مخيم الدهيشة في بيت لحم والذاكرة الفلسطينية

قمت في الاسبوع الماضي بزيارة مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين، الذي يقع في جنوب غرب مدينة بيت لحم. وكان برفقتي عدد من طلابي في الجامعة الألمانية التي اعمل بها. كما رافقنا في هذه الزيارة عدد من طلاب جامعة القدس من سكان المخيم. يضم هذا المخيم حوالي ثلاثة عشر الفا من الفلسطينيين الذين هجروا من مدنهم وقراهم عام 1948.
على باب المخيم علقت يافطة كبيرة كتب عليها كلمة سنعود. يخبرك سكان المخيم بتمسكهم بحق العودة وان اقامتهم في المخيم ما هو الا لفترة عابرة سيعودون بعدها حتما الى المدن والقرى التي اجبروا على مغادرتها اثناء نكبة 1948. يرضع اطفالهم حب الوطن مع حليب الام ويترعرعون على الأمل ويحلمون بالعودة ويصرون على تحقيق حلمهم.
مشينا في ازقة المخيم الضيقة وقرأنا ما كتب على جدران البيوت المتلاصقة، وشعرنا وكأننا موجودون في قصر ثقافي يحتوي على العديد من الأعمال الأدبية والفنية. هنا تقرأ من أشعار محمود درويش:
جردتني الحروب من الأرض وأعطتني حلماً.
انا حبة القمح التي ماتت لكي تحضر ثانية وفي موتي حياة ما.
في هذه الأرض ما يستحق الحياة.
كما تقرأ من كتابات غسان كنفاني: لن أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي. وتذكرك لوحة جدارية بروايته ‘عائد الى حيفا’. كما ترى العديد مــــن رسومات ناجي العلي.
وهناك لوحة جدارية باسماء المدن والقرى التي ينتمي اليها سكان المخيم في فلسطين التاريخية. كما تجد لوحة فنية رائعة على أحد جدران المخيم تجسد فيها امرأة جميلة الوطن فلسطين ويقدم لها رجل فلسطيني زهرة جميلة ويقول لها صباح الخير يا وطن.
كتب سكان المخيم اسماء شهدائهم على جدران بيوتهم الذين ينتمون للفصائل الفلسطينية المختلفة، وجسدوا بذلك الوحدة الوطنية. عندما تتحدث اليهم لا تعرف الى اي فصيل ينتمون او اي جهة سياسية يناصرون، وانما تتأكد من عمق انتمائهم لفلسطينيتهم وتمسكهم بحق العودة.
زرنا العديد من بيوت سكان المخيم وقد كان لحسن الاستقبال وكرم الضيافة الأثر الكبير والايجابي لدى الطلاب الألمان، حتى ان احدى طالباتي سألتني ان كنت قد شعرت اثناء اقامتي الطويلة في المانيا بمثل هذه الحفاوة وكرم الضيافة التي حظوا هم بها من سكان المخيم. وقد اجبت بالنفي واخبرتها بان إكرام الضيف هو من صفات العربي في كل ارجاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج، حتى لو نام جائعاً وقدم كل ما يملك من أجل إكرام ضيفه.
تحدثنا إلى عدد من سكان المخيم الذين يشكلون اربعة أجيال ما بين العشر سنوات والـ93 عاما. كان التفاؤل والأمل بالعودة الى موطنهم الأصلي الذي هجروا منه هو العامل المشترك لجميع الأجيال. ابو شريف، الرجل الذي بلغ من العمر 93 عاماً كان قاموساً سياسياً بكل معنى الكلمة. أبى قلبه ان يشيخ واستعصى النسيان على ذاكرته. يتحدث بقلب الشاب وعنفوانه عن فلسطين بكل مدنها وقراها وبأدق التفاصيل عن نكبة عام 1948، كما يتحدث عن تاريخ فلسطين القديم والحديث. يشعر المرء عند سماعه بانه ينهل من كتب السياسة والتاريخ والجغرافيا. دخلنا أحد البيوت البسيطة وتفاجأنا بوجود استوديو تلفزيوني بداخله يبث الأخبار والبرامج التلفزيونية المختلفة. وشعرنا بالطاقات الابداعية الكامنة عند الشباب الفلسطيني، هذه الطاقات بحاجة الى الدعم والمساندة كي تتطور ويكون بمقدورها المساهمة في تحسين الأحوال المعيشية للشعب الفلسطيني.
حبذا لو تم إنشاء صندوق دعم خاص لأبناء كل المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي كل اماكن وجودهم للمساهمة في دعم صمودهم وتطوير قدراتهم وتحسين ظروف معيشتهم. فمن المعيب لنا كفلسطينيين وعرب ان تصرف المليارات من اموالنا في اللهو والملذات او شراء الأسلحة الفتاكة ليقتل بها البعض منا البعض الآخر، بينما هناك من هو أحق بأن يقدم له الدعم والمساندة لتوفير حياة حرة كريمة.
تحية إجلال وإكبار لجمــــيع سكان مخيم الدهيشة والمخيمات الفلسطينية كلها نساءً ورجالاً شيبا و شبابا واطفالاً على ما قدموه لنا من كرم الضيافة وما جسدوه من معاني الصمود والتحدى وما لمسناه من التكاتف والتعاضد. انهم أساتذتنا في الصمود والوحدة الوطنية ورمز الأمل في حياة حرة كريمة.

‘ اكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية