أبين من كًاف التشبيه في مقاربة علامة المحسوس بالمحسوس من علامة الاستعارة من كاف التشبيه؟ وهل نعت الجاهلية بمفهومه العقائدي علامة هشّة متصلبة بعنف حبكة سرد الاعتقاد التوحيدية؟ أهي مرحلة لعلامة؟ أم مرحلة تفكير في علامة؟ وهل هذه المرحلة التي وسمتها علامة الغالب بالجاهلية هي مرحلة لا سيميائية بالفعل؟ وهل علامة الغالب الدخيل من علامات المغلوب الأصيل؟

ويستطرد في أسئلته التي لا يدّعي الإجابة عليها في هذا المبحث بقدر ما يؤكد على أنه يهدف من طرحها إلى الترغيب في تناولها بالنقد والنقاش وإلى أن استشرافه لما يحصل داخل البيت السيميائي العربي من صور أثاث محلية ومستوردة يبقى رهين قدرتنا على تفكيك الحبكة العلاماتية وتجسيدها في مظاهر من سردها السيميائي. ويضيف أيضا بهذا السياق، لم يكن السرد السيميائي أو الخبر العلاماتي سوى شبكة معقدة من سمات السرد اللفظي اللساني اللامحدود المرفوع اعتباطا إلى نصوص سرد الميتا، المحدد افتراضا لا واقعا.
ومن اسئلته الأخرى التي يطرحها: كيف تلقى العرب المعاصرون السيميائية؟ كيف تبلورت مفاهيمها عند البعض من النقاد المعاصرين؟ وهل تبنوها كما هي أم طورها وكيّفوها مع مفاهيم الصورة القائمة في وعيهم الثقافي باكراهات الفكر الاورثوذوكسي ومقاماته الخطابية والوجدانية الروائية؟ وهل خلطوا بين السيميا والسيميائية؟
قراءات تطبيقية
ولأجل ان يكون هناك إجابة على ما طرحه من تساؤلات وفرضيات، اختار الباحث أن يتوقف عند نماذج من العلامة في المجتمع العلاماتي عند العرب، استلها من القصيدة الجاهلية ومن سجع الكهان والآيات القرآنية والحديث النبوي والرواية الشفاهية في مفهومها العام، وبهذا الإطار يشير إلى ان سرد العلامة في المدونة العلاماتية العربية الشفوية اللامحددة تصعب الإحاطة به، إذ لم يبق منه إلا النادر من المحفوظ المدون من سجع الكهان والمعلقات، وهو سرد الشعر، لا النثر. ويُعزي أسباب ذلك إلى أن الشعر تم نظمه على سليقة البدو، والنثر حبك على روّية الحضر، والعلامة في مفهومها الواسع مادة الشعر والنثر.
قطيعة ابستمولوجية
وفي المقاربة الثانية التي جاءت تحت عنوان “من علم السيمياء التقليدي إلى علم اللسان الحديث” يوضح خريف أن علم اللسان الحديث أعلن عن نهاية عهد السيمياء في مفهومه التقليدي الذي يسعى إلى فهم أسرار الحروف فهما لا يضع في الاعتبار مسألة العلاقة الاعتباطية الحاصلة في علاقة الحرف باعتباره دالاً لا بسرد سرّه باعتباره مدلولاً وانما ان ينحرف بذلك المدلول إلى ما لا نهاية له. ويستطرد في هذه المقاربة ليفصل ما بين محتوى مصطلح علم اللسان الحديث عن علم السيمياء التقليدي الذي عرفه العرب القدماء، ويجد بان الفرق بينهما ناشئ من ارهاصات التفكير بالقطيعة الابستمولوجية قائم في جوهر علم اللسان الحديث وقد طالت هذه الارهاصات العلوم والمعارف في الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كما طالت علوم اللغة، وكان ذلك مع ظهور دروس فرديناندو دي سوسير في الألسنية العامة سنة 1916 تلك الدروس جاءت تتويجا لحراك لساني طويل، ساهم فيه كثير من اللسانيين السابقين، من الذين شغفوا بأمر العلامة اللسانية والدال والمدلول، والعلاقة بينهما، فكان من نتائج ذلك الوقوف على أن العلاقة بينهما اعتباطية بالأساس، وهذا الاستنتاج خلخل صرامة الاعتقاد النحوي القديم في أن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة توقيف بتدبير ميتافيزيقي، مما جعل علم اللسان الحديث الذي تفرع إلى علوم أخرى علما تفيد منه التنظيرات الحديثة في الشعر والنثر والرواية وسائر مجالاتها السردية، كما تفيد من مبدأ العلاقة الاعتباطية الخاصة بالدال والمدلول في مقاربة العلاقة القائمة بين دال الخطاب الروائي ومدلوله، فكانت علاقة اعتباطية قائمة بينمهما على غرار اعتباطية الدال والمدلول في مجال العلامة اللسانية.
سرد الهامش
أخذت المقاربة الثالثة التي كانت بعنوان “من الكتابة الانشائية إلى الكتابة السيميائية” منحى تطبيقيا سعيا من الباحث إلى ادراك مسالك العبور من كتابة البويتيقيا إلى كتابة السيميائية، ولأجل ان يستوفي البحث شروطه كاملة يقرُّ الباحث ان اعتماد نص انشائي واحد للشاعر والرسام والزجال التونسي علي الدوعاجي (1909 – 1949 ) حمل عنوان “جولة بين حانات البحر المتوسط” يبدو أمراً ليس بيسير المنال في هذه المهمة، لأنه وحسب ما يرى ان الكتابة التي تُخرجُ العلامات على ركح المرسوم ليست سوى كتابة هامشية، مختلفة عن تلك التي قد يلهمها السماع وسرد الرواية، لأنها كتابة تتغذى مما نبصره في واقع مجسم، أو مما يذهلنا ويثيرنا ويربكنا ويغرينا متى ما خرج عن حدود التشكل المعتاد، فما كتبه الدوعاجي عن رحلته إلى فرنسا كانت كتابة خارجة عن مجال اهتمام علماء السيميولوجيا المعترف بهم من قبل السلطة المدرسية أو الأكاديمية، ويجدها الباحث محمد خرّيف تندرج في إطار الوعي بأهمية الهامش المتروك ودوره الفعال في دفع عجلة المغامرة في التجريب السيميائي. فالدوعاجي من وجهة نظره قد تجرأ القبض على بداية خيط الانتقال النوعي من سرد أدب الرحلة عند العرب أي من سرد علامة الانشائية إلى سرد علامة السيميائية.
وهم الصلابة وواقع الهشاشة
لا يفوت محمد خرّيف ان يوضح غاية جهده النقدي في مستهل المقاربة الرابعة التي عنونها “من سيمياء الشهادة الجهوية إلى سيمياء المشاهدة العامة..العلامة الحية بين وهم الصلابة وواقع الهشاشة” فيشير إلى انه كان يسعى إلى القيام بمحاولة مقاربة ما أمكن مقاربته من مظاهر السيمياء التقليدية عند العرب المسلمين على أمل أن يكون ذلك حافزا لغيره من الباحثين لمواصلة مغامرة البحث. وهنا يجد أن السيمياء العربية انطلاقا من مدونتها العلاماتية لما قبل الحدث العلاماتي الميتافزيقي القرآني وبعده، كان من اللافت فيها ان تُغيّب علامةُ الغائب علامة الحاضر أو تكشفها بشهادة البيّنة بذرائع التشبيه والقياس. في هذا السياق يرى خرّيف ان السيمياء في مفهومها التقليدي واقعة تحت ضغط علامة الشهادة، والشهادة قرينة قائمة في ذهنية نحو الاسناد مقام الضمير، القائم بدوره مقام المُشاهدة، وهي دال لمدلول ميتافيزيقي مفقود، أو هو مفترض، مما يجعل سيمياءه غير سيميائية المشاهدة.
من علم اللسانيات إلى علم السيميائيات الحديث
هكذا جاءت صياغة العنوان للمقاربة الخامسة. في هذا الجزء من الكتاب يستخلص الباحث أن علم اللسانيات السوسيري كان المدخل إلى علم السيميائية بمفهومه الحديث، وهو علمٌ أشمل، يعتبر الكون علامات غير محددة، مبدؤها التشكل والتشكل المضاد، ويخلص في بحثه إلى ان السيمائية الحديثة يمكن معالجتها معالجتين: الأولى باعتبارها وجودا علاماتيا يتشكّل ويُشكّل، والثانية باعتبارها بحثا واستقراً واستنباطا واستنتاجا يشمل المعالجة الأولى، والمعالجتان في جدلية دائمة، إذ الكون جسد، والجسد علامة تتداولها بالتناول المعالجتان معا.
نكتفي بهذا القدر لما جاء في هذا الكتاب، مع إشارتنا إلى تنوع وثراء بقية المقاربات التي تناولها الباحث، وهي كالاتي: المقاربة السادسة “التحولات الفيزيائية تحولات سيميائية” المقاربة السابعة “نماذج من مظاهر البث والتلقي في التفكير السيميائي العربي المعاصر” المقاربة الثامنة “من سيميولوجيا الكتب إلى سيميولوجيا الأحداث اليومية “، المقاربة التاسعة “صناعة الوجاهات”، المقاربة العاشرة “في التجريب النقدي السيميائي”، المقاربة الحادية عشرة “من سيمياء العلامة الجادة إلى سيمياء العلامة التافهة”.
محمد خرّيف: “في السيميائية العربية“
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق 2017
290 صفحة.