دمشق – «القدس العربي»: يواجه مليونا شخص في أكثر من 1500 مخيم، مصنفون على أنهم نازحون داخلياً، مصيرهم، في أماكن لجوء غير صالحة للعيش شمال غربي سوريا، وتعصف بهم الرياح والأمطار التي تخلق كل شتاء مستنقعات وحلية اختلطت مع مياه الصرف الصحي في العديد من المخيمات، لتزيد المعاناة والمخاطر بانتشار الأمراض والكوليرا في ظل واقع إنساني تعرض لهجوم من الأزمات في عام 2023 بدءاً من الزلازل والنقص المستمر في الغذاء إلى أكبر تصعيد للحملات البرية الجوية والأعمال القتالية ضد النازحين في إدلب الكبرى منذ أربع سنوات.
والآن، يستعد 4.5 ملايين شخص، وفق إحصائيات مكتب الأمم المتحدة لموسم شتوي بارد آخر من المطر والفيضانات والثلوج. وبالنسبة للكثيرين، هو العام الثاني عشر لهم في الصّراع خلال فصل الشتاء. فسوريا اليوم، بعد أكثر من 12 عاماً من النزاع، أصبحت ثاني أكبر دولة من حيث عدد النازحين داخلياً في العالم. وفي شمال غرب سوريا تحديداً، يعيش مليونا شخص في أكثر من 1,500 مخيم وفق كتلة تنسيق وإدارة المخيمات. وبحسب المصدر، فإن الظروف المعيشية صعبة وخاصة بالنسبة لـ 800,000 شخص ما زالوا يعيشون في الخيام، العديد منهم قضوا عدة سنوات في نفس الخيمة المتهالكة. ففي فصل الشتاء الماضي، تضرّرت أكثر من 5,400 خيمة بسبب الحرائق والفيضانات والعواصف الثلجية، حيث تمّ الإبلاغ عن أكثر من 30 حادثاً لفيضانات وعواصف هوائية بين 20 و28 تشرين الثاني مع توّقع زيادة في عدد الحوادث خلال الأشهر القادمة.
نائب مدير الدفاع المدني السوري، منير مصطفى، قال لـ «القدس العربي» إن العاصفة المطرية التي ضربت المنطقة، خلال اليومين الماضيين، خلفت أضراراً في أكثر من 1700 خيمة ومسكن للمهجرين ومخيمات إيواء ناجي الزلزال.
وأسفرت العاصفة، وفق المتحدث، عن إغلاق عدة طرقات رئيسية وتسرب مياه السيول إلى العديد من المنازل، كما اختلطت مع مياه الصرف الصحي في العديد من المخيمات، لتزيد المعاناة والمخاطر بانتشار الأمراض والكوليرا في ظل تضخم الاحتياجات الإنسانية، وتقلص الاستجابة الأممية للمنكوبين في شمال غربي سوريا.
في الشتاء الثاني عشر وسط الحرب
منظمة «منسقو استجابة سوريا» أشارت في بيان لها إلى أن أكثر من مليوني نازح مقيمين في المخيمات أصبحوا عاجزين عن تأمين أدنى احتياجاتهم اليومية، مع ارتفاع كبير ومستمر في أسعار المواد الغذائية ومواد التدفئة، مع عجز واضح وفجوات كبيرة بين احتياجات النازحين وعمليات الاستجابة الإنسانية المقدمة من قبل المنظمات الإنسانية، واعتبرت أن بقاء مئات الآلاف من المدنيين في مخيمات لا يمكن تشبيهها إلا بالعراء والأماكن المفتوحة في انتظار حلول إنسانية أو سياسية ترضي النظام السوري وروسيا أصبحت غير مقبولة ولا بديل عنها إلا عودة النازحين والمهجرين قسراً إلى مدنهم وقراهم من جديد.
وتسببت العواصف المطرية الأخيرة في حدوث فيضانات مائية وانقطاع للطرق داخل المخيمات مع صعوبات كبيرة لتصريف المياه نتيجة غياب الصرف المطري في مجمل المخيمات، مشيرة إلى ظهور بعض التشققات في عدد من الوحدات السكنية والكرفانات ودخول المياه الأمطار إلى عدد منها وتجمع مستنقعات كبيرة من المياه أمامها.
وتتخوف المنظمات المحلية هناك من حدوث انزلاقات طينية ضمن المخيمات نتيجة تشكل مستنقعات مائية كبيرة، حيث يصعب الوصول إلى المناطق المتضررة نتيجة سوء وانقطاع الطرقات المؤدية إليها. ووفق البيان، فإن «جميع الحلول التي تقدم في المرحلة الحالية أو ضمن أي خطة مستقبلية محكوم عليها بالفشل، كون أن المخيمات تجاوزت العمر الافتراضي لها، إضافة إلى تشييد مخيمات جديدة بشكل غير مدروس خلال الشهر الماضي الذي زاد من حجم الكارثة الإنسانية ، فضلاً عن عدم جدوى الحلول المقدمة حالياً والتي من المفترض أن يتم العمل عليها سابقاً، الأمر الذي يثبت الفشل في إدارة المخيمات بشكل كامل، والعجز الواضح على التعامل مع الحالات الطارئة ضمن تلك المخيمات، وتحتاج المنطقة إلى حلول جذرية لإنهاء معاناة المدنيين المستمرة».
وبحسب البيان، فإن «الأضرار ذاتها دون تغيير»، حيث سجلت الأضرار الأولية ضمن 19 مخيماً تقطنها الآلاف من العائلات النازحة، كما شهدت عشرات المخيمات أضراراً كبيرة ضمن الطرقات الداخلية والتي تعتبر أبرز الأسباب التي أدت إلى الأضرار لعدم صلاحيتها بشكل فعلي مما سبب صعوبات في تحرك النازحين داخل وخارج المخيمات، لتضاف إلى الأضرار السابقة عن هطولات مطرية قبل عدة أيام.
وحثت منظمة «منسقو استجابة سوريا» المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية العمل على تخفيف معاناة النازحين والعمل على إيقافها من خلال زيادة وتيرة العمليات الإنسانية في المنطقة والعمل على إيجاد حلول جذرية تنهي تلك المعاناة الممتدة منذ أكثر من عدة سنوات وحتى الآن. وتقدر أعداد المتضررين الكلي في مخيمات النزوح شمال غربي سوريا بـ 9,743 نسمة بينهم 2,894 امرأة و 3,172 طفلاً، كما تقدر أعداد النازحين من المخيمات نتيجة الهطولات المطرية 816 نسمة. أما النازحون الذين فقدوا المأوى نتيجة العواصف المطرية فيناهز تعدادهم 2,843 نسمة، كما بلغ عدد الخيم المتضررة بشكل كلي 102 خيمة موثقة، وعدد الخيم المتضررة بشكل جزئي 193 (خيمة، وحدات سكنية، كرفانات). ودخلت مياه الأمطار إلى داخل نحو 1000 خيمة بينها «وحدات سكنية، كرفانات» مسببة أضراراً مختلفة، كما جاوزت الأضرار في الطرقات الـ14 كيلومتراً ضمن المخيمات ومحيطها، وتعتبر محافظة إدلب وريفها هي الأعلى تضرراً، يليها المخيمات في ريف حلب شمال سوريا.
شهد هذا العام، وفق مكتب الأمم المتحدة، تقليص التمويل لبرنامج الأغذية العالمي وشركائه في شمال غرب سوريا بنسبة 50 % ممّا أدّى إلى تقليص الاستجابة. في الوقت نفسه، تضاعفت تكلفة السلال الغذائية في سوريا في عام 2023، ووصلت حالة انعدام الأمن الغذائي إلى مستوى قياسي، حيث يعاني 4 من كل 5 سوريين في شمال غرب البلاد من انعدام الأمن الغذائي. وقد غدت التوزيعات الغذائية، التي كانت شهرية من قبل، كل شهرين منذ فصل الصيف، ممّا أدّى إلى انخفاض كبير في عدد الأشخاص المستفيدين. في النصف الأول من عام 2023، كان مليونا شخص يحصلون على المساعدات الغذائية شهرياً وسطياً في شمال غرب سوريا، ولكن منذ شهر تموز/ يوليو، انخفض هذا العدد الشهري إلى ما لا يزيد عن مليون شخص، حسب كتلة الأمن الغذائي وسبل العيش.
وفي بداية شهر كانون الأول، أعلن برنامج الأغذية العالمي تعليق برنامج المساعدات الغذائية العامة لكامل سوريا في عام 2024 بسبب قلة التمويل. وخلال العام الماضي، قدّم هذا البرنامج السلال الغذائية والقسائم الشرائية لما يقارب من 1.3 مليون شخص في شمال غرب سوريا.