محمد سعد عبد الحفيظ عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين: مصر تعيش أسوأ مشهد إعلامي في تاريخها

حاوره: تامر هنداوي
حجم الخط
0

قوانين صدرت مؤخرا يصفها صحافيون مصريون، بأنها جاءت لاغتيال مهنتهم، وانتقادات واسعة لما يقولون عنه، رقابة تفرض على المشهد الإعلامي في بلادهم، وجعلت الصحافة المصرية لا تتعدى نشرات حكومية، وخطة لهيكلة الصحف القومية المملوكة لدولة أثارت مخاوف لدى العاملين فيها من التأثير على مستقبلهم، وملف يتعلق بالمحتجزين الصحافيين على ذمة قضايا، تقول الحكومة المصرية، أنها قضايا لا تتعلق بحرية الصحافة، وإنها قضايا جنائية، فيما يرى آخرون أنهم يدفعون ضريبة عدم الخضوع لسلطة الرقيب.

ملفات عديدة يتحدث عنها محمد سعد عبد الحفيظ عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، في حواره لـ “القدس العربي”. وفي ما يأتي نص الحوار:

*كيف تصف المشهد الإعلامي في مصر الآن؟

**المشهد الإعلامي في مصر الآن هو أسوأ مشهد مر في تاريخ الصحافة والإعلام، منذ تأسيس الصحافة في مصر، تقريبا لو حاولنا استدعاء مشهد مشابه، نستطيع أن نقول سنة 1881، مع صدور قانون المطبوعات، وهو شبيه إلى حد كبير، بقوانين الصحافة التي صدرت مؤخرا، ولائحة الجزاءات المنبثقة عنها. كان هذا القانون يعطي الحق لوزارة الداخلية، أن تصادر وتغلق، وتمنع الصحف من التداول، ولكن هذا كان قانونا، وكان يمكن للصحافيين الطعن عليه، أمام الجهات القضائية المختصة، وكانت هناك مقاومة من الصحافيين في هذا الوقت لهذا القانون، وكانت هناك صحافة تتم صناعتها في الخارج، ويجري تداولها في مصر، وكان هذا في عهد استبداد من القصر الملكي، ثم أعقبتها مرحلة احتلال، ومع ذلك كانت هناك مقاومة طوال الوقت. ما يحدث الآن، إن حصار الصحافة والتضييق على الإعلام بشكل عام، لم يعد قاصرا على قوانين أو تشريعات، الأمر تعدى ذلك، ليصبح فرضا للأمر الواقع، أصبحت هناك رقابة غير معلنة، ورقيب خفي، يتدخل لرسم السياسة التحريرية، ووضع أجندة تحريرية لرؤساء تحرير الصحف، ومسؤولي القنوات الفضائية، ليصدر تعليماته بما ينشر وما يرفض نشره، وإن حدث ورفضت صحيفة أو موقع، الالتزام بالتعليمات، وتجاوزت السياسة التحريرية المفروضة من خلال نشر مقال رأي، أو حوار أو تحقيق غير مرضي عنها من الرقيب، تتوقف المطابع عن طباعتها، أو يجري رفع المحتوى التحريري منها، أو يجري وقف البرنامج الذي تجاوز التعليمات، دون قرار معلن يمكن الطعن عليه. يحدث ذلك منذ عامين، ورؤساء التحرير التزموا الصمت.

*من الطبيعي، أن ترغب السلطة في أي وقت في محاصرة الصحافة، هل الأزمة الآن في الحصار المفروض، أم استجابة الصحافيين للحصار؟

**في رأيي الاثنين، رغبة السلطة في حصار الصحافة، واستجابة الصحافيين للحصار، لذا ضربت مثلا بما حدث عام 1981 وما بعده من احتلال مصر، ومحاولات حصار الصحافة، لكن الفرق أن الصحافيين كانوا يقاومون هذا الحصار طوال الوقت، وكانت الجماعة الصحافية ومعها سياسيون وغطاء عام من المجتمع، ترفض هذا الحصار، أو تقنينه بقوانين ومواد دستورية، وفي عشرينيات القرن الماضي، نظم 25 ألف صحافي على رأسهم الصحافي المصري أحمد حلمي، مظاهرة للدفاع عن حرية الصحافة ورفض قانون المطبوعات. ما يحدث الآن، أن الجماعة الصحافية، تشهد حالة موت تام، ورؤساء تحرير الصحف، استسلموا لأوامر وتعليمات الرقيب الخفي، وحالة المنع اليومي لطبع الصحف، ولم يتحدث أحد، سوى الحالة الأخيرة، الخاصة بجريدة “الأهالي” الناطقة بلسان حزب التجمع، عندما أصدر الحزب بيانا ينتقد فيه وقف طباعة الجريدة، وكشف لأول مرة بشكل معلن، من مؤسسة رسمية، عن الرقيب الخفي ودوره في محاصرة الصحافة.

*طوال الوقت، نسمع عن الرقيب الخفي، فكيف يستجيب رؤساء التحرير لشخص لم يعلن عن هويته؟

**هو ليس رقيبا واحدا، بل هو جهاز يمارس الرقابة، جرى تقسيم العمل، بمعنى كل مجموعة صحف مسؤول عنها شخص في هذا الجهاز، هو الذي يفرض السياسة التحريرية التي تناسب السلطة في هذه اللحظة، كما يمارس دور رئيس التحرير الفعلي، وجرى تسميته في الفترة الأخيرة، برئيس تحرير مصر، وهو من يمنع طباعة الصحف أو يأمر برفع محتوى تحريري منها، وكلنا عرفنا، أن الكاتب عبدالله السناوي، منعت مقالاته من النشر في جريدة “الشروق” منذ أكثر من شهر، لأن ما يكتبه السناوي أصبحت لا تتحمله هذه السلطة. وحدث ذلك معي، ومع عدد من الكتاب، وحدث أن منعت صحف أخرى من نشر ملفات عن الفنان عادل إمام، لأنه في لحظة من اللحظات، اختلف مع المسؤولين عن إنتاج الدراما التابعين للجهاز نفسه. وبالتالي يمكننا القول، أن هذه اللحظة هي الأسوأ في تاريخ الصحافة المصرية، فتدخل السلطة بهذا الشكل، لم يحدث في تاريخ الصحافة، كان يمكن قبل ذلك، أن تتضمن الصحف مساحات بيضاء، فيعرف المواطنون، أن هذه المساحة كانت لموضوع جرى رفعه في المطبعة لأنه ينتقد السلطة، الآن المواطن يرى تغييرا في السياسة التحريرية للمواقع والصحف، ولا يعرف أسباب ذلك، ففقد الثقة في الإعلام بشكل عام، وحتى قبل عامين، كان توزيع الصحف المصرية، يتعدى مليوني نسخة، ووصل الآن إلى أقل من 300 ألف نسخة.

*ما تعتبره حصارا للصحافة، تبرره السلطة بأنه ترتيب لمشهد إعلامي شهد الكثير من الفوضى؟

**المشهد الإعلامي كان يعاني من الفوضى في مرحلة من المراحل، لكن الإعلام والصحافة كانا يمارسان لفترة زمنية طويلة تحت وصاية بشكل آو آخر. عندما رفعت الوصاية بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، كان من الطبيعي أن يحدث ارتباك وفوضى، لكن مع الوقت كان سيحدث تنظيم من خلال قوانين ولوائح تتناسب مع مواد الدستور، التي تحظر الرقابة والوصاية وتمنح الصحافة استقلاليتها. كانت الممارسة هي التي ستجعل الصحافة ترتب أوضاعها، لكن ما حدث أن المسؤول، عن ملف الإعلام والصحافة في السلطة التنفيذية، لديه، أوهام، أن الإعلام هو من تسبب في إسقاط نظام مبارك ونظام مرسي، وبالتالي رغب في تأميم هذه المنظومة بالكامل، وهو ما حدث. فيمكننا أن نقول، إن 85 في المئة، من المنصات الإعلامية، جرى تأميمها خلال العامين الماضيين، بمعنى أنها استحوذت عليها واشترتها من ملاكها، و15 في المئة المتبقية، أخضعتها، وتعمل تحت الخط المفروض عليها، وباتت الصحافة في مصر معبرة فقط عن السلطة، وليس أي سلطة، لأن من المفارقات، أنه قبل شهر صدرت تعليمات، بمنع نشر أي تصريحات لوزراء، باستثناء 4 وزراء، هم رئيس الوزراء، ووزيري الدفاع والداخلية والخارجية، وطبعا هذا أمر غير مفهوم، أن تحجب الوزراء المسؤولين عن تنفيذ سياساتك عن الجمهور.

*تحدثت عن أن التشريعات الصحافية التي صدرت مؤخرا، ستقضي على ما تبقى من صحافة في مصر، كيف ذلك؟

**القانون 181 لسنة 2018 ولائحة الجزاءات التي صدرت في 19 أذار/مارس الماضي، ظني أنه جرى وضعهما، لتقنين أو شرعنة، ما يجرى من حصار للصحافة، فكما قلنا إن المشهد الإعلامي يتحكم فيه رقيب واحد، ويجب الإشارة هنا، إلى أن مصر شهدت حجب أكثر من 500 موقع إلكتروني خلال عامين، كل المواقع التي رفضت عملية الإخضاع جرى حجبها، بغض النظر عن توجهاتها. ودعني أقول لك، أن أحد  المواقع المتخصصة في الرياضة، وليس له علاقة بالسياسة جرى حجبه، لأنه إما رفض فكرة البيع للرقيب، أو الخضوع للسياسة التحريرية، وهذا كله خارج القانون، وتسبب في حرج بشكل أو آخر، لأن بعض أصحاب المواقع المحجوبة، لجأوا إلى القضاء الإداري وطعنوا على قرارات الحجب والمنع، بدأ التفكير في غطاء قانوني يرفع الحرج عن الجهات التي تمارس الوصاية على الصحافة، فصدرت قوانين الصحافة الثلاثة ولائحة الجزاءات، والهدف الرئيسي، هو شرعنة الحجب ومنع التداول ووقف البرامج، وباتت لديك قائمة تضم ممنوعين من الظهور في الإعلام، فالمجلس الأعلى للإعلام أصدر قوانين منحته صلاحيات شبه مطلقة لممارسة الوصاية على الصحافة، ومع ذلك لا يمارسها، ويمارس هذه الوصاية الرقيب الخفي.

*تاريخيا لعبت نقابة الصحافيين دورا في التصدي لمحاولات التضييق على الصحافة، فما دورها في الأزمة الجديدة؟

**بصفتي عضو مجلس نقابة، دعني أفرق بين مرحلتين، الأولى خلال العامين الماضيين، وكان غالبية أعضاء المجلس غير مهتمين بحرية الصحافة، كان هناك تماهيا بين هذه الغالبية والسلطة الحاكمة، وكانت هناك أقلية تصرخ وتوجه رسالتها للجمعية العمومية للصحافيين والرأي العام، وتتحدث عن القوانين المقيدة للحريات، لكن الانتخابات الأخيرة أسفرت عن تعديل في تركيبة مجلس نقابة الصحافيين، وتمكنا خلال انعقاد الجمعية العمومية الأخيرة من الحصول على موافقة على تنظيم مؤتمر عام سيعقد قريبا لمناقشة أزمة صناعة الصحافة في مصر، وسيتضمن جلسة، خاصة بمواجهة حصار الصحافة.

*الصحافيون في مصر يواجهون أزمات تتعلق بالفصل التعسفي على خلفية محاولات الاستحواذ التي تحدثت عنها، وخطة دمج الإصدارات الحكومية، كيف ستتصدى النقابة لذلك؟

**دعنا نقول، أن الأمر ينقسم إلى شقين، الأول يتعلق بالصحف القومية المسؤول عنها الهيئة الوطنية للصحافة. لدينا 8 مؤسسات صحافية منذ تأميم الصحافة في منتصف القرن الماضي، وهذه المؤسسات لها قانون يخصها، وما تسرب لنا، أن هناك خطة من ثلاث مراحل لإعادة هيكلة هذه المؤسسات من خلال إدماج مؤسسات مع أخرى، وإلغاء إصدارات داخل المؤسسة الواحدة، مع فتح الباب للمعاش المبكر، مع وقف التعاقدات لتقليص الخسائر التي تتحملها الدولة، التي وصلت إلى 17 مليار جنيه في آخر عام ونصف، والوضع لا يمكن استمراره، لكن الأزمة، أنه يناقش الشكل ولا يناقش المضمون المتمثل في عدم وجود محتوى صحافي، يجذب الجمهور والمعلن، فهو لم يبحث عن صناعة محتوى يناسب متطلبات السوق في هذه اللحظة، قبل الحديث عن الهيكلة، لأن الهيكلة لن تجذب الجمهور، وسيتقلص عدد المتابعين للمواقع وعدد المشترين للصحف مع الوقت.

*لكن البعض يبرر أزمة عزوف الجمهور عن شراء الصحف بسبب التطور وعدم قدرة الصحف على متابعة الحدث، ودور المواقع الإلكترونية؟

**الصحافة الإلكترونية تشهد الأزمة نفسها، هناك مواقع لا تتحصل على 300 زائر يوميا، فالأزمة تتعلق بالمحتوى، وبالنسبة للصحف الخاصة، أنت صنعت مخاوف من الاستثمار في الصحافة، فكل رجل أعمال يمتلك صحيفة يعرف أنه يمكن أن يجبر على بيعها، ومضطر للدفع من ماله لسداد رواتب الصحافيين بسبب أزمة المحتوى التي لا تجذب الجمهور على متابعتها، واضطروا لتخفيض عدد المطبوع بسبب الخسائر.

*هناك أرقام متفاوتة حول عدد الصحافيين المحتجزين في مصر على ذمة قضايا نشر، فما سبب ذلك؟

**هناك ثلاث حالات بشأن الصحافيين المحتجزين، الأولى تتعلق بالصحافيين النقابيين، والثانية بغير النقابيين، والثالثة بما يعرف بالمواطن الصحافي الذي ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، والحالة الثالثة، لا يمكن أن نطالب النقابة بالدفاع عنهم، أولا لعدم وجود حصر بهم، أو معرفة هل احتجازه يتعلق بقضية رأي أو قضية أخرى، أما الحالة الثانية وهي حالة الصحافيين الذين يمارسون المهنة وهم ليسوا أعضاء نقابة، هؤلاء عدد منهم كبير خرج من السجن، وكان حتى الشهر الماضي، 18 صحافيا نقابيا، منهم 11 صدرت ضدهم أحكام في قضايا تتعلق بالإرهاب، وخرج بعضهم بعد قضاء مدة العقوبة، وكان 7 صحافيين نقابيين محتجزين على ذمة قضايا، خرج منهم 5 خلال الفترة الماضية بتدابير احترازية خلال الفترة الماضية، يتبقى عادل صبري رئيس تحرير موقع “مصر العربية” إلى جانب مجدي حسين رئيس تحرير جريدة “الشعب” والنقابة تتضامن مع المحتجزين قانونيا. ووفقا لنقيب الصحافيين ضياء رشوان، تجري محاولات جادة للإفراج عن هؤلاء الزملاء.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية