الرباط ـ «القدس العربي»:تعيش بعض المؤسسات التعليمية في المغرب، على صفيح ساخن، بسبب تصاعد اعتداءات متكررة في الآونة الأخيرة على المدرسين والمدرسات والكوادر الإدارية، من قبيل الإهانات والشتم والتعريض للعنف الجسدي، سواء من قِبل التلاميذ أو ذويهم.
ولعل آخر هذه الاعتداءات، ما تعرضت له مدرّسة في معهد للتكوين المهني في مدينة أرفود (الجنوب الشرقي للبلاد)، أواخر شهر رمضان، من قِبل أحد طلابها البالغ من العمر 21 سنة، في الشارع العام، مستخدما آلة حادة (ساطور)، ما أدى إلى إصابتها بجروح خطيرة.
تفاعلاً مع الحادث، حمّلت «الجامعة الوطنية للتعليم»، الدولة مسؤوليتها في الصمت تجاه مثل هذه الاعتداءات التي تطال رجال ونساء التعليم في المغرب. وأعلنت النقابة تضامنها المطلق مع المدرّسة ضحية الاعتداء الخطير، واعتبرت أن العنف ضد رجال ونساء التعليم يجد منبعه في «الصمت المتعمد الذي تنهجه الدولة تجاه الأفعال المهينة في إطار سعيها التمرير مخططاتها الرامية إلى الإجهاز على التعليم العمومي وتخريب المدرسة العمومية» وفق تعبير بيان النقابة.
وطالب البيان بالوقوف بحزم ومسؤولية لوقف كل أشكال العنف المدرسي خدمة لتطلعات أبناء الشعب المغربي، وطالب جميع الجهات المسؤولة بضرورة توفير شروط السلامة في محيط المدرسة، والتصدي لكل من سولت له نفسه العبث بالسلامة الجسدية للمدرسين والمدرسات.
تراجع أدوار الأسرة
من جانبه، أكد النقابي والفاعل التربوي مصطفى الأسروتي، أن الاعتداءات الحاصلة ضد المدرسات والمدرسين ليست جديدة، لافتا إلى أنها عرفت منحى تصاعديا مؤخرا من حيث تواترها وخطورتها.
وعن أسباب العُنف الموجه ضد الكوادر التربوية والإدارية، أبرز الأسروتي متحدثا لـ «القدس العربي»، أن الوضع يتعلق بداية بتراجع أدوار الأسرة، التي باتت تفتقر أغلبها للاهتمام بأبنائها وتتبعهم، إلى جانب التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي.
ونبّه النقابي المغربي إلى وضعية المؤسسات التعليمية التي تعاني من التسيب والمفتوحة في وجه الجميع، بسبب النقص الحاد في أعداد الكوادر الإدارية والخصاص المهول بها؛ منتقدا بشدة المذكرة الصادرة في تشرين الأول/أكتوبر 2014 بشأن القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام، مبرزا أنها ساهمت في تنامي حالات العنف بسبب تغييب الدور الزجري لمجلس الأقسام في ضبط مجموعة من التلاميذ وعقابهم، وأشار إلى أن العقوبات البديلة أبانت عن عدم جدوائيتها وكرست مظاهر إهانة المدرّسين، ذلك أن «التلاميذ لا يعتبرون تلك الأعمال عقوبة رادعة وإنما فسحة».
وعوض العقوبات القديمة متمثلة في الإنذار والتوبيخ والطرد المؤقت والطرد النهائي من الدراسة، نصت المذكرة الوزارية لعام 2014، على قرارات تأديبية جديدة من قبيل تنظيف ساحة ومرافق المؤسسة، وإنجاز أشغال البستنة، والقيام بأشغال داخل المكتبة المدرسية كالتنظيف وترتيب الكتب والمراجع، والمساعدة في الأشغال المرتبطة في تقديم خدمات المطاعم المدرسية والمساعدة في تحضير الأنشطة الرياضية، وهي القرارات التي يتم إخضاع التلاميذ لها خارج أوقات الحصص الدراسية.
من جانبها، اعتبرت «الجامعة الوطنية لموظفي التعليم» التابعة لنقابة «الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب»، أن المذكرة الصادرة في تشرين الأول/أكتوبر 2014 بشأن القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام، السبب الحقيقي وراء كل هذه المظاهر بعد أن تبين عجزها عن مواجهة بعض الانحرافات التي تعرفها المؤسسات التعليمية وأدت إلى نتائج عكسية.
وطالبت النقابة وزير التعليم الأولي والتربية الوطنية إلى إلغاء مقتضيات المذكرة واتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بحماية الكوادر التربوية والإدارية والحفاظ على حرمة المؤسسات التعليمية.
إلى ذلك، أعلنت نقابة «الفيدرالية الديمقراطية للشغل»، عن تضامنها المطلق مع جميع الكوادر التربوية والإدارية الذين تعرضوا للاعتداءات أثناء أدائهم واجبهم المهني. كما أدانت كل أشكال العنف الممارس ضد الأطر التربية، واعتباره مساسا خطيرا بحرمة المدرسة العمومية وكرامة العاملين بها. واستنكرت الصمت غير المبرر للوزارة الوصية وعدم اتخاذها الإجراءات الصارمة التي من شأنها وضع حد لهذه الاعتداءات المتكررة.
تعزيز التربية على المواطنة
في السياق ذاته، أكد «المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين» (هيئة مدنية مستقلة) أنه يتابع بقلق بالغ تكرار أحداث العنف التي تشهدها المؤسسات التربوية والإدارية والترفيهية والرياضية، بالإضافة إلى الأحياء السكنية والفضاءات العامة، مستنكراً الاعتداءات التي طالت مدرّستين في مدينتي أرفود والفقيه بن صالح، وتلميذة في صفرو، ومواطنة قامت بصفع قائد في مدينة تمارة، وغيرها من الحوادث المماثلة.
وفي بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه، دعا المرصد النيابة العامة إلى فتح تحقيقات عاجلة في جميع حالات العنف الجسدي واللفظي، ومحاسبة المتورطين وفق القانون، مشدداً على ضرورة التصدي لهذا السلوك الخطير وعدم التسامح معه، ومطالباً الفاعلين الحكوميين والسياسيين والمدنيين والأكاديميين والاجتماعيين والأسر بتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم والاختلاف الإيجابي في معالجة القضايا المجتمعية.
وأعلن المرصد عن استنكاره الشديد للاعتداء الوحشي الذي تعرضت له مدرّسة في أرفود، محذراً من تبعاته الجسدية والنفسية والاجتماعية، ومتمنياً لها الشفاء العاجل، كما نبه إلى خطورة الأحداث التي شهدتها مدينة تمارة ومحطة قطار أكدال وبعض المستشفيات، محذراً من انعكاساتها السلبية على المؤسسات الرسمية والثقة العامة فيها.
وشجب ظاهرة العنف المدرسي والجامعي، داعياً إلى اتخاذ تدابير حازمة للحد من انتشارها ومنع تحولها إلى ظاهرة مجتمعية تهدد استقرار المنظومة التربوية، ومؤكداً على ضرورة احترام حرمة المؤسسات بكل أنواعها، باعتبارها ركائز أساسية في بناء المجتمع.
وأوضح أن العنف له جذور اجتماعية واقتصادية وتربوية ونفسية، مؤكداً أنه نتيجة مباشرة لمشاكل التنشئة الاجتماعية، وداعياً إلى تحصين المجتمع المغربي عبر التربية باعتبارها المدخل الأساسي لتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية وترسيخ مبادئ المواطنة.
وطالب المرصد قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والثقافة والإعلام والطفولة والأسرة بضرورة مراجعة المناهج الدراسية وملاءمتها مع متطلبات القرن الواحد والعشرين، مشدداً على أهمية تعزيز التربية على المواطنة وأخلاق التعايش. كما جدد الدعوة إلى التفعيل الجدي للحياة المدرسية والجامعية عبر الأنشطة الموازية في الأندية التربوية والحقوقية والبيئية والترفيهية، مطالباً بتوفير كوادر متخصصة في علم النفس والاجتماع والتنشيط التربوي.
ووجه نداءً إلى المؤسسات الدستورية والقطاعات الحكومية والتنظيمات السياسية والنقابية والمدنية لتحمل مسؤولياتها في التأطير والتكوين والتوعية، مؤكداً ضرورة دعم مبادرات التربية على المواطنة وتعزيز ثقافة الحوار والسلم والتعايش. كما شدد على أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان بيئة آمنة ومستقرة، خاصة في ظل استعدادات المملكة المغربية لتنظيم تظاهرات دولية كبرى، مثل كأس الأمم الإفريقية وكأس العالم.
وجدد المرصد تضامنه مع جميع ضحايا العنف، مؤكداً أن هذه الممارسات مرفوضة في المجتمع المغربي بكل المقاييس، ومشدداً على ضرورة تضافر الجهود لمكافحتها وتعزيز القيم الإنسانية والأخلاقية لضمان مجتمع أكثر أمناً واستقراراً.
أزمة مركبة في المجتمع
وتفاعل مدونون مع ظاهرة الاعتداءات على الكوادر التربوية في المغرب. وفي هذا الصدد كتب أيوب أيت حمو تدوينة قال فيها إن الاعتداءات المتكررة على الكوادر التربوية داخل المؤسسات التعليمية، وآخرها الاعتداء على مدير ثانوية تأهيلية في إقليم خنيفرة، تعكس أزمة مركّبة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية.
وأوضح أن هذه الاعتداءات لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبحت مؤشراً على تحولات عميقة مست النظام التربوي وأثرت على السلطة الرمزية لرجل التعليم داخل المجتمع. وأشار إلى أن أحد العوامل الرئيسية وراء تفشي هذه الظاهرة هو الغياب المقلق لمؤسسات التنشئة، وعلى رأسها الأسرة، التي يفترض أن تكون الحاضن الأول لتربية الأبناء، لكنها تخلت بشكل كبير عن مسؤولياتها في ضبط سلوكهم، مما جعلهم أكثر عرضة للسلوكيات العنيفة داخل المدرسة.
وأكد أيت حمو أن من منظور نفسي، تتشكل دوافع العنف لدى التلاميذ نتيجة تفاعل عدة عوامل، أبرزها الشعور بالإحباط الناجم عن التعثر الدراسي، وضعف القدرة على التحكم في الانفعالات، بالإضافة إلى تأثير التنشئة الاجتماعية التي قد تكرس العنف كوسيلة للتفاعل والتعبير. كما أشار إلى أن بعض التلاميذ يعانون من اضطرابات سلوكية تجعلهم أكثر ميلاً إلى استخدام العنف عند مواجهة مواقف التوتر، إلا أن هذه العوامل الفردية لا يمكن فصلها عن التأثير العميق لغياب التأطير الأسري، حيث لم تعد الأسرة تقوم بدورها في توجيه الأبناء نحو القيم التربوية السليمة.
وشدد صاحب التدوينة على أن المدرسة شهدت تحولات جوهرية أثرت على مكانة رجل التعليم، حيث أدى تراجع سلطته الرمزية إلى ضعف الامتثال لقواعد الانضباط المدرسي، في سياق اجتماعي يتسم بتآكل سلطة المؤسسات التقليدية. كما لفت إلى أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية تسهم في تكريس العنف، حيث يصبح العنف أحياناً وسيلة للتعبير عن الإقصاء والتهميش الاجتماعي.
واختتم أيت حمو تدوينته بالتأكيد على أن الأسرة كان يفترض أن تلعب دور الحاضن الذي يوازن بين تأثيرات الشارع والمدرسة، لكنها أصبحت في كثير من الحالات غائبة تماماً عن تتبع سلوك الأبناء، وأحياناً متواطئة مع هذه السلوكيات، مما يفاقم أزمة العنف داخل المؤسسات التعليمية.