مخيم عين الحلوة: حكاية عاصمة الشتات الفلسطيني والجزر الأمنية والقتال الداخلي

أشرف الهور 
حجم الخط
0

من المؤكد أن ينتهي القتال باتفاق تثبيت وقف إطلاق النار دون وضع حلول جذرية للخلافات تحيد المخيمات من ويلات الموت والنزوح، وهو ما من شأنه أن يعيد تجدد القتال.

غزة ـ «القدس العربي»: برغم إجماع الفصائل والمستويات القيادية الفلسطينية سواء في لبنان، أو في الأراضي الفلسطينية على ضرورة تحييد المخيمات الفلسطينية في لبنان من أي قتال داخلي، بعد اندلاع اشتباكات عين الحلوة الأخيرة، للابتعاد عن شبح الاشتباكات الدامية التي سادت فترة التواجد الفلسطيني في لبنان، إلا أن وجهات النظر حملت اختلافات حول طريقة الحل الجذري لهذا القتال الذي نشب بين حركة فتح وأحد التنظيمات الإسلامية، كونه كان الأعنف منذ عشرات السنين، من ناحية عدد الضحايا.

فحركة فتح التي تعتبر صاحبة القوة الأكبر في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تتبع لها تشكيلات عسكرية، علاوة على إشرافها على قوات الأمن الفلسطيني المتواجدة هناك، شعرت بحرج كبير بعد خسارتها عددا من مقاتليها وأبرزهم اللواء أبو أشرف العرموشي، قائد الأمن الوطني في لبنان، ومرافقيه الأربعة، في كمين لجماعة «جند الشام» الإسلامية، فيما أعلن عن مقتل آخرين من تلك الجماعة الإسلامية ليصل العدد الكلي إلى 11 فيما اقترب عدد الجرحى من 50 مصابا.
فالحركة التي تقود منظمة التحرير الفلسطينية، وصاحبة الحضور القوي في المخيمات، منذ نهايات سبعينات القرن الماضي، والتي قادت التصدي للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لم تقبل بأن تكون معادلة الحفاظ على أمن المخيمات على حساب عناصرها وقادتها العسكريين، فيما بدت الجماعة الإسلامية التي هاجمت أكثر من مرة مقرات فتح في عين الحلوة، لا تكترث للغة التهديدات، مستندة على ما يبدو لامتلاكها أسلحة قتال خفيفة، تمكنها من مواجهة أي هجوم يستهدف وجودها في المخيم.
وظهر ذلك جليا في تصريحات قادة فتح الذين شنوا هجوما عنيفا على تلك الجماعة الإسلامية، خاصة بعد مقتل اللواء العرموشي، وصلت لحد التهديد باقتلاعها من المخيم، واتهامها بأنها «جماعة تكفيرية» وظهر مقاتلو الحركة في لقطات مصورة وهم يتبادلون إطلاق النار والقذائف مع تلك الجماعة المسلحة، غير أن قلة التغطية الإعلامية من داخل المخيم، بسبب التوتر والقتال العنيف، لم تظهر حجم الاشتباكات العنيفة التي طالت المنازل القريبة، وأحدثت فيها خرابا، وأجبرت سكانها على النزوح والفرار.
غير أن هذا التهديد، قوبل أيضا بردود عنيفة من جماعة «جند الشام» التي يتردد أنها تملك أسلحة ومعدات عسكرية تمكنها من القتال، وهو أمر دفع بقيادات من حركة فتح، لاتهام جماعات فلسطينية أخرى، لم يسموها بالتواصل معها ودعمها.
وينقسم المخيم الذي يوصف بانه «عاصمة الشتات الفلسطيني» والبالغة مساحته 2 كيلو متر مربع، ويقطنه نحو 60 ألف لاجئ، إلى عدة حارات، مقسمة بين حركة فتح والتنظيمات الإسلامية التي تختلف معها إيديولوجيا وسياسيا.
وعسكريا تسيطر حركة فتح على حارات جبل الحليب، وطبطبا وبستان القدس والبركسات والطيرة، فيما تسيطر التنظيمات الإسلامية على اختلاف أسمائها على أحياء السكة والصفصاف وحطين والطوارئ والمنشية، ويتردد أن منطقة صفورية منقسمة بين حركة حماس وأتباع دحلان، فيما يحاط المخيم بسبعة حواجز للجيش اللبناني، تشرف على مداخله.
وفي المخيم تنقسم التنظيمات الإسلامية إلى عدة جهات وهي عصبة الأنصار، والحركة الإسلامية المجاهدة، وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وجند الشام والشباب المسلم، حيث يشارك التنظيمان الأخيران في القتال ضد حركة فتح.
وبخلاف حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لا يوجد لباقي التنظيمات الإسلامية في المخيم أي تمدد خارجه أو في المناطق الفلسطينية، كما أن الأحياء التي تخضع لإدارة التنظيمات سواء فتح أو الإسلامية، تنتشر فيها قوات مسلحة (رسمية معترف بها من الدولة اللبنانية) تتبع فتح، وأخرى على شكل مجموعات مسلحة تتبع تلك التنظيمات، وغير منخرطة في قوات الأمن الوطني.
ولا يخضع المخيم لأي إدارة أمنية من السلطات اللبنانية، وبموجب اتفاق إدارة المخيمات الموقع بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير في العام 1969 في العاصمة المصرية القاهرة، تدير الأخيرة أمور المخيم، فيما تخضع الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية لوكالة «الأونروا».
ولذلك يعتبر هذا المخيم من أصعب المخيمات الفلسطينية من ناحية التركيبة التنظيمية، كونه ينقسم إلى مربعات أمنية يصعب الدخول إليها، وسرعان ما تشهد انتشارا أمنيا عند كل حادث أمني ولو بسيط، ويصعب أيضا حسم أي معركة عسكرية لصالح فريق على الآخر، حيث تتساوى رقعة تمدد الجماعات الإسلامية رغم اختلافها وتعددها، مع الرقعة التي تسيطر عليها حركة فتح في المخيم ضيق المساحة، وظهر ذلك في اشتباكات سابقة وقعت بين حركة فتح وتنظيمات إسلامية، قتل فيها أشخاص من الطرفين، وانتهت بتدخل الفصائل بحل كان يشمل وقف إطلاق النار، بدون وضع حل شامل للخلافات.
غير أن الاشتباكات الأخيرة التي دارت بين حركة فتح وتنظيم «جند الشام» أعادت للواجهة من جديد شبح القتال الفلسطيني الداخلي، وسط تحذيرات من أن طول مدة القتال ستفتح جبهات جديدة وقتالا قد يمتد لأماكن أخرى، تضر بقضية اللاجئين الذين تؤكد جميع التنظيمات على أن وجودهم مؤقت لحين العودة إلى ديارهم التي رحلوا وهجروا عنها.

ردود الفعل

وبالعودة إلى ردود الفعل، فقد أكدت حركة فتح أنها لا تريد استمرار القتال، لكنها في ذات الوقت هددت بعدم مرور اغتيال القيادي العرموشي دون حساب، وقالت في بيان لها بعد إعلانها حالة الاستنفار، إن الهدف من تلك العملية التي استهدفت قائد الأمن الوطني، هي تدمير المخيم وإنهاء حالة اللجوء الفلسطيني، وقد اتهم مسؤولون في الحركة ومنهم مسؤول الإعلام في منطقة صيدا يوسف الزراعي، جهات بأنه لا يهمها بأن تكون هناك مساع لحل كل الاشكالات في عين الحلوة، وأنها أعطت الأمر بإطلاق النار في هذا الظرف الدقيق التي تعيشه القضية الفلسطينية.
أما أمين سر فصائل منظمة التحرير في لبنان فتحي أبو العرادات، وهو من قادة فتح، فقال معقبا على مجريات الأمور في مخيم عين الحلوة «إن جريمة اغتيال قائد قوات الأمن الوطني أبو أشرف العرموشي، وعدد من رفاقه بمخيم عين الحلوة هو استهداف للأمن والاستقرار في المخيم، والجوار اللبناني» وأكد أن تلك العملية ارتُكبت بشكل مسبق ومحضّر، وقال إن القيادي العرموشي حافظ على أمن المخيم، وساهم في تثبيت الاستقرار، ونفذ قرار القيادة الفلسطينية الموحد بأن لا تكون هناك جزر أمنية داخل المخيمات لأي مجموعة من تلك التي وصفها بـ «الإرهابية».
واتهم تلك المجموعات بأنها تريد أن تعيد الفلسطينيين في لبنان إلى المربع الأول، وتوعد المسؤول الفلسطيني بأن يتم وضع حد بشكل كامل لفكرة «الجزر الأمنية، وتثبيت الأمن، والاستقرار، وعدم السماح بالعبث بأمن مخيم عين الحلوة» وقال متوعدا «لن نسمح لهذه الفئات والمجموعات النائمة بأن تعيد نشاطها عبر القتل والإرهاب».
كما أكدت الرئاسة الفلسطينية، التي نددت بالاشتباكات، وقالت وهي تعلق على اغتيال العرموشي «ما حدث مجزرة بشعة واغتيال غادر وإرهابي للمناضلين من قوات الأمن الوطني» وشددت على أن ذلك الحادث تجاوز كل الخطوط الحمراء وهو عبث بالأمن اللبناني وأمن المخيم من قبل مجموعات وصفتها بـ«الإرهابية المتطرفة» قالت إنها «دأبت منذ سنوات على العمل لدفع المخيم لتنفيذ أجندات هدفها النيل من الاستقرار الذي يشهده» وقالت متوعدة «هذا الأمر غير مسموح به ولن يمر دون محاسبة مرتكبي هذه المجزرة».
وضمن مساعي الحل الرامية لعودة الهدوء، تلقى الرئيس محمود عباس اتصالا هاتفيا من رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، تباحثا فيه في أحداث مخيم عين الحلوة، حيث أكد الرئيس الفلسطيني على دعم ما تقوم به الحكومة والجيش اللبنانيين، حفاظا على النظام والقانون وعلى التهدئة ووقف إطلاق النار.
وفي السياق قام إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بتحركات اشتملت حسب الحركة على الاتصال بميقاتي طالبه خلالها ببذل المزيد من الجهد لتثبيت وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مجددًا، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.
كما وجه هنية بهذا الخصوص رسالة إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، عرض فيها الأوضاع في مخيم عين الحلوة، في ضوء الأحداث المؤسفة، وأجرى اتصالا آخر برئيس مجلس النواب نبيه بري، وطالبهم ببذل الجهود لإيقاف الاشتباكات الدائرة في المخيم وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، مؤكداً له حرص الحركة على الأمن والاستقرار في المخيّم والجوار، وأن تبقى المخيّمات «عناوين عودة إلى فلسطين، وأن يبقى السلاح الفلسطيني موجّهاً فقط ضد العدو الصهيوني».
وأكدت حركة حماس في بيان رسمي، استمرارها التعاون مع كل القوى والفصائل الفلسطينية والجهات المعنية في الدولة اللبنانية، بالعمل على وقف الاشتباكات وتطويق الأزمة الجارية في مخيم عين الحلوة، لـ «تفويت الفرصة على المتربصين بالوجود الفلسطيني المؤقّت في لبنان، وللحفاظ على بوصلتنا الوطنية نحو فلسطين التي نتطلع إلى العودة إليها بعيداً عن أي أجندات مشبوهة» ودعت لتغليب لغة الحوار لتقوية الجبهة الداخلية، ولتعزيز صمود الشعب الفلسطيني في لبنان حتى تحقيق العودة إلى أرض الوطن فلسطين.
كما طالب عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي خالد البطش، بوقف كل أشكال الاشتباكات ونزيف الدم في مخيم عين الحلوة، والاستجابة للجهود الوطنية المخلصة لحقن الدم الفلسطيني، ودعا كل قادة العمل الوطني والإسلامي في لبنان للعمل على وقف النار حفاظاً على الدم الفلسطيني وعلى القيم التي نشأ عليها الفلسطينيون وضحوا لأجلها في سبيل الله والوطن.
كما أكدت فصائل المقاومة الفلسطينية رفضها للأحداث المؤسفة التي تجري في مخيم عين الحلوة من اقتتال داخلي قالت إنه «يُمثل خطراً كبيراً على أمن وسلامة واستقرار الشعب الفلسطيني في المخيمات وإساءة بالغة للقضية وصورة الشعب الفلسطيني» وشددت على أن هذه الأحداث المأساوية تخدم الاحتلال وتعد جزءا من جهود أدوات الفتنة الداخلية والخارجية التي تسعى لإثارة القلاقل والخلافات في المخيمات الفلسطينية خاصة في لبنان لضرب قضية اللاجئين. ودعت أصحاب القرار بأن يتحملوا مسؤولياتهم في رأب الصدع، و«الاحتكام للغة المنطق والعقل والحوار لإنهاء الأزمة، وتكريس الجهود لتصويب البندقية باتجاه الاحتلال».
ومن المؤكد حسب التجارب السابقة، أن تنتهي حالة القتال الحالية باتفاق تثبيت وقف إطلاق النار الذي جرى خرقه خلال الأيام الماضية أكثر من مرة، لكن دون وضع حلول جذرية للخلافات، تحيد المخيمات وسكانها من ويلات الموت والنزوح، وهو ما من شأنه أن يعيد تجدد القتال من جديد، في أي لحظة، ولأي حادث بسيط، في ظل عدم التوافق الداخلي على تنظيم السلاح، وامتلاك جماعات جديدة تلك الأسلحة، بعيدا عن القوى الأمنية التابعة لمنظمة التحرير المناط بها مهمة الأمن حسب اتفاقية القاهرة عام 1969.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية