مداخل لقراءة كتاب «مجهول البيان» لمحمد مفتاح

عرفت البلاغة العربية تطوراً كبيراً منذ النواة الأولى لنشأتها في العصر الجاهلي حتى الجاحظ، ثم الدراسات البلاغية المنهجية من ابن المعتز حتى الباقلاني، ثم دراسات نقدية على أسس بلاغية من ابن طباطبا، ثم دراسات للمتأدبين من العسكرين إلى ابن سنان الخفاجي، ثم ازدهار البلاغة من عبد القاهر الجرجاني إلى جار الله الزمخشري، ثم تعقيد البلاغة وجمودها من الفخر الرازي إلى القزويني وشرّاحه. وخلال عصر الانحطاط والركود الحضاري في العالم العربي والإسلامي، كان واقع البلاغة مُشابهاً لباقي العلوم العربية والإسلامية، فتحولت الكتابات البلاغية – خاصة في المغرب ـ إلى نظم للأراجيز وشرح للمتون. ولم تتوقف البلاغة العربية عن الصيرورة عند هذا الحد، بل ظهر تيّار بلاغي جديد يُسمي مشروعه العلمي بـ«البلاغة الرحبة»، وهي بلاغة عامة تتسع لتحليل جميع الخطابات، سواء الدينية أو السياسية أو الأدبية أو الإعلامية، كما تستمد أصولها من أرسطو وبيرلمان وتتيكا وديكخو من جهة، والأسلوب العربي من جهة أخرى. وفي المقابل ظهر تيّار ينتقد هذا المدّ البلاغي، بل يعتبره جهلاً بالتراث البلاغي العربي، الذي يعدُّ أساس البلاغة المعاصرة. وسنعمل هنا على محاولة تقديم كتاب «مجهول البيان» للباحث المغربي محمد مفتاح.
ويعدّ كتاب «مجهول البيان» لمحمد مفتاح من الكتب المهمة في البلاغة المعاصرة في العالم العربي عامة، والمغرب خاصة، ذلك أن صاحبه من أبرز النقاد المعاصرين الذين لامسوا البلاغة في سياق تطبيقي بعيد عن التنظير الجاف، كما أنه باحث يقرأ بأكثر اللغات حياة، أي أنه واسع الاطلاع في النقد المعاصر، والمقاربة البلاغية من بين ما اطلع عليه، وسنعمل في هذا المقام على الوقوف عند بعض مداخله، وهي: الأصول /الرؤية والمنهج/ المضامين/ المفاهيم والآليات البلاغية.

أولاًّ: الأصول:

إذا كانت الكتابة الإبداعية تتأتّى للتعبير عن المشاعر والأفكار والسمو الإنساني، وتنطلق من الواقع أو الخيال، أو هما معاً، فإن الكتابة العلمية تتأتّى من خلال دوافع ذاتية لدى الباحث، وأخرى موضوعية مرتبطة بالمعرفة قيد الاشتغال، والكتابة البلاغية من بين ذلك. ولعل الدوافع الذاتية التي كانت خلف كتاب «مجهول البيان» هي رغبة محمد مفتاح في تعميق الاطلاع على الأبحاث الأنكلوساكسونية المنجزة في موضوع الكتاب، إلى جانب صياغة فكر أصيل متحرر ينقذ الناشئة من ثقافة الذاكرة، ومستملحات السمر والمسكوكات بتعبير الكاتب. أما الدوافع الموضوعية فهي استثمار آلية التقييس لإدراك دور الاستعارة في خلق النظرية وفي تسويغها من جهة، وفي الربط بين عناصر الكون للهيمنة عليه أو العيش فيه من جهة أخرى، إلى جانب الإسهام في حلّ مسألة استعارة السياق بتعبير «وينريخ» أو النص بتعبير الكاتب. وفيما يتعلق بالمنطلقات المرجعية لهذا البحث فإنها عربية تراثية ومعاصرة، وأنجلوساكسونية وفرانكفونية، وهذا يعكس مدى اطلاع الباحث على الدراسات والأعمال المنجزة في موضوع اشتغاله.

الارتباط بمنهجية للقراءة والبحث، مسألة ضرورية للاشتغال على أي مجال معرفي، ولأجل إضاءة الطريق التي يسلكها الباحث أثناء عمله، بدءًا من التفكير في الموضوع، ومروراً بالاشتغال عليه، ووصولاً إلى نتائجه.

ثانياً: الرؤية والمنهج:

إن الارتباط بمنهجية للقراءة والبحث، مسألة ضرورية للاشتغال على أي مجال معرفي، ولأجل إضاءة الطريق التي يسلكها الباحث أثناء عمله، بدءًا من التفكير في الموضوع، ومروراً بالاشتغال عليه، ووصولاً إلى نتائجه. وبالتالي، فإن تصورات المنهج وآليات اشتغاله توضح الفكرة المركزية، وتنقل الإشكال الرئيس من الغموض إلى الوضوح. كما أنه (المنهج) وسيلة للبحث، وليس غاية تطلب لذاتها. وعلى هذا الأساس، فإن طريقة وصول محمد مفتاح إلى هدفه في كتاب «مجهول البيان» تمّت عبر التحليل ضمن بنية كلية بعد تحليل المفاهيم والاستعارة المفهومية والتعابير الاستعارية، كما عمل على تطويع المقاربات المعرفية لإثبات الترابط، واشتغل – كذلك – بالمقاربات التأويلية التي استخلص منها مقاييس يصنع بها التأويل ويسوِّغُهُ.

ثالثاً: المضامين:

بعد التقديم، تأتي الدراسة في خمسة فصول، لكل فصل مفهومه الخاص من بين المفاهيم الكبرى التي يقوم عليها البحث، وهي: التعريف – التقييس – التأطير – التأويل – التظهير. ولم يجعل الباحث للدراسة خاتمة لأنها مقترحات مقدمة، باعتبارها خطاطة أولية ينقصها التحليل الأبستيمولوجي والتأريخي الدقيقان للمؤلفات البلاغية العربية القديمة. وهذه مضامين كلِّ فصل بتركيز شديد:
الفصل الأول: تعرّض فيه الباحث للتعريف الأرسطي القديم للبلاغة والشجرة الفورفورية وتحديدها لدى المناطقة المسلمين مثل، ابن سينا وأبو حامد الغزالي، كما بيّن تأثير التعريف الأرسطي والشجرة الفورفورية في الباحثين وتوظيفهما من قبلهم قديما وحديثا. ثم أشار محمد مفتاح إلى من انتقدهما ورفضهما ودعا إلى تجاوزهما، ومنهم السيميائي ميريل وأمبرتو إيكو وراستي. ثم انتقل إلى مناقشة الرسم والبيان والكناية والمجاز المرسل، باعتبار أن التحديد الأرسطي والشجرة الفورفورية لم يرفض رفضاً تاماًّ. وفي الأخير اقترح تبني أبستيمولوجية معاصرة تبعد المفاهيم التراثية اليونانية العتيقة، وتضم مفاهيم جديدة مثل الترابط والتشعب.
الفصل الثاني: بعد تعريف التقييس، وهو قياس مفرد على مفرد، أو حدث على حدث، أو حكم على حكم أو بنية على بنية، قدّم من خلاله تباشير الثورة ضدّ أتباع أرسطو القدماء والجدد، فالقدماء هم الأصوليون، ومن المعاصرين روبرت هافمان وثاكراد. ثم دعا إلى مقاربات جديدة تعيد إلى عملية التقييس ومكونها الأساسي المماثلة دورهما في عملية بناء المعرفة أو الوهم؛ والمقاربات الجديدة التي اقترحها مفتاح هي: الاستعارة والاتجاهية والمماثلة والتفارق والتشعب.
الفصل الثالث: لمناقشة مفهوم التأطير، بيّن الباحث في هذا الفصل الثورة الجذرية المقامة ضد الأبستيمولوجية الأرسطية، من خلال الشبكة الدلالية، حيث دعت هذه الثورة نفسها بالعلم المعرفي الذي قدّم مفاهيم لتحليل الظواهر على ضوئها، بنية شاملة، من خلال تحليل الاستعارة في ضوء ما سُمّي بـ«العلم المعرفي» عند كلٍّ من جورج لايكوف ومارك دجونسون وزولتان كوفيتش. ووصل الباحث في الأخير إلى كون حدود مقاربة العلم المعرفي من خلال استعارة تربط بين أشياء العالم، واستعارة تربط بين أشياء النص واستعارة تربط بين العالمين (النص والعالم الخارجي).
الفصل الرابع: وقد خصصه لمفهوم التأويل، وتبقى مسألة هذا الأخير شائكة وشاسعة وعريقة، ذات أبعاد فلسفية وسياسية وميتافيزيقية، فاجتهد فيه لاستعراض مختلف الآراء التأويلية في تيارات التأويل الإسلامي عند كل من الشيعة والخوارج والصوفية والفلاسفة والمعتزلة، وفي التيار الأنثروبولوجي والسيميائي والتيار التفكيكي والتأويلية الفلسفية وأطروحة المقصدية والنظريات التركيبية، حتى يمكن تأليف منها مقاييس تمنح للنص معنى ودلالة؛ وهذه المقاييس هي الطبيعة البشرية والخصائص اللغوية وجنس النص والسياق وعدم التناقض، وقد سماه الكابت بـ«الضوابط التأويلية».
الفصل الخامس: ويقدم فيه محمد مفتاح مفهوم التظهير، ويربط فيه الأقوال بالأفعال، أي الانتقال من بناء التصور النظري في الفصول السابقة إلى العمل التطبيقي في هذا الفصل، تظهيراً لتلك المفاهيم التي قدّمها واقترحها سابقاً.

رابعاً: المفاهيم والآليات البلاغية:

يزودنا كتاب «مجهول البيان» لمحمد مفتاح بعدة منهجية مهمة وبحمولة مفهومية كبيرة تُسعفنا في استنطاق النصوص والظواهر المعرفية الإنسانية وتحليلها، خاصة أنه ينطلق من مجموعة من الخلفيات النظرية والاتجاهات الأبستيمولوجية التي يبني بها مشروعه النقدي، ولعل أبرز المفاهيم التي اعتمدها بشكل أساسي في هذا الكتاب هي: التعريف والتقييس والتأطير والتأويل والتظهير؛ وهي الــمُـشكّلة لعمود هذا العمل «مجهول البيان». فالقصد بالتعريف هو التعريف بالبلاغة عند أرسطو والشجرة الفرفورية، والتقييس هو قياس مفرد على مفرد أو حدث على حدث أو حكم على حكم أو بنية على بنية، والتأطير عنده هو التحليل بالإطار والوضع في سياق معرفي محدد، والتأويل هو إعطاء معنى ودلالة للظاهرة الإنسانية، والتظهير هو تظهير/ تطبيق تلك المفاهيم النظرية في نموذج نصي، مما يبين فاعلية تلك المصطلحات من عدمها. أما الطريقة التي يمكن الاستعانة بها في تحليل النصوص فهي ما اقترحه مفتاح: تظهير المفاهيم والانتقال من الأقوال إلى الأفعال بتعبيره.

٭ باحث مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية