مخابرات الأسد تهدد أهالي درعا بتدمير المسجد العمري التاريخي وسرقة آثاره ما لم يخضعوا لإيران

حسام محمد
حجم الخط
0

العميد لؤي العلي مجرم حرب والذراع الأمني للحرس الثوري داخل النظام السوري

تحظى دور العبادة في سوريا بمكانة وقيمة خاصة لدى السوريين، إلا أن نسبة كبيرة منها كانت قد تعرضت لانتهاكات جسيمة منذ عام 2011 خاصة من قبل النظام الذي يتصدر المرتبة الأولى في قصفها وتدميرها كليًا أو جزئيًا وفق تقارير حقوقية. ولعل ما شهدته محافظة درعا في الجنوب السوري خلال الأيام القليلة الماضية من تهديد أطلقته استخبارات النظام بعزمها قصف مسجد العمري التاريخي وتدميره كليًا إذا لم يستجب الأهالي الذي يرفضون الرضوخ لرئيس النظام لمطالب السلطة، خير مثال.
في 24 حزيران/يونيو الماضي، أطبقت قوات النظام حصارها على 11 ألف عائلة – 50 ألف نسمة- في درعا البلد، وتسببت في حرمانها من دخول الأدوية والمستلزمات الأساسية، وذلك على خلفية رفضهم مطالب النظام وحليفه الروسي بتسليم السلاح الشعبي، وتفتيش المنازل فيها.
وبعد أقل من شهر في 17 من شهر تموز/يوليو، هدد رئيس جهاز الأمن العسكري التابع للنظام في محافظة درعا، العميد لؤي العلي، بقصف المسجد العمري التاريخي، والذي يحظى بمكانة خاصة لدى أبناء المحافظة، في حال رفضهم الخضوع لشروط النظام السوري المتعلقة بتسليم الأسلحة الخفيفة والمطلوبين، والسماح لقوات النظام بدخول بلدات وقرى درعا البلد، وإقامة حواجز عسكرية فيها.
تهديدات القيادي الأمني في استخبارات النظام، كانت خلال لقاء أجراه مع ممثلين عن عشائر درعا في مكتبه، فيما رأى المتحدث باسم «تجمع أحرار حوران» أبو محمود الحوراني، أن تهديدات العميد لؤي العلي، تأتي بعد فشله في خلط الأوراق وخلق حالة من الفتنة والفوضى في المحافظة، مشيرًا خلال تصريحات أدلى بها لـ «القدس العربي» إلى أن مسؤول الأسد الأمني، هدد الأهالي بهدم المسجد العمري بشكل كامل وسرقة جميع أحجاره حال رفضهم لشروطه.
مطالب النظام قوبلت بالرفض القاطع من قبل أبناء المحافظة، باعتبارها مجحفة بحق أبناء المنطقة، وتخفي مخططا خطيرا يرمي لزعزعة الاستقرار فيها. وجاء في قرار عشائر درعا، أن حجارة المسجد العمري الذي هدد العميد العلي بتدميره لها أهمية أكبر من النظام السوري وميليشياته جميعاً.

لغة المافيات

انتقد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهي منظمة غير حكومية، تهديدات النظام بقصف وتدمير المسجد العمري التاريخي في درعا، معتبرًا خلال اتصال مع «القدس العربي»: أن مثل هذه التهديدات إشارة واضحة المعالم من قبل النظام السوري بعدم اكتراثه للقانون الدولي أو السائد على المستوى المحلي في سوريا.
كما صنف لغة التهديد التي توعد بها رئيس جهاز الأمن العسكري التابع للنظام في محافظة درعا، العميد لؤي العلي، بأنها لغة أقرب لسلوك المافيات، مشيرًا في ذات الوقت إلى أن وعيد المسؤول الأمني، يعد اعترافا منه باستعداد قواته على قصف موقع مدني، علاوة على أن دور العبادة من الأعيان المشمولة ضمن رعاية خاصة.
واستطرد عبد الغني قائلاً: مثل هذه الهجمات تصنف ضمن دائرة القصف المتعمد، وبالتالي هي جريمة حرب، كما تُصنف ضمن خانة الاعتداء الطائفي، إذ أن هذا المسجد يتبع للأكثرية السُنية في سوريا، وكذلك هو الحال بالنسبة لأي اعتداء على دور العبادة العائدة للطائفة المسيحية في البلاد.

انتهاك جسيم للقانون الدولي

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، صنف كذلك تهديدات مخابرات النظام السوري بقصف المسجد وتدميره، ضمن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، واعتبره انتهاكا جسيما للقانون، ويشكل جريمة حرب، كما تصنف مثل هذه التهديدات في سياق عدم اكتراث النظام بأي عواقب لانتهاكاته التي تعتبر أقرب لسلوك عصابات المافيا.
فهذا النظام لم يتوان عن ممارسة أي انتهاكات في سوريا، من القتل والتعذيب والتهجير والحصار والقصف دون أي رادع، وهي ممارسات أدت إلى انهيارات خطيرة في القانون الدولي خلال السنوات الماضية من خلال عجزه عن حماية حقوق الإنسان، بسبب تكرار استخدام الفيتو من قبل روسيا.
هذه الرسائل، وفق المصدر الحقوقي، مهمة للتذكير بانهيار وتراجع في الالتزام بقواعد القانون الدولي، ومنها التهديد بقصف مسجد العمري في درعا، وما شهدته سوريا في عمومها هو انتكاس في القانون الدولي.

المسجد العمري

يصنف الجامع العمري في محافظة درعا، ضمن الجوامع الأثرية والتاريخية في سوريا، وهو يعود للفترة الإسلامية الأولى، حيث ارتبط اسمه بالخليفة عمر بن الخطاب، الذي أمر بتشييده في العام 14 للهجرة 635 ميلادية، وذلك خلال زيارته لسهول حوران.
حظي المسجد باهتمام كبير مع انطلاقة الثورة السورية في آذار/مارس عام 2011 حيث انطلقت منه أولى المظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام، حتى صار إمام المسجد، الشيخ أحمد الصياصنة، يلقب بـ «شيخ الثورة السورية» بعد دعمه الكامل للثورة ومطالب التغيير في البلاد.
لم يتأخر النظام السوري كثيرًا في مهاجمة المسجد واستباحته، ففي 28 من شهر آذار/مارس من عام 2011 اقتحمت قوات ومخابرات الأسد المسجد، وهاجمت المعتصمين فيه، مرتكبة مجزرة في داخله، وتخريب أجزاء من ساحته وبناءه.
وبعد تحول الثورة في سوريا من السلمية إلى المسلحة، قصفت قوات النظام مئذنة المسجد العمري بالدبابات حتى تهاوت وانهارت، وعاودت قوات النظام قصف المسجد عدة مرات خلال الأعوام الماضية.
وفي شهر حزيران/يونيو من عام 2019 أطلق أهالي درعا البلد مبادرة تطوعية بهدف إعادة تأهيل المسجد العمري بعد أن دمّره نظام الأسد، لتنتهي أعمال الترميم الداخلية للمسجد في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020 وبدأت بعدها أعمال الترميم الخارجية للمسجد وإعادة إعمار المئذنة التي قصفتها قوات النظام سابقاً.

تكسير المعنويات

يُشكّل المسجد العمري، وفق الباحث في مركز جسور للدراسات عبد عاصي رمزا لسكان درعا والجنوب السوري عموماً، فكل الوقفات الصامتة ومراكز انطلاق المظاهرات في درعا كانت منه.
لذلك، فإن تهديد النظام بقصفه يستهدف كسر الروح المعنوية للأهالي ومحاولة تقويض عوامل التضامن فيما بينهم، كما اعتبر الباحث خلال تصريحات خاصة بـ «القدس العربي» أن استهداف المواقع الدينية في سوريا كان وما زال ينطلق من كون المساجد مراكز تجمع للمظاهرات، وأداة للتأثير على رجال وعلماء الدين لمنع الخروج ضد النظام السوري والتسويق لمبدأ سدّ الذرائع.
وأن ذلك ينطبق أيضاً على استهداف الكنائس، أي النظام يحاول إعادة التأكيد على كونه حامي الأقليات فإما أن يبقوا موالين له وعلى الحياد أو أنه لن يكون مسؤولاً عن توفير الحماية لها بما في ذلك الاستهداف الذي قد يطالها كنتيجة للعمليات القتالية.
عاصي لم يستبعد وجود بعد طائفي وراء استهداف المساجد في سوريا من قبل النظام، إذ قال المصدر: «رغم صعوبة الإقرار بوجود بعد طائفي من استهداف المساجد إلا أنه لا يبدو مستبعداً اتباع مثل هذه السياسة للدفع نحو ظهور أفكار متطرفة التي تساعد النظام السوري في التسويق لخطاب طائفي، من قبيل أن المواجهة هي مع مجموعات إرهابية، مثلما لجأ مطلع الثورة لإخراج معتقلي الرأي من السلفية الجهادية».

تهديد طائفي

الخبير في الشؤون الدولية محمد بلال، رأى أن حالة التضامن والانسجام التي أبدتها درعا خلال التحديات الأخيرة، منحتها فرض معادلة جديدة في الجنوب السوري، خاصة في مواجهة المساعي الإيرانية المتواصلة لإحداث خرق في النسيج المحلي ونشر عمليات التشيع في المنطقة.
مشيرًا إلى أن ما عاشته درعا خلال الآونة الأخيرة، من تصعيد وحملة عسكرية وحصار، لإيران دور هام فيه، وهي من تحرك جيش النظام والميليشيات الطائفية في المنطقة، طمعًا منها بالاقتراب من الحدود الأردنية.
كذلك أشار الخبير، إلى أن كافة القوى الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا هي قوى موالية لإيران وحرسها الثوري على وجه التحديد، وأن العميد لؤي العلي الذي يشغل منصب رئيس جهاز الأمن العسكري فيها، هو من القيادات الأمنية صاحبة الولاء التام لطهران.
وأن التهديدات الطائفية التي أطلقها المسؤول الأمني حول المسجد العمري، هي رغبات وامنيات إيرانية، يعملون معًا على تحقيقها، كما أن تصريحات العلي تحمل في إحدى زواياها بعدًا طائفيًا متمثلًا بتعمد التجريح بأهل السنة في سوريا، وإظهار العداء لأحد أبرز الخلفاء الراشدين في الحقبة الإسلامية الأولى.

من هو العميد لؤي العلي؟

يعتبر العميد لؤي العلي، من القيادات الأمنية المقربة من بشار الأسد، وينحدر من مدينة طرطوس في الساحل السوري، شغل عدة مناصب قبل رئاسة شعبة الأمن العسكري في الجنوب السوري، بينها رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء في عام 2018 ورئيس قسم الأمن العسكري بدرعا (245) في عام 2011 أي في أثناء انطلاقة الثورة السورية.
للعميد العلي سجل حافل بالإرهاب والجرائم وانتهاك حقوق الإنسان في سوريا، فهو من أوائل الضباط المتهمين بقمع الاحتجاجات في البلاد، واغتصاب النساء في المعتقلات، وإعطاء الأوامر للعناصر بإطلاق النار المباشر على المتظاهرين السلميين المطالبين بالحرية والعدالة والاجتماعية.
ورد اسم العميد لؤي العلي في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر بتاريخ 1/6/2011 والمعنون تحت اسم «لم نر مثل هذا الرعب من قبل».
حيث اتهم وفق منظمة «مع العدالة» التي تلاحق مجرمي الحرب، بالاشتراك في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في درعا، والقيام بعمليات القتل والتعذيب الممنهجة من قبل القوات التي اقتحمت درعا، حيث أشرف العميد لؤي على كافة العمليات التي قام بها عناصر قسم المخابرات العسكرية في درعا.
يعتبر لؤي العلي، المسؤول المباشر عما كان يحدث في قسم الأمن العسكري في درعا من تجاوزات بلغت حد الاغتصاب بحق النساء والأطفال، إذ ورد اسمه في تحقيق لموقع «ميديا بار» الفرنسي بالقول إن العقيد لؤي العلي أطلق العنان لعناصر الأمن العسكري للقيام بما يحلو لهم بحق المعتقلين والمعتقلات.
والعميد لؤي العلي خاضع للعقوبات الكندية والبريطانية والأوربية نتيجة لدوره الإجرامي بحق أبناء الشعب السوري. الأمر الذي دفع النظام لترفيعه إلى رتبة عميد وتعيينه رئيساً لفرع الأمن العسكري في السويداء خلفاً للعميد وفيق ناصر مطلع عام 2018.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية