لوس أنجليس – «القدس العربي»: بداية عام 2020 كانت النساء في هوليوود يستعدن لعام ذهبي، فلأول مرة كانت ستطلق الاستوديوهات الضخمة خمسة أفلام من أصل عشرة في دور العرض، جميعها من إخراج نساء، وهي فيلم باري جينكينز «المرأة المدهشة» 1984 وفيلم كيت شورتلاند «الأرملة السوداء» وفيلم كلوي تشاو «الأبديون» وفيلم نيكي كارو «مولان» وفيلم كافي يان «بيردس أوف بري» الذي انطلق في دور العرض العالمية في شهر فبراير/شباط.
لكن اندلاع جائحة كوفيد تسعة عشر في شهر مارس/آذار أسفر عن تأجيل إطلاق الأفلام الأربعة الأخرى، أولها كان مولان، الذي ألغي إطلاقه في شهر مارس/آذار وتأجل عدة مرات إلى أن أطلقته «ديزني» على منصتها الإلكترونية نهاية الصيف الماضي.
ذلك أيضاً كان مصير «المرأة المدهشة» الذي أطلقته شركة «وورنرز» على منصتها الالكترونية تزامناً مع إطلاقه في دور العرض العالمية، ما أسفر عن هبوط حاد في دخله في شباك التذاكر.
أما «الأبديون» و«الأرملة السوداء» فيتوقع أن يتم إطلاقهما في دور العرض لاحقاً هذا العام.
من المفارقات أن جائحة أخرى وهي الإنفلونزا الإسبانية، كانت مسؤولة عن تقليص نسبة النساء العاملات في صناعة الأفلام بداية عشرينيات القرن الماضي، وإنهاء سينما النساء آنذاك، وذلك لأن جميع الاستوديوهات المستقلة، التي كانت تملكها النساء أو تعمل فيها، أفلست بسبب الجائحة ولم تبق إلا الأستوديوهات الضخمة، التي كان يهيمن عليها الرجال وتركز على الأرباح. وبما أن أفلام النساء لم تكن تعتبر مربحة تجارياً، وكانت القضايا التي تطرحها كالاجهاض والحريات الجنسية محرمة، انخفضت نسبة كاتبات السيناريوهات من إثنين وعشرين في المئة إلى ما يقارب الصفر. وما زالت حتى يومنا هذا لا تتعدى الخمسة عشرة في المئة، رغم الإنجازات الأخيرة التي حققتها النساء بعد اندلاع حركة «أنا أيضاً» عام 2017.
لكن هذه المرة، استغلت النساء الجائحة لصالحها. فلأول مرة تصل نسبة أفلام المخرجات النساء «إلى ستة عشرة في المئة، ولأول مرة ترشح مخرجتان لأوسكار أفضل إخراج وهما الصينية كولي تشاو والبريطانية ايميريل فانيل، وتفوز ثلاث نساء بجوائز: تشاو عن إخراج وإنتاج فيلم «نومادلان» ودانا ماري عن إنتاج فيلم الرسوم المتحركة «سول» وايميرالد فينيل عن كتابة سيناريو «امرأة شابة واعدة».
قضايا نسائية من منظور نسائي
غالبية أفلام النساء، التي طرحت عام 2020 عالجت قضايا نسائية من منظور نسائي كالاغتصاب في «امرأة شابة واعدة» والتحرش الجنسي في «المساعدة،» والحمل في فيلم «دائماً في بعض الأوقات، وليس أبداً قط» والاجهاض في «أجزاء امرأة» والسحاقيات في «أمونيت» لكن بعضها سلط الضوء على قضايا إنسانية وبيئية واجتماعية، مثلما فعلت النجمة الهوليوودية روبين رايت في فيلمها «لاند» الذي يحكي قصة إمراة تترك بيتها في المدينة بعد تعرضها لمأساة، وتعزل نفسها عن البشر في الغابات، حيث تقطن في مقطورة. وسرعان ما تواجه قسوة الطبيعة وتحديات الوحدة فتشرف على الموت إلى أن ينجدها صياد محلي، وتربطهما علاقة صداقة.
وفي حديث معها أكدت لي أن غايتها كانت سبر قدرة البشر على الصمود وحاجتهم لبعضهم البعض من أجل البقاء على قيد الحياة. «هي اعتقدت أنها تعرف كيف تبقى على قيد الحياة في بيئة لا تعرفها من خلال قراءة الكتب وحسب. فهذا تحذير لمن يملك رؤية معينة ويظن أن في إمكانه فعل أمر ما، لكنك لا تريد أن تعبث مع الطبيعة بتلك الطريقة، عليك أن تعرف كيف تقوم بالأمر بشكل صحيح. وهذا هو الهدف لدخول شخصية الصياد، الذي يعلمها كيف تحترم الطبيعة وكيف تتعامل معها». «لاند» هو أول فيلم تخرجه رايت. وقد بدأت الإخراج في التلفزيون، حيث أخرجت ثماني حلقات من مسلسل نتفليكس «هاوس أوف كاردس» عام 2016. «وضع النساء تغير كثيراً» تقول رايت. «ما أقوم به اليوم كان مستحيلاً في الماضي القريب. وذلك كان أمراً غير مقبول. كان بإمكان أي رجل، كان تايلاندياً أو عربياً، أن يطرح وجهة نظره عن العالم، لكن حرمت المرأة من طرح وجهة نظرها. وهذا يقدم صورة غير صادقة عن عالمنا. لكن أصبح سهلاً للنساء صنع أفلامهن وذلك بفضل الأصوات الضخمة التي ضغطت على هوليوود وصناعة الأفلام».
أفلام الجريمة
مخرجات أخريات اخترن طرح شخصيات نسائية في أدوار كانت محصورة بالشخصيات الذكورية وذلك في أنواع أفلام تكون عادة ذكورية مثل أفلام الجريمة. أحدها فيلم جوليا هارت «أنا امرأتك» الذي تدور أحداثه في السبعينيات ويحكي قصة ربة بيت تدعى جين تضطر الى الهرب من بيتها مع رضيعها عندما تصبح هدفاً لعصابات الإجرام بعد تورط زوجها رجل العصابات بقتل زعيم عصابته، وتجد ملاذاً في بيت زميل زوجها وزوجته، إلى أن يُكتشف مخبؤها، فتتدرب على استخدام السلاح وتخوض معركة ضارية مع رجال العصابات لكي تنقذ نفسها وزوجها. «استلهمت هذه الفيلم من أفلام الجريمة في سبعينيات القرن الماضي، مثل «العراب» و«الرابط الفرنسي» و«الهروب» و«السارق».
تقول هارت عندما تحدثت معها عبر خدمة «زووم». «لكن أردت أن أقدم نساء تلك الأفلام، مثل الزوجات والحبيبات وغيرها من الشخصيات المخفية، الى الأمام وأجعلها الشخصيات الرئيسية لكي أعكس تغير الواقع الاجتماعي منذ السبعينيات.»
طرحت هارت الشخصيات النسائية في هذه الأدوار الرجولية دون التخلي عن أنوثتها، من خلال وضع رضيع في صلب الفيلم ما يعزز من تماهي المشاهد مع الأم، ويجعله يقلق على الرضيع مثلها. «النساء لها مسؤوليات لا يهتم بها الرجال. فجين تخوض معركة ضد المجرمين دون التخلي عن وظيفتها كامرأة وهي رعاية طفلها» تضيف هارت. فعلاً، فبينما تركز أفلام الجريمة الرجولية على الحركة والدموية، تسلط هارت على إنسانية شخصيتها. أنا كامرأة لا يهمني مطاردة السيارات، وإطلاق النار العشوائي في الحانات الليلية، بل يهمني أمن وسلامة شخصيتي وشعورها تجاه العنف حولها. فالمرأة هنا تحاول أن تتفادى العنف ولا ترغبه. وهمها الوحيد هو البقاء على قيد الحياة وحماية عائلتها وليس ممارسة العنف.»
لكن فيلم الجرائم الساخر «أهتم كثيراً» يطرح امرأة فاسدة لا تخشى استخدام العنف لتحقيق غايتها. في الفيلم، تؤدي البريطانية روزاموند بايك دور وصية رعاية فاسدة كدست ثروة ضخمة من خلال سرقة ممتلكات ضحاياها المسنين، تتورط مع رجل عصابات خطير عندما تسرق ممتلكات أمه. لكنها لا تستسلم وتحاربه بشراسة.
وفي حديث مع بايك، قالت لي «نحن في حاجة لطرح نساء شريرات في الأفلام، لأننا سئمنا من مشاهدة النساء في أدوار بائعات هوى وحبيبات خاضعات للرجال. الغاية هي تغيير النظرة بأن النساء ضعيفات ولا يمكنهن تحقيق أي شيء أو الدفاع عن أنفسهن دون مؤازرة الرجال». رغم التطور الهائل الذي حققته النساء خلال الأعوام الأخيرة عقب اندلاع حركة «أنا أيضاً» إلا أن الطريق لتحقيق المساواة مع الرجال في عالم الأفلام ما زالت طويلة، فرغم أن النساء تمثلن نصف تعداد العالم، كانت نسبة الأفلام الذكورية العام الماضي ثمانين في المئة، وهو ما قد يعني أن الأفلام لا تعكس الواقع، الذي ينبغي أن تكون مرآته.