محمد ميلود غرافي يوثّق سيرة الأنا عبر رهان الغيريّة

حجم الخط
0

مهجريّة جديدة: تعدّد المهجر المغربي في أوربا وغير أوربا، وبات هناك العشرات من الكتّاب والشعراء الذين يكتبون باللغة العربية أو بلغة الدول المضيفة أو بهما معاً.
إنّنا أمام ظاهرة حقّاً، ظاهرة المهجريّة، حيث يبرز لنا التحوُّل النوعي الذي طال مسألة الهجرة والوعي بها، وعلاقتها المتوتّرة بالكتابة، بالقياس إلى ما كان متداولاً قبل عقدين أو ثلاثة. وتسمح لنا هذه الوضعيّة المعقّدة من تاريخ المهجريّة المغربية في الأدب والفنّ معاً. وتكشف الوضعية حقيقة الانتماء الصعب والمركَّب إلى عالمين متناقضين، وثقافتين بينهما عناصر توتُّر. وإذا كان ذلك يشكّل مصدر ثراء واختلاف بالنسبة للأدباء الشباب من الجيلين الثاني والثالث، إلّا أنّها- بالنتيجة- تطبع كتاباتهم بروح التساؤل والحيرة واللّا يقين والقلق بإزاء موضوعات اللغة، الذات، الهوية والمكان.
وفي نظرنا، يُمثّل أولئك الكتاب قيمة مضافة لأدبهم الوطني الأصلي، وهم يُدْخلون «رَعْشاتٍ» جديدة في أنساغه واساليب رؤيته وتعاطيه مع أسئلة العالم، منخرطين، بالتالي، في إعادة صوغ الهويّة الفردية والجماعية للمغاربة المتجدّدة في تعدُّدها وانفتاحها وتطوافها. وفي هذا السياق، يجب أن ندرك أنّ جزءاً مهمّاً من أدبنا يتشكّل في المهاجر بلغاته العربية والفرنسية والإسبانية والهولندية والألمانية والإنجليزية والإيطالية، بل حتى باللغات الإسكندنافية.
كما أشار إلى ذلك الناقد بنعيسى بوحمالة، فقد غدت المهجرية في الآونة الأخيرة تأخذ «صبغة ملمحٍ بارزٍ» في أدبنا المعاصر، بشكل «لا يمكن القفز عليه أو التهوين من مفعول رافديّته للمتن الشعري المغربي الشامل، لأنّه يمدُّنا بإمكانية تلمُّس منحى تعبير مجموعة من الأصوات والحساسيات الشعرية عن تمثُّلها الرؤيوي الثنائي، المركبّ والمخصوص».
جدلية الأنا والآخر:
ضمن هؤلاء، نجد الشاعر والكاتب محمد ميلود غرافي الذي يعكس، بحضوره وقوة فاعليّته، وجهاً مهجريّاً بازغاً، بعد أن اندمج في مجتمع المهجر الثقافي من خلال برامج ومشروعات وملتقيات ثقافية، شعرية وأكاديمية. في نصوصه الشعرية تمتزج ذكريات طفولته وروائح مكانه الأصلي بتجاربه في الغربة وتطوافاته من مهجر لآخر، وهو ما يغني مفهومه للكتابة والتخييل، مستثمراً الهجرة كأفق للكتابة التي تتغذّى من «الهوية المفتوحة» ومن جدلية «الأنا» و«الآخر» غير القابلة للانفصام؛ بمعنى أنّه يعمل على تجذير كينونته هناك في الداخل، بقدرما يحرص على الانتماء إلى فضاء ثقافي أوسع هو مشروع التواصل «الأممي».
في ديوانه «أمضغها عِلْكاً أسود» ، الذي تتراوح نصوصه بين الطول والقصر، نتعرف على تجربة شعرية مخالفة تتنفّس علاماتها، وتجاويفها وأصداءها داخل الفضاء المهجري عامّة، والأوربي بِخاصّة. فقد تراءت لنا أنا الشاعر وهي تتشابك مع زمنها هناك، وتطوف، وتتعرّف على آخرها بلا نقص أو شعور بالدونية.
لقد بدا الشاعر محمد ميلود غرافي على وعيٍ حادّ بما يجري لأناه البيوغرافي ومتاعه الشخصي، وهو يحرص على توثيق زمان التجربة ومكانها ومراجع تحوُّلها نفسيّاً وجماليّاً. فمن جهةٍ أولى، يُوثّق تواريخ كتابة النصوص الشعرية وحضورها هناك، خلال أعوام العقد الأول من الألفية الجديدة، كما يُوثّق أمكنتها، سواءً كانت مفتوحة أو مغلقة، في مدُنٍ تصدع بعمقها المديني (باريس، فيينا، برشلونة، تولوز، رين..)، حيث- هناك- تتعرّف الأنا على آخرها المختلف، أفراداً (ماريا البرتغالية، الجارة مارغاريت العجوز التي كان يزعجها بسمرته واسمه محمد، العاشقة الألمانية سيبيل، الصديق النمساوي، أو جماعات (أتراك، غجر، أوكسيطانيون، زنوج..، وذلك في أنفاق المترو، والساحات، والحانات ودور العرض. ومن جهةٍ أخرى، يكشف عن تأثُّر تلك الأنا بالمرجع الأوربي الحداثي بأيقوناته الشعرية والفنية والفلسفية الباذخة (بيسوا، بودلير، سيرج بي، بابلو بيكاسو، بول كلي، ميشيل فوكو..)، ويظهر ابتداءً من اختياره لوحة الرسام التعبيري بول كلي غلافاً لعمله الشعري، ثُمّ يظهر تالياً في عمل الدالّ الشعري وتصادياته مع متخّيل قصيدة النثر الأوربية، مُضافاً إليها شعر الهايكو الياباني.
بيد أنّ ذات الشاعر لم تأْتِ إلى الغربة، أو تتشابك مع قدرها المهجري؛ إنّها قادمة من تُراثٍ محلّي وقَوْمي، نفسيّ وسوسيوثقافي، يشدُّها إلى نوسطالجيا راشحة بالشوق والحنين كما في القسم الثاني من الديوان، كأن يتصادى صوت الأنا مع روح ‘الرميتي’ وصوتها الجريح الذي غنّى الغربة ومنافيها، إذ يقول في نص «غزالها والنّوار»:
«يا أصحابي!
يا من تركوا خيلاً تصهل
في وجدة أو وهران
يا من دسُّوا بجوازٍ أخضر
رائحةَ البارود وعطْرَ نسائِهِمْ
يا من تعبوا
من إملاء رسائل في المقهى
فبكوا أحراراً مثلي
في أشرطة…
يا من رحلوا ليعودوا
وسط متاعٍ
مثلي
في ثوْبٍ أبيض..» (ص34- 35)
وأحياناً، يَخِز وعيها الذي يتوكّأ على شذراتٍ من المرجع الصوفي- الإشراقي (جلال الدين الرومي، ابن عربي..).

رؤية مركّبة:
في هذا التلاقي، أو التصادي البرزخي الذي يمتدّ من المدلول إلى الدالّ في بعده الكاليغرافي والأيقوني، ما يجعل أنا الشاعر تنظر إلى العالم نظرةً مركّبةً تخلخل صفاء هويّتها ويُشيّد اختلافيّتها البانية، فينعكس ذلك على كتابتها التي تُقدّم نفسها بوصفها محكيّاً شعريّاً تتوسّط في أداء لهجته وإنتاج دلالاتها المتنوّعة، تقنيّاتُ كتابية متداخلة من مثل: التبئير الداخلي، الحلم، الباروديا، المشهدية، إلخ.
ومن الطريف أن نُشير، هنا، إلى أنّ حكاية القطة التي استُهِلّ بها الديوان، وكانت محلّ خِصامٍ وسوء فهم بين الأمّ والأب، قبل أنْ تُتْرك في الخارج وهي تموء بجوار العزلة، إنّما تُمثّل أنا الشاعر تمثيلاً أليغوريّاً، تلك الأنا التي وجدت نفسها مقذوفاً بها في فضاء الغربة الكبير، لكن المثمر بلا شكّ، وإلّا لما تفوّق الشاعر محمد ميلود غرافي في هذا الديوان، وأثمرت أغصان تجربته فيه، قياساً إلى ديوانه الأوّل «حرائق العشق» نشره ببلدته بركان (شرق المغرب) في عام 2002م، قبل أن يحزم رحاله إلى الشمال.
لقد كشفت العودة إلى الذات والتطابق معها عن كونهما محض وهم ومشكوكٌ فيهما، بل هي تكتمل في سفرها إلى الآخر وامتدادها فيه، أو كما تؤكد ذلك العبارة الشهيرة لآرثور رامبو «أنا هو الآخر»، أو تلك التي طوّرها جيرار جينيت: «أنا هو الماء الذي يتدفّق». ماء الكتابة وماء المعنى في آن.

*كاتب مغربي

عبد اللطيف الوراري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية