عمان ـ من آية الخوالدة: «كوميدي ذو نزعة إنسانية» هذا ما وصف به الناقد السينمائي الاردني محمود الزواوي، الممثل الكوميدي روبن وليامز في الندوة التي نظمها منتدى النقد الدرامي في رابطة الكتاب الاردنيين. والتي تخللتها ثلاثة عروض لأفضل الافلام التي عرضت لمواهبه المتعددة، وهي: «ويل هنتنغ الطيب»، «جمعية الشعراء الموتى» و»مسز دابتفاير».
وليامز الذي يعتبر من افضل الممثلين الكوميديين خلال الاربعين عاما الماضية، من خلال مواهبه المتعددة وقدرته على التقليد والارتجال ادخل الفرح الى قلوب الملايين من محبيه وصنع السعادة بامتياز، إلا انه لم يتمكن من طرد شبح الوحدة الذي خيم على حياته منذ ولادته وحيدا من دون اخوة وانشغال ابويه عنه، وقضائه جزءا كبيرا من حياته في مراكز اعادة التأهيل للشفاء من ادمان الكحول والمخدرات.
لم تكن ابتسامته وأفلامه التي حققت اعلى الايرادات في السينما العالمية، سوى واجهة لحالة من الاكتئاب الشديد، التي انتهت بإصابته بمرض الشلل الرعاش، وإقدامه على الانتحار والموت وحيدا في بيته دون ملاحظة اي احد من افراد عائلته.
يفسر الزواوي تفرد وتميّز وليامز ضمن زملائه الكوميديين بقدرته على أداء الأدوار الدرامية في عدد من أفلامه التي فازت بعشرات الجوائز السينمائية، وبراعة الأداء الكوميدي بالحركات الارتجالية العفوية والخروج عن النص وموهبته الفذة في تقليد الأشخاص والأصوات واللهجات التي اقترنت بشخصيته الفنية في أدواره السينمائية والتلفزيونية وفي العروض الكوميدية الحية المرتجلة التي قدّمها في المسارح والنوادي الليلية واقفا أمام الجمهور.
ولم يقتصر تأثير أدوار وليامز في أفلامه على إلهام الكوميديين والممثلين، بل انتقل أحيانا إلى إلهام الكثيرين ممن تأثروا بمضمون عدد من أدواره السينمائية. فعلى سبيل المثال، كان لأدائه الواقعي والمؤثر في فيلم «ويل هنتنج الطيب» لدور الطبيب النفسي الذي ينفرد في تقويم شاب ذكي ضال يبحث عن ذاته تأثير كبير على عدد من الأطباء النفسيين.
وقال الطبيب أوليفر ساكس الذي قام بتأليف الكتاب الذي استند إليه فيلم «يقظات» والذي جسّد وليامز شخصيته في الفيلم، «إن الطريقة التي يعمل بها وليامز هي شكل من أشكال النبوغ». وعلق بعض النقاد على دور وليامز كأستاذ في فيلم «جمعية الشعراء الموتى» بقولهم «إن الفيلم يشتمل على مشهد عاطفي ختامي ألهم جيلا وأصبح جزءا من الثقافة الشعبية».
وعن مسيرته في تسلق سلم الشهرة الفنية، بين الزواوي ان البداية كانت مع المنتج التلفزيوني جورج شلاتر الذي قدمه في اول ادواره التلفزيونية في برنامج «الضحك»، ومن ثم المسلسل التلفزيوني «مورك أند ميندي» الذي تحوّل إلى واحد من أكثر المسلسلات التلفزيونية شعبية في الولايات المتحدة، وظهرت صورته في العام 1979 على غلاف مجلة «تايم»، أكثر المجلات الأمريكية انتشارا آنذاك، وعرضت الصورة نفسها على غلاف المجلة بعد وفاة وليامز في متحف سميثسونيان بواشنطن لتمكين الجمهور من التعبير عن مشاعر الإجلال نحو فنان لا ينسى.
اما عن مسيرته السينمائية، فبدأت من خلال فيلم «بوباي» 1980 ليصبح واحدا من اكثر نجوم السينما الامريكية نجاحاَ، ومن اهم افلامه التي حصدت الجوائز «ويل هنتنج الطيب» 1997 الفائز بإحدى وعشرين جائزة، و»جمعية الشعراء الموتى» 1989 الحائز على 17 جائزة، و»مسز داوتفاير» 1993 الحائز على عشر جوائز، و»كبير الخدم» 2013 الفائز بثلاث عشرة جائزة. ومن هذه الأفلام أيضا فيلم الرسوم المتحركة «علاء الدين» 1992 الذي فاز بست وعشرين جائزة.
كما جسد الممثل روبن وليامز اثنين من الرؤساء الأمريكيين في أفلامه، هما الرئيس دوايت أيزنهاور في فيلم «كبير الخدم» والرئيس ثيودور روزفلت في ثلاثية أفلام «ليلة في المتحف». وإن دل ذلك على شيء، فهو يدل على تنوع مواهب هذا الممثل الكوميدي في تجسيد شخصيات حقيقية في أفلام درامية.
وفي نهاية الندوة، ختم الزواوي حديثه بالنهاية التي وضعها وليامز لنفسه والأقوال التي صرح بها اصدقاؤه ومعجبون «بعد مرور اربعين عاما من العطاء قدم فيها بطولة 100 فيلم سينمائي، توفي روبن وليامز في الحادي عشر من شهر اب هذا العام، منتحرا على باب غرفته بعد تشخيص اصابته بمرض باركنسون وخوفه الشديد من فقدان السيطرة على اطرافه والشلل الكامل، واعلنت زوجته «إنني فقدت زوجي وأفضل أصدقائي، فيما فقد العالم واحدا من أحب فنانيه وإنسانه العظيم». وتدفقت تعابير الحزن من أصدقاء روبن وليامز الفنانين الذين أشادوا بمناقبه الفريدة. حيث قال ديفيد كيلي كاتب ومنتج المسلسل التلفزيوني «المتهورون» آخر مسلسلات روبن وليامز «كانت موهبته أسطورية، ولكن ما لا يقل عن ذلك روحه الملهمة، بل وربما أكثر من ذلك دماثته وحنانه وإنسانيته. وكان روحا نبيلا أثر فينا جميعا». أما الممثلة جنيفر لوبيز فقالت «لقد جلب روبن النور لكل مكان دخله وكان بكل معنى الكلمة عبقريا كوميديا حقيقيا». ووصف المخرج الشهير ستيفين سبيلبيرغ روبن وليامز بقوله «كان عاصفة برقية من النبوغ الكوميدي». وأخيرا نعى الرئيس باراك أوباما الراحل بقوله «كان روبن وليامز فريدا من نوعه. لقد أضحكنا وأبكانا. ومنح موهبته التي لا تعرف حدودا بحرية وسخاء لأولئك الذين هم بأمسّ الحاجة إليها».
وفي سؤال للناقد الزواوي حول مصير اغلب الكوميديين بالاكتئاب، يبين:» ليس بالضرورة الكوميديين فقط، فالجو العام الذي يعيش فيه الفنانين سواء في السينما او المسرح او التلفزيون، يدفع بهم نحو الادمان والاكتئاب اذ ان حياتهم غير منظمة، يتنقلون كثيراَ، حياة اسرية مفككة، وحدوث الكثير من العلاقات الغرامية والزواج والطلاق، وثرواتهم الكبيرة وغياب الحكمة في انفاقها. ومثال على ذلك، ما سيرد في كتابي القادم على لسان ممثلين تعالجوا من الادمان، صرحوا بأن بعض الاستوديوهات التي تنتج الافلام تزود الممثلين بالمخدرات ضمن ميزانية الفيلم».