محمد شوقي الزين: أشغال ‘الثقاف في الأزمنة العجاف’

حجم الخط
6

يسعى هذا الكتاب إلى اقتراح مسح لغوي واصطلاحي مسهب ومفصّل، لمفهوم الثقافة؛ ولكن من منظورات فلسفية، تتناظر مع الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تناولت السؤال الثقافي في أبعاده الحضارية والتربوية والمعرفية والتاريخية، أو تستكمل أشغال تلك الدراسات، مع تركيز خاص على قراءة الماضي الفكري للغرب وللعرب. والمؤلف، وهو باحث وأكاديمي جزائري، يطمح إلى الاضطلاع بـ’فلسفة الثقافة’ كفنّ معرفي، كما يقول، وضمن الأسئلة الإشكالية التالية: لم لا تكون الثقافة مستقبل العلاقة بالإنسان والسياسة والاجتماع والدين والقانون؟ أي دور يمكن للثقافة أن تؤديه في المشهد العالمي الراهن؟ هل تستطيع الثقافة إصلاح ما أعطبته خلافات السياسة والإيديولوجيا؟ كيف يمكن للثقافة أن تصنع إنساناً جديداً يمتلك أدوات تشكيل ذاته وتهذيبها والتواصل مع الغير من أجل رؤية للعالم تتعدى الأنانيات الضيقة؟
جديد الكتاب، وهو وافر ومتعدد الأوجه، يبدأ من اقتراح مصطلح ‘الثِقاف’، كعامل مادي ورمزي يستوي به الطبع والنظر والسلوك، وكقالب فكري وتربوي يسير وفقه ‘القابل النفسي والعملي للإنسان’. وينهض العمل على قراءة متعمقة، وصبورة، لكثير من المفاهيم والنصوص الفلسفية، العربية والكونية، ويوظّف العديد من الوسائل النقدية والإبستمولوجية والتأويلية لتحقيق أغراضه.
في القسم الأول من الكتاب يفصّل المؤلف مدخلاً إلى فلسفة الثقافة، من خلال الأصول اللغوية والرهانات الفلسفية، فيبحث في التجارب اللاتينية والإغريقية والعربية، والامتدادات التاريخية للثقافة والحضارة عبر تنوّع الألسنة، ثمّ الثقافة الفلسفية في تمثيلاتها المجازية. القسم الثاني، بعنوان ‘دوائر الذات وضمائر الآخر: المنعطف الثقافي الحاسم’، يتيح للمؤلف البحث في أدوات الفلسفة، ونحت المقولات، وصناعة الثقافة، وفنون المناهج؛ فيتوقف عند ذكاء لغة العرب، ويمرّ على مالك بن نبي وروسو ودولوز وفتغنشتاين وسواهم. كذلك يفرد فصلاً لما يسميه ‘ثقافة التربية’، فيقارن بين الـ’بايديا’ الإغريقية و’التهذيب’ العربي، ومن هيغل وهومبولت وماركس وكاسيرر ينتقل إلى سلامة موسى ومحمد عزيز الحبابي، وجدل الذاتي والموضوعي في الثقافة.
في القسم الثالث، والأخير الذي يحمل عنوان ‘السنوات العجاف: الرهان الإيديولوجي القاصم’، يستخلص المؤلف أنساق انهزام الثقافة أمام السياسة، ومأساة الثقافة ذاتها من حيث الأعراض والأمراض، والحاجة إلى أنسنة الثقافة والإنسان معاً، والاختلال الحضاري (حيث يطرح رؤية عربية في أزمة الثقافة وسقوط القيمة).
وأمّا خاتمة الكتاب فإنها تقترح مصطلحاً جديداً هو ‘السنبلة’، ضمن مستويات متعددة من المعاني الرمزية، ولكن التطبيقية أيضاً، لتلمّس فينومينولوجيا الوعي الثقافي وهيرمينوطيقا الثقافة.
بسط الأفكار، واستقراء مضامينها على نحو نقدي، تاريخي ومقارن، هو السبيل المنهجي الأبرز الذي يعتمده المؤلف في تركيب موضوعات كتابه، وتفكيكها حيثما تقتضي الحال. ولديه أربعة ‘مسلمات’ ينطلق منها في تحديد إشكاليات عمله: بنية الفهم (اللغة، التطبيق، الحوار)، وسيادة التراث، ودور المسافة الزمنية، وعمل التاريخ. في عبارة أخرى، ثمة مزج ذكي، وصبور هنا أيضاً، بين هيرمنيوطيقا الثقافة وفينومينولوجيا الوعي الثقافي، بحسب تعبيرات المؤلف، وبالتالي فإنّ المنهجية المتبعة لا تنسجم مع مادّة التأليف فحسب، بل لعلها الأنسب والأسلم، ثمّ الأسلس قياداً، لخدمة هذا الحجم الضخم من البحث والاستقراء والمقارنة والنقد والاستخلاص. وليس مفاجئاً أن يقع المؤلف تحت تأثير مزدوج من الفلسفة الصوفية عند ابن عربي، والفلسفة التفكيكية عند جاك دريدا.
طبيعة البحث الفلسفية اقتضت من المؤلف تسخير معجم حافل بالمصطلحات والمفاهيم والتعريفات والتراكيب والاشتقاقات، كما أنّ اعتماده على مسألة النحت اللغوي، واقتراح مفردات عربية أصيلة تغطي نطاقات فلسفية معاصرة معقدة، كلّ هذا أسبغ مشقة خاصة على لغة الكتاب. لكنّ المؤلف نجح في بلوغ مقدار متقدم من السلاسة، والتوفيق بين السهل والعويص، خاصة وأنّ الجذر الفصيح لكثير من مصطلحاته أقام جسراً معرفياً وإدراكياً مع القارىء؛ وفي هذا الجانب، تحديداً، بعض فضائل الكتاب أيضاً.
صدر الكتاب عن دار الأمان، الرباط؛ ومنشورات الاختلاف، الجزائر؛ ومنشورات ضفاف، بيروت؛ 2014. 783 صفحة.

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية