لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خريطة طريق مرتبة من أجل تطبيق فكرة الدولة الفلسطينية. “يجب وقف الحرب فوراً، وعلى إسرائيل سحب كل قواتها من قطاع غزة دون السيطرة على أي شبر من أراضيه، وتسرع إدخال المساعدات الإنسانية والطبية، ثم البدء في إعداد الحل السياسي الذي سيرتكز على قرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية”، قال محمود عباس لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.
في مقابلة مع المحرر الرئيسي غسان شربيل، أضاف عباس بأن الحل يجب أن يبدأ بـ “الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي ستحصل على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة عن طريق قرار لمجلس الأمن. ثم عقد مؤتمر دولي للسلام، يكون خاضعاً لضمانات دولية وجدول زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”.
هكذا، حسب رأيه، ستقام الدولة الفلسطينية، على صيغة دولتين لشعبين. ولكن شربيل، الذي هو محاور محنك من الصحافة العربية، لم يكتف بالتصريح المعروف لمحمود عباس. على خلفية تقرير في “واشنطن بوست” حول خطة دولية بمبادرة أمريكية لإقامة دولة فلسطينية، التي يتم طبخها على نار هادئة أو متوسطة، طلب من الرئيس إجابات محددة.
هل قدم لكم وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تعهداً بالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية؟ سأل. قال عباس إنه جرى الكثير من اللقاءات مع المبعوثين الأمريكيين (“خمس مرات مع بلينكن، ومع مستشار الأمن القومي جاك سوليفان، ورئيس الـ سي.آي.ايه وليام بيرنز”). إضافة إلى أحاديث عن حل سياسي. ولكن جوابه القصير لخص الوضع بوضوح: “لم يحدث شيء على الأرض. لم تستخدم الإدارة الأمريكية ضغطاً حقيقياً وجدياً على الحكومة اليمينية في إسرائيل. ليس مهماً ما نسمعه من الإدارة، المهم ما يحدث على الأرض”.
النشر في “واشنطن بوست” لا يشكل حتى الآن الدليل الرسمي على استعداد الولايات المتحدة للمضي بحل الدولتين بشكل عملي. حتى لو كانت هناك مصادر إسرائيلية تؤكد أنهم عرفوا عن هذه النية؛ وكذلك إذا كان بعض الزعماء العرب يقولون، حتى الآن بدون الكشف عن الأسماء، بأنهم شركاء في بلورة الاقتراح. ولكن حتى قبل إعلان رسمي، هذا إذا كان إعلان كهذا، فإن الولايات المتحدة تريد معرفة إذا كانت السلطة الفلسطينية مستعدة لتولي المسؤولية عن إدارة قطاع غزة، وتلبية الشرط الأساسي الذي وضعه الرئيس الأمريكي لذلك عندما وضع في تشرين الثاني مفهوم “سلطة فلسطينية محدثة”.
هنا يبدأ وربما ينتهي النقاش حول قضية الدولة الفلسطينية. حسب نية أمريكا، التي تعارض في هذه الأثناء موقف إسرائيل بشكل مطلق، فإن على السلطة الفلسطينية السيطرة في غزة بعد عدة إصلاحات هيكلية. ولكن بدون إعطاء تفاصيل جوهر الإصلاحات، اكتفى عباس في هذه الأثناء بإعلان عن تعيين محافظين جدد للمحافظات بعد أن أقال في آب 12 محافظاً، وتصريح حول نيته إعطاء حرية أكبر للإعلام وتوحيد السلطات الإدارية وتوفير خدمات صحية لجميع السكان. ولكن ليس هذا ما قصدته الإدارة الأمريكية التي تتحدث عن تقليص صلاحيات عباس وتعيين نائب له صلاحيات وعن ضخ “دماء جديدة” لأجهزة الإدارة الفلسطينية، بما في ذلك الجيل الشاب الذي لا يرى في عباس وقيادته القديمة شخصاً يمثله الآن، أو الوقوف على رأس الدولة الفلسطينية.
مشروع حياته
هذه القضية تغضب عباس (88 سنة)، الذي شاهد كيف أن مشروع حياته كزعيم م.ت.ف بعد وفاة ياسر عرفات في 2004، يوشك على التحطم. وفي الوقت الذي تلوح فيه فرصة لتحقق حلم الدولة الفلسطينية في الأفق، مطلوب منه هو أن يدفع ثمناً شخصياً.
عندما سئل في مقابلة: هل تستطيع مؤسسات السلطة إدارة غزة؟ وهل طلب بلينكن تشكيل حكومة تكنوقراط أو حكومة متفق عليها؟ هب عباس وقال بغضب وكأنه يستعد لمعركة حياته: “مؤسسات الدولة الفلسطينية مبنية حسب المعايير الدولية الأعلى، وتستطيع القيام بدورها بالشكل الأفضل في قطاع غزة والضفة وشرقي القدس”، قال. “تشكيل حكومة جديدة هو قرار فلسطيني داخلي، ولن يأتي من خلال الامتثال لأي طلب خارجي، إقليمي أو دولي. دفعنا ثمناً باهظاً من أجل الدفاع عن القدرة على اتخاذ القرارات بأنفسنا، ولن نسمح لأي جهة بالتدخل أو محاولة التحكم بنا”.
أقواله وجهت ليس فقط للأمريكيين، هو يخضع لضغوط كبيرة أيضاً من قبل قطر، وبالأساس السعودية. فحسب وسائل إعلام عربية وحسب مصادر أردنية تحدثت مع الصحيفة، فإن الرياض هي القوة العربية الأساسية التي تعلق عليها واشنطن الآمال، سواء من أجل إدارة القطاع بواسطة سلطة فلسطينية “محدثة”، أو باعتبارها تمتلك الذخر الاستراتيجي للتطبيع مع إسرائيل، الذي يستهدف التأثير على موقفها من السلطة الفلسطينية، أو باعتبارها العمود الأساسي الذي ستعتمد عليه إعادة إعمار القطاع. ولكن السعودية، مثل واشنطن، اكتوت من قبل عندما حاولت تشكيل حكومات عربية حسب الإملاءات. الفشل الذريع الذي لحق بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في 2017 عندما قام “باعتقال” رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري وأمره بتقديم استقالته، وكذلك جهوده في تشكيل حكومة في اليمن، أوضحت للرياض قيود قوتها.
يبدو أن السعودية تفهم أيضاً الآن بأن الطلبات الأمريكية بعيدة عن التحقق، وأن من يريد تجنيدها لحل قضية قطاع غزة عليه أن يدفع بعملة أصعب من التصريحات الفارغة. في 7 شباط نشرت وزارة الخارجية السعودية بياناً صريحاً واستثنائياً جاء فيه بأنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلى حين إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإلى حين إنهاء إسرائيل الهجوم على غزة وسحب قواتها. كان هذا رداً سريعاً وواضحاً للمتحدث بلسان مجلس الأمن القومي جون كيربي بعد يوم على الإبلاغ عن “ردود إيجابية” في إسرائيل والسعودية بخصوص الاستعداد لمواصلة محادثات التطبيع، وقال إن هذا “غير مرتبط بجهود التوصل إلى وقف إطلاق نار إنساني”.
تملص محمود عباس أيضاً من الرد على كل ما يتعلق بمطالبته تعيين نائب له مع صلاحيات. هو يدرك معنى هذه الخطوة بالنسبة له، ويبعدها عنه بذريعة تقنية كما يبدو: “هذا الموضوع يخضع للدستور الفلسطيني الذي لا إمكانية لتغييره إلا من خلال عقد المجلس الوطني أو بعد انتخاب مجلس تشريعي جديد يقرر إجراء تغيير في هذا البند”. المجلس الوطني الفلسطيني، الذي هو جسم تاريخي قد يمثل كل الشعب الفلسطيني في “المناطق” [الضفة الغربية] والشتات، هو على الورق. ولكن عملياً، الجسم التمثيلي الرسمي هو المجلس التشريعي الذي تشكل عام 1996 عقب اتفاق أوسلو، ويشمل 132 عضواً. أجريت الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي في العام 2006، في حينه فازت حماس بأغلبية ساحقة. ولكن في 2018 حلّ محمود عباس المجلس التشريعي، ومنذ ذلك الحين لم يتم إجراء انتخابات. الرئيس يدير السلطة بالأوامر، ويمكنه تعيين نائب حتى بدون مصادقة البرلمان غير الموجود.
لكن عندما يتذرع بهذا التبرير الرسمي فإنه يوضح لقيادة م.ت.ف والولايات المتحدة، بأنه في الحقيقة مستعد لإجراء إصلاحات إدارية، لكن ليس إصلاحات تضر بمكانته. إذا أراد بايدن أو بلينكن سلطة مع رئيس فلسطيني كما يريدان، فليتفضلا وليقوما بتشكيلها؛ فلهما تجربة سابقة غنية ومريرة في احتلال العراق وأفغانستان، حيث شكلا حكومات محلية وفقاً لوصفة ما، لكنها انهارت بضجة كبيرة.
في هذه الأثناء، غزة تحتجز فكرة الدولة الفلسطينية كرهينة، وعباس يمسك بغزة كرهينة لإقامة الدولة. ولكن بين إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وبين الحاجة الملحة لإيجاد جسم فلسطيني يدير غزة، ثمة هامش لعمل أمريكي وعربي. في هذه الأثناء، تحاول الإدارة الأمريكية العثور على جواب يرضي السلطة الفلسطينية، التي يمكنها تقديمها لإسرائيل على اعتبار أنها الجسم المناسب والمرغوب فيه من أجل إدارة قطاع غزة. أحد الخيارات الذي قد يضع الولايات المتحدة على مسار تصادم مع إسرائيل هو الإعلان مع الاتحاد الأوروبي عن الاعتراف بدولة فلسطينية يتم ترسيم حدودها في المفاوضات مع إسرائيل، وإلى حين انتهاء هذه المفاوضات فلن تُطرح أي اقتراحات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمخول بالاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، ولكن لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن واشنطن مستعدة لتسلق هذا المتراس. الاحتمال الآخر هو عقد مؤتمر دولي على شاكلة مؤتمر مدريد، تناقش فيه حدود وشروط إقامة الدولة الفلسطينية.
هناك شك كبير إذا كانت إسرائيل ستطلب بطاقة دعوة لهذا المؤتمر. ولكنها عملية قد ترضي محمود عباس. الحديث يدور في الواقع عن وصفة مجربة لكسب الوقت والمماطلة لسنوات، لكن هكذا على الأقل يمكنه إحضار السلطة إلى غزة، حتى لو من أجل إدارة الأجهزة والخدمات المدنية. ولكن حتى لو وافق عباس والدول العربية التي تؤيده، السعودية ومصر والأردن، على عملية مؤقتة كهذه إلى جانب وعد غامض بدولة فلسطينية مستقلة فسيبقى السؤال العملي: تحت أي رعاية أمنية ستعمل الأجهزة المدنية وكيف سيكون توزيع العمل بين الجيش الإسرائيلي والسلطة حتى ذلك الحين؟ لا يستبعد محمود عباس مشاركة جهات “عربية أو غير عربية” في إعادة إعمار القطاع، لكن لا أفكار واقعية لديه حول ما يتعلق بالقضايا الأمنية.
تسفي برئيل
هآرتس 16/2/2024