حين يترسّم عالم فقه اللغة “الفيلولوجيا” أثر مقطع يلهج في ثنايا المكان والزمان، فإنّه ينطلق من عقر داره؛ ويسلك إليه سبلا فجاجا، وهو يتعقّبه في الظلام في كلّ أرض الله، حتّى فلك نوح في مجراها ومرساها. وأقدّر، وأنا لست من أهل الاختصاص؛ وإنّما قارئ لا أكثر ولا أقلّ، أنّ هذه حال جلّ المستشرقين أو المستعربين الذين أداروا أعمالهم على القرآن. فما يتميّز به هؤلاء إنّما هو تضلّعهم في اللغات قديمها وحديثها، وصبرهم على محنة اللفظ؛ وهم يخرجون الحيّ من الميّت، والميّت من الحيّ؛ فإذا الكلمة تجري من عصر إلى عصر، ومن معنى إلى معنى، عبر متاهات لغويّة متشعّبة الأصول والفروع؛ لتمثل في الهيئة التي أراد لها النصّ “القرآن” وارتضاها العقل. وهذه مدوّنة تتحاشاها مدوّنة التفسير الرسميّة أو الكلاسيكيّة، ولا ترضى أن تكون مفردة من مفرداتها. ولا مسوّغ لذلك سوى أنّ أصحابها ليسوا من المسلمين؛ أو هم سلكوا إلى القرآن من حيث هو “نصّ”، وإلى الإسلام من حيث هو مثله مثل الديانات الأخرى، تصوّر دينيّ للحياة.
والحقّ أنّ العلاقة بين تاريخنا والنصّ القرآني علاقة ملتبسة؛ حتّى كأنّنا تستطيع أن تتحدّث عن تاريخيْن: تاريخنا وتاريخ القرآن؛ تاريخنا الذي ما زال في مفاصل كثيرة منه يغوص في غياهب نخشى أن يفوت إمكان استرجاعها بالنصّ. ولا أعني بذلك وظيفة التّدوين؛ وإنّما الدّور التّأويليّ الذي ينهض به الكتاب بما هو يتدبّر بالقراءة، وبإعادة البناء، مفاصلَ التّاريخ وأحداثه؛ فيجعله سندا يتّكئ عليه وجودنا، حتّى لا نتهاوى إلى مهاوي النسيان والضّياع المطلقيْن. وهذا سنمنصف الوهايبيد تتهدّده الهشاشة، ما لم يتعهّده الكِتاب بالمراجعة والنقد اطّرادا، وقد يتفتّت في أيّة لحظة يستشري فيها الجهل. كما يمكن أن نتحدّث عن تاريخ الكتاب إذ يبدو كما لو أنّه يسير في مسار مواز لتاريخنا؛ فكأنّما الكتاب، بما في ذلك القرآن ومدوّنة تفسيره، يصوغ تاريخه هو لا تاريخ مجتمعه وبيئته، على نحو ما نلاحظ في كثير من مجتمعاتنا التي تزعم أنّها تحتكم إلى “النصّ” في شؤون حياتها أو هي تستلهم مقاصده.
بل نستطيع أن تتحدّث أحيانا أخرى عن تواشج مضطرب بين تاريخنا وتاريخ القرآن. وهذا اضطراب مصدره أنّ علاقة أيّة سلطة بالكتاب علاقة وطيدة؛ وهي التي تتوسّل بالكتابة وسيطا فعّالا حتّى يتسنّى لها أن تحيط بكلّ شاردة وواردة تخصّ المحكوم والشّأن العامّ إجمالا. ولنا في هذا السّياق، أن نستحضر كيف كان السّلطان يستكتب الكتّاب والشعراء والفقهاء والمؤرّخين؛ حتّى أنّ أجنحة كثيرة من مكتبتنا نشأت في حقيقة الأمر في البلاط. وأقول إنّها مضطربة لأنّه يُفترض في الكتابة أن تكون بنت المدينة، لا البادية، فإذا عضدت سلطانا؛ فيُفترض أنّها تعضد سلطانا “مدينيّا” لا حاكما بأمره، أي أن تعزّز العلاقة بين السّياسة والمدينة. لكن مفاصل كثيرة من تاريخنا السّياسيّ تَبيّن أنّها تدبير لشؤون النّاس تغلب عليه البداوة أو “العقل المتوحّش” الذي لم يروّض، وما زالت آثاره بادية إلى اليوم؛ وآخرها وعسى أن تكون الأخيرة، جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي المروّعة.
ولعلّ ما يضاعف من التباس العلاقة بين تاريخنا وتاريخ القرآن، هو أنّ كثيرا من أسلافنا ومريديهم من المعاصرين؛ يلعبون لعبة الموتى والأحياء؛ ويجرون أسلوب الكتابة في تفسيرهم بمنطق سلطة المشافهة أي سلطة النقل والحفظ والذاكرة؛ وليس بمنطق “الكتابيّة” التي تقتضي صياغة مشروطة بمقتضيات أسلوبيّة وبلاغيّة، وحتّى نحويّة، مخصوصة؛ بل تداوليّة (براغماتيّة) أي الكتابة التي لا تعني مجرّد الجمع والضمّ، وإنّما مكابدة اللغة، وما تقتضيه من تأنّ ومن مراجعة دائبة. وأمّا القطع بـ”شفويّة” القرآن والمعرفة عامّة، وإغفال البيئة الشعريّة الدينيّة “الإحيائيّة” التي ظهر فيها؛ فأمر يستدعي قدرا غير يسير من التأنّي، وقد يتعذّر من دونها أن نبحث لا في أساليب القرآن، وإنّما في شفويّته وكتابيّته و”تاريخيّته”.
يعنينا من هؤلاء المستشرقين “تفسيرهم” لبعض ما استغلق في النصّ، أو لم يستوفه التفسير الكلاسيكي حقّه. وليس في هذا ما يسوّغ الطعن عليهم؛ بذريعة أنّهم لا ينظرون إلى القرآن بعين إسلاميّة؛ وإنّما في سياق “إلهام” خاصّ بالنبي من جهة، وتفاعل مع الأحداث والملابسات الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي حفّت به وبدعوته من جهة أخرى.
ومثالهم اللاهوتي الكاثوليكي الألماني يوهان آدم مولر (1796 ـ 1838) فهو يعتبر القرآن كتابا دينيّا ينمّ عن خبرة دينيّة أصيلة وقد “اُستُقيَ من ملء فيّاض” بعبارته. ومنهم جوزيف فون همر (1774ـ 1856) وهو يعتبر أنّ الألوهة تتجلّى في عظمة لغة القرآن وهي التي كانت في تقديره عاملا حاسما في انتصار دعوة النبي. ولا يعنينا موقفهم من “الإعجاز” ولعلّه أشبه بالسرّ الذي لا يُفشى أو لا يُذاع كشفا وتحليلا؛ كما يقول أهل الفلسفة، وإنّما في الحفاظ عليه؛ بما هو سرّ فقط. إنّما تعنينا مهارتهم في إضاءة كلمات ومفردات يديرها المسلم على لسانه، دون أن يعرف محمولها؛ ولا كيف هي طفرت من سجلّ لغويّ إلى آخر؛ على نحو ما نجد عند الألماني نولدكه (1836ـ 1930) في موسوعته “تاريخ القرآن” أو عند هاملتون جيب (1895ـ 1971).
وأقتصر في السياق الذي أنا به، على بعضها مثل “التقوى”، وما أحوج المسلمين إليها اليوم حيث ترتكب فئات إسلاميّة “أصوليّة” شأنها شأن بعض الأنظمة ـ وكلّها تدّعي الاحتكام إلى القرآن ـ جرائمها ببرودة دم عجيبة. فقد تتبّع هاملتون جيب هذه الكلمة وغيرها، وبيّن؛ بحذر العالم، كيف انتقلت إلى مصطلح دينيّ؛ وهي التي كانت تعني في أصلها الجاهلي، أنّ حماية ذات الفرد من غضب المعبود؛ لا تكون إلاّ بمراضاته. وقد وردت الكلمة أوّل ما وردت في سورة “المدثر” (الآية 56): “ومَا يذكرونَ إلاّ أن يشاءَ الله هو أهلُ التقوى وأهلُ المغفرةِ” وهذا دليل على أنّها كانت تجري في استعمالات العرب اللغويّة، وربّما كانت تعني الرهبة الدينيّة. وكان أساسها في القرآن يعني الحذر من العقاب، والخوف من يوم القيامة ومن نار جهنّم، ثمّ أصبحت تعني الإجلال والبرّ بشتّى معانيهما الحافّة مثل طاعة الله إراديّا والحافز إلى أعمال الخير؛ باعتبار أنّ الذات الإلهيّة هي القوّة العليا المسيطرة في المنظور الإسلامي؛ ومصدر الخير والعطاء أو “البركات” بصيغة الجمع، إذ لم ترد قطّ بصيغة المفرد في القرآن. وقد تكون هذه القوّة المسيطرة قرين ما يسمّى في العقل العلمي اليوناني “القانون الطبيعي”. على أنّ جيب يرى أنّ الموافقة العقليّة لا تكفي، إذ يحتاج الإجلال إلى شيئين آخرين مع الرهبة: الإحساس بأنّ الله مصدر الخير والإحساس بعلاقة شخصيّة به. ولذلك يدعو القرآن من حيث هو بناء كلّيّ متجانس، إلى الذكر والتقوى والبرّ. و “البرّ هو من الأمثلة الفذّة على ما حقّقه محمّد في إعادة تقويم المصطلحات، فجذره اللغوي يدلّ في الاستعمال الدنيوي على العلاقة الأبويّة والبنويّة وما يصاحبها من نزعات الحبّ والطاعة والإخلاص”. ويضيف أنّ الإيمان الحقّ “في نظر محمّد كما هو في نظر غيره من الرسل جميعا إنّما يجد المحكّ الصادق في السجايا والأعمال… في تلك الآية العظيمة: “ليس البرّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب…” إلى آخر الآية حيث البرّ، في تقديره تاج الإيمان حين يدرك المؤمن أنّ الله شاهد أبدا؛ ويستجيب في شهوده لكلّ أفكاره وأعماله. وحاصل رأيه أنّ القرآن ليس كتابا في علم اللاهوت، وإنّما هو رؤى لقواعد النظام الكوني أو ما يسمّيه القرآنُ “الحكمة” التي يكون تطبيقها مرتبطا بأحداث محسوسة تؤكّد “أنّ هذا العمل بعينه في هذه الظروف بعينها خير، وأنّ ذاك شرّ؛ وهذا عدل وذاك ظلم”.
ولو كان في المقال فسحة، لتوسّعت أكثر في تفصيل هذه العلاقة الملتبسة؛ لكنّي أتصوّر أنّ الملاحظات التي سقتها، تيسّر الانتقال إلى الناحية التي من شأنها أن تضبط وجودنا كـ”أمّة كتاب”. وأنا أصرّ هنا على هذه “الكاف” كاف التشبيه أي هذا الخطأ الشائع عند المعاصرين والمتأتّي من الوافد اللغوي، إذ الصواب استعمال “من حيث” كأنْ نقول “من حيث نحن أمّة كتاب”، غير أنّنا للأسف لسنا كذلك. بل ينبغي أن يتحلّى المرء بقدْر من الوضوح في المواقف، حتّى إن كان صادما لبعضهم. ولعلّ أوّل شروط هذا الوضوح هو أن نكفّ عن الاعتقاد المتهافت بأنّنا “أمّة كتاب” بالمعنى الدّينيّ والعقديّ المقدَّس للكتاب. وإنّما نكون أمّة كتاب، إذا اعتبرنا أنّ هذا الإمكان وارد بعدُ، بالمعنى النقديّ المفتوح للكتاب أو ما يمكن أن نسمّيه “طراوة المعرفة”.
حقّا لا يمكن أن نكون أمّة كتاب لا زمنيٍّ ولا تاريخيٍّ؛ فهذا الاعتقاد هو الذي رسّخ إلى حدّ بعيد الانفصام بين تاريخنا وتاريخ القرآن، وربّما الكتاب عامّة.
* كاتب تونسي