مدينة القرنة جنة عدن في جنوب العراق

صادق الطائي
حجم الخط
1

القرنة مدينة عراقية ومركز قضاء تابع إدارياً إلى محافظة البصرة. تقع عند التقاء نهري دجلة والفرات وتبعد عن مدينة البصرة 74 كم شمالا. ويبلغ عدد سكانها نحو 450 ألف نسمة حسب إحصائيات عام 2014. وتعتبر القرنة واحدة من أغنى مدن العالم حيث تطفو على بحيرة من البترول، ويوجد فيها حقل نفط غربها وهو من أكبر حقول النفط في العراق ويبلغ الاحتياطي المؤكد فيه 12 مليار برميل، كما توجد شرق القرنة حقول نفط مجنون العملاقة، وفي جنوب المدينة توجد حقول ابن عمر.
كذلك تتميز مدينة القرنة بميزة أخرى وهي إحاطتها بالأهوار العملاقة، إذ يحد المدينة من الغرب هور الحمار، ومن الشرق هور الحويزة. وتوجد فيها مناطق خلابة تصلح لتكون محميات طبيعية وسياحية حيث الماء والبساتين وغابات القصب والثروة السمكية والأرياف الجميلة الواسعة.
من أهم المناطق الإدارية التابعة لقضاء القرنة الشرش، وطلحة، والنهيرات، ومزيرعة، والسويب والنصير، وحي السلام، والثغر، والنهيرات الشمالية. ويبعد مركز قضاء القرنة مسافة 40 كم عن الحدود الإيرانية، وقد أدى هذا القرب من إيران إلى تدمير هذه المدينة إبان الحرب العراقية – الإيرانية. لكنها نهضت من كبوتها ونفضت عنها رماد الحروب وعادت مدينة زاهية من جديد.

الاسم والتاريخ

يعتقد العديد من الباحثين الذين كتبوا عن القرنة العراقية أن اسمها جاء من تلاقي أو اقتران دجلة والفرات ليكونا شط العرب. ويذكر عبد الرزاق الحسني في كتابه «العراق قديما وحديثا» أن «القرنة، هي ملتقى النهرين دجلة والفرات. ولفظها من الاقتران، كالفرقة من الافتراق وكان الرومانيون يسمون محل اقتران الفراتين، في القرن الأول للميلاد دقبة أو دجبة، فقد ذكر لين في كتابه (المعضلات البابلية) نقلا عن التاريخ الطبيعي لبليني ما هذا تعريبه: وفضلا عما ذكر فإن في ما بين النهرين على ضفاف دجلة قريباً من اقترانه بالفرات موقع باسم دكبه Digba وفي القرن الثاني كان النهران يجتمعان عند مدينة أفاميه. وفي عهد ياقوت الحموي، أي في القرن الثالث عشر للميلاد كانا يجتمعان في مطارة، وقد جاء في معجم البلدان، لياقوت الحموي: مطارة أيضاً من قرى البصرة على ضفة دجلة والفرات في ملتقاهما بين المذار والبصرة».
ويضيف الحسني أسماءً أخرى لموضع التقاء دجلة والفرات عبر التاريخ فيقول: «ذكر الحاج خليفة في كتابه (جهانما) أن دجلة كانت تلتقي هي والفرات في موضع يسمى الجوازر، لأن المياه كانت تجزر هناك. فيظهر من ذلك أن محل اجتماع الفراتين تسمى بأسماء مختلفة آخرها هو القرنة، ولكن لا يعرف على وجه التحقيق الزمن الذي اكتسب فيه هذا الموضع اسمه الحالي، كما لا يعرف الزمن الذي تأسست فيه هذه القصبة».
ويذكر الشيخ فتح الله الكعبي في رسالته المكتوبة عام 1667 المعنونة «زاد المسافر ولهفة المقيم والحاضر» ازدهار مدينة القرنة عندما أصبحت عاصمة إمارة آل افراسياب في البصرة، فيذكر الكعبي أن «القرنة كانت قلعة صغيرة، فلما تولى البصرة علي باشا بن افراسياب زاد فيها، وجعلها قلعة كبيرة فسميت العلية على اسمه. وزاد في تشييدها واتقانها حسين باشا بن علي باشا وجعلها ثلاث قلاع حصينة، فلما طوي بساط آل افراسياب استرجعت هذه القلعة اسمها القديم، وهو القرنة». وكانت إمارة آل افراسياب قد دامت من عام 1596 إلى عام 1667 ونالت نوعا من الاستقلال والحكم الذاتي عبر لعبها أدوارا سياسية قائمة على توازنات القوى بين الدولة الصفوية والعثمانية.
وزار القرنة الكثير من الرحالة والكتاب الغربيين وأشاروا إلى المدينة في كتاباتهم. ومن أقدم الإشارات التي ورد فيها اسم المدينة كان ذكر الرحالة الإيطالي فيدريجي الذي زار العراق عام 1563 والذي كتب عن القرنة: «قبل الوصول إلى البصرة بيوم واحد رأينا قلعة صغيرة تسمى القرنة تقوم في نهاية الأرض حيث يلتقي دجلة بالفرات فيكونان نهرا عظيما هادرا تصب مياهه جنوبا في الخليج».
كذلك ذكرها الإيطالي كاسبارو بالبي الذي كان في طريقه إلى الهند فوصل العراق عام 1580 عن طريق البصرة. وعند وصوله إلى مدينة القرنة كتب عن الجانب الاقتصادي وتحديدا جباية الضرائب في هذه المدينة قائلا: «كانت القرنة يديرها سنجق يستوفي 25 شاهية (عملة إيرانية) عن كل مركب يمر من هناك، وشاهيتين عن كل حمل، عدا الثياب الوبرية (الأجواخ) والمخملية، إذ يطلب عن كل حمل أربع شاهيات. وكان التوقف في مدينة القرنة يوم 20 أيار/مايو 1580 وعند الوصول إلى قلعة القرنة تدفع شاهيتين عن كل سفينة، ليتم تزويدنا بورقة تشهد بأننا أدينا ما يتوجب علينا من رسوم. ولذا نستطيع المرور ويتم التوقيع على هذه الشهادة في كل مكان يتوجب علينا فيه دفع الرسوم». وينتقل بالبي بعد ذلك ليصف حصون المدينة، إذ يقول «وبعد اجتياز هذه المدينة وفي نهايتها رأينا فرعا للفرات يتحد بدجلة وقد شيد في هذا الموضع حصن كبير للحراسة يسمى سير سيز اوزاكا ويقيم فيه عدد من الجنود لملاحقة السراق».
وفي مطلع القرن السابع عشر في عام 1605دخل العراق الرحالة البرتغالي بيدرو تكسيرا الذي مر بمدينة القرنة وكتب عنها: «توجد فيها قلعة للأتراك تسمى القرنة أي نقطة الالتقاء أو الاقتران، وهي تشرف على القناتين وهنا يتحد النهران ليصبا بين شواطئ مستوية على كلا الضفتين التي يسيطر على السهول الشمالية أو الفارسية منها الزعيم العربي مبارك بن مطلب الذي يخوض الآن حربا مع السلطان التركي مدعيا بأحقيته في تلك الأراضي وأراضي البصرة».
ومن الرحالة الآخرين الذين أعطوا تفاصيل كثيرة عن القرنة في القرن السابع عشر، الفرنسي جان بابتيست تافرنييه الذي زار المدينة عام 1676 وقال عنها: «القرنة يقترن فيها الفرات بدجلة وفيها ثلاث قلاع، الأولى في ملتقى النهرين وهي أحصنها فيها، يقيم فيها ابن أمير البصرة الذي يحكمها، والثانية في جانب كلدية، والثالثة في جانب بلاد العرب. ومع انه يطالب هناك بالرسوم الجمركية بتمامها فتدفع، إلا إنهم لا يفتشون أي شخص يمر بالمدينة».
ومن أبرز الرحالة الأجانب الذين زاروا العراق وكتبوا معلومات تفصيلية عن مدينة البصرة عام1765 الألماني كارستين نيبور، الذي مر بالقرنة ووصفها في مرحلة من مراحل انحطاطها بعد زوال إمارة آل افراسياب قائلا: «القرنة تقع في الزاوية التي يتصل فيها الفرات بدجلة وهي مدينة تبدو بشكل مرز تماما، إلا إن لها من جهة البر سورًا مضاعفًا مشيدًا بطابوق الجدران المجفف في الشمس فقط. واستنادا إلى المعلومات التي توفرت لدي في البصرة فأن هذه المظاهر جميعا ليست بقديمة جدا، وقد شيدها علي باشا افراسياب، وابنه حسين باشا اللذان اتخذا من هذا الموقع قلعة حدودية ضد الأتراك والفرس. وهناك في الوقت الحاضر خمس أورطات من الانكشارية».
وأكد الرحالة الفرنسي دوبريه الذي زار العراق عام 1809 ما ذكره الرحالة السابقين عن مدينة القرنة لاسيما جغرافيتها حيث قال عنها؛ «القرنة هي المكان الذي يتصل به نهر الفرات بنهر دجلة، وإن هذه المدينة كان يطلق عليها قديما دكبة Digba عند بليني، أو هي أباميا Apamee عند بطليموس. ونجد هناك إلى اليوم حصنا وفيه قائد يعينه والي بغداد». كما تحدث دوبريه عن أهمية القرنة التجارية بقوله إن «المراكب التجارية القادمة من بغداد، تلك المراكب الطويلة العريضة الواسعة التي تحمل ألفي قنطار وتحتوي على غرفتين صغيرتين لكنهما غير مريحتين، تلك المراكب يجب أن ترسو بمدينة القرنة لإتمام معاملات الجمرك».

جنة عدن وشجرة آدم

من معالم القرنة الملفتة، شجرة قديمة معمرة، نسجت حولها الكثير من الأساطير، وقيل عنها الحكايات، ونسبت لها الكرامات. ولم يقتصر أمر هذه الشجرة على السكان المحليين في المدينة، بل تعدى الأمر إلى السياح الأجانب الذين يمرون بالمدينة ويتوافدون على مزار هذه الشجرة والتعرف عليها والتقاط الصور بجانبها. ويذكر الرحالة البريطاني سوانسن كوبر الذي زار المدينة عام 1893 وقال عنها: «المكان يثير شيئاً من المتعة، بسبب الرواية المحلية القائلة بأنه يمثل جنة عدن، ومن المؤكد أنه مكان ساحر، ويضفي على نفسه هالة من الرومانسية».
أما قنصل روسيا القيصرية في ولاية البصرة العثمانية ألكسندر أداموف فقد أشار في كتابه «ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها» الصادر عام 1912 إلى أن «القرنة لا يمكننا أن نصفها وصفاً كاملاً بدون أن نذكر الأسطورة التي تقول إنها تقع في الموضع الذي كانت تقوم به جنة أجدادنا، ولتأكيد ذلك يقوم سكان القرنة باطلاع الرحالة المحبين للاستطلاع على شجرة (إدراك الخير والشر) وهي عبارة عن شجرة طلح عربية قديمة تقوم على الضفة اليمنى لنهر دجلة».
بينما جاء في كتاب «النصرة في أخبار البصرة» الذي هو عبارة عن تقرير قدمه القاضي أحمد نوري الأنصاري إلى والي البصرة منيب باشا عام 1860 أن «في القرنة شجرة قديمة من جنس السمر مشهورة عندهم باسم البرهام ويزعم أهلها أنها من زمن آدم أب البشر، والبعض يقول إنها من زمن المسيح». وجاء في العدد الأول من «سالنامة البصرة» (جريدة الوقائع السنوية للولايات العثمانية) الصادر عام 1890 أن «القرنة فيها البرهامة القديمة المشهورة التي يأتيها الإنكليز للزيارة».
كذلك تطرق المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني إلى ذكر ما يعرف بشجرة آدم عند حديثه عن مدينة القرنة، إذ قال: «وفي القرنة آثار شجرة قديمة مشهورة عند أهلها باسم البرهام، يزعم السذج والبسطاء أنها من زمن آدم ابي البشر، ويقول آخرون أنها من زمن السيد المسيح (ع) فتراهم يشدون الخرق حولها، ويطلون بالحناء البناية المحيطة بها أملا في أن تقضى حاجاتهم. ورأينا بعض الأجانب يتبركون بهذه الشجرة أيضا، زاعمين أنها شجرة معرفة الخير والشر، فإذا مر أحدهم بها وقف إلى جانبها هنيهة وشرب ما تيسر من المرطبات أو المشروبات وانصرف».
وتظهر شجرة آدم في صور فوتوغرافية تعود إلى بداية حقبة الاحتلال البريطاني للبصرة عام 1914 محاطة بسياج دائري من الطابوق بارتفاع متر، ولأهميتها السياحية أنشئ فندق بجوارها في سبعينيات القرن الماضي، وخلال الثمانينيات جرى تأهيل موقعها. وفي عام 2005 بادرت وزارة الموارد المائية العراقية بإنشاء متنزه سياحي في موقعها.

آثار غارقة في القرنة

ذكر عالم الآثار البريطاني سيتون لويد في كتابه «آثار بلاد الرافدين» بأن «المنقّب عن الآثار والقنصل الفرنسي الفخري في الموصل بول إميل بوتا بعد ما أكمل حملة تنقيب في مدينة خورساباد الأثرية عاصمة الإمبراطورية الآشورية في عهد الملك سرجون الثاني، في منتصف القرن التاسع عشر، نقل 235 صندوقاً من التماثيل مع آثار مختلفة على قارب وطوافات متّجهة إلى البصرة. وقرب منطقة القرنة، حيث يلتقي نهر دجلة بفرع من نهر الفرات، هاجم رجال قبائل القافلة، وقلبوا محتويات الطوافات في الماء» واعتبر لويد «ما حصل يُعدُّ كارثة أثرية كبيرة».
وقد أشار لويد في مذكراته التي نشرها تحت عنوان «أسس في التراب» إلى أن « الآثار الغارقة في القرنة تكفي لافتتاح أربعة متاحف عالمية، ومن بينها 80 صندوقاً تحتوي على آثار من بابل، و68 صندوقاً وخزانة تضم منحوتات تعود إلى قصر آشوربانيبال». والغريب في أمر تلك الحادثة أن تلك الآثار ومنذ غرقها عند ملتقى الرافدين بمنطقة القرنة في 15 مارس/آذار 1855 اختفت تلك الكنوز، وفشلت كل محاولات إنقاذ الآثار الأجنبية والحكومية العراقية في العثور عليها، ما أثار الكثير من التكهنات.
بينما يذكر السير والس بدج تلك الحادثة في الجزء الأول من كتابه «رحلات إلى العراق» فيقول إن «الأكلاك المذكورة أصابتها رياح عاتية، بحيث أدى تلاطم الأمواج العالية إلى تصادمها ببعضها وغرقها، وبالتالي غاصت التماثيل الأثرية في الوحل وفقدت إلى الأبد».
إحدى محاولات البحث عن الآثار الغارقة جرت في عام 1956 بقيادة خبير فرنسي، لكن قطع العلاقات الفرنسية العراقية بعد العدوان الثلاثي على مصر أفشل المشروع. ثم جاءت بعثة يابانية في عام 1961 برئاسة العالم نامو ايكامي، وأجرت مسوحات دقيقة انطلاقاً من ملتقى دجلة والفرات ولمسافة 7 كم، لكن البعثة لم تعثر على أي قطعة أثرية رغم الجهود المضنية التي بذلتها.
ويذكر الأستاذ المؤرخ سالم الالوسي: «في مطلع سبعينيات القرن الماضي صدر مرسوم جمهوري بتعييني مديرًا عامًا للثقافة، في حينها أثيرت قضية الآثار الغارقة وأبدت البعثة الأثرية اليابانية استعدادها ووضعت كل ما تمتلك من امكانات فنية عالية ودقيقة لإنقاذ الغوارق من القطع الآثارية. وأرسل اليابانيون فريقًا علميًا متخصصًا لإجراء عمليات استكشافية بطريقة الذبذبات المغناطيسية يتم بواسطتها العثور على الأماكن والأعماق التي غرقت فها المنحوتات ومن ثم يتسنى لهم سحب الصناديق والخزانات المطمورة» ونفذت عمليات المسوح من شمال القرنة وحتى جنوبها بعدة كيلومترات، مع التركيز على 24 موقعاً محتملاً. وبعد أربعة أشهر من الجهود المضنية، وصلت أعمال البحث إلى طريق مسدود، وتسرّب اليأس إلى نفوس أعضاء الفريق الذين غادروا منطقة البحث مطلع عام 1972 بعد أن باءت عمليات البحث بالفشل أيضا.

سفينة دجلة
ورحلتها الأسطورية

في عام 1977 قدم إلى العراق عالم الأنثروبولوجيا النرويجي ثور هايردال، للعمل على واحدٍ من بحوثه حول العلاقات بين الحضارات القديمة، وكانت الفكرة الرئيسية تتمحور حول امكانية بناء سفينة بمواصفات سومرية وبالاعتماد على موارد أهوار العراق من القصب والبردي، والإبحار بها عبر الخليج العربي، وبحر عمان ثم المحيط للوصول إلى الشرق الأقصى، أو العالم الجديد.
وقد اتخذ هايردال من مدينة القرنة مقرا لبناء سفينته السومرية وأطلق عليها اسم دجلة، التي انطلق بها لاحقا من أهوار مدينة القرنة. وقد استقدم هايردال خمسة من أفضل صانعي القوارب من البردي والقصب من قبيلة آيمارا من هنود أمريكا الجنوبية، ليصنعوا وفقًا للرسومات السومرية القديمة سفينته من القصب والبردي العراقي.
ولأن هايردال كان يؤمن بأن الحضارات الإنسانية ذات جذور مشتركة ومتداخلة، لذلك اختار فريق عمله من مختلف دول العالم. فقد تَشكل طاقم سفينة دجلة من عشرة علماء إضافة إليه وهم: المستكشف نورمان بيكر من الولايات المتحدة الأمريكية، ومتسلق الجبال وخبير الحبال كارلو ماوري من إيطاليا، والطبيب يوري سنكافيج من الاتحاد السوفييتي، وعالم الآثار جيرمان كاراسكو من المكسيك، والخبير الفني نوريس بروك من الولايات المتحدة الأمريكية، والمصور المحترف تحت الماء الفنان تورو سوزوكي من اليابان، والبحار الكابتن ديتليف زولتزيك من ألمانيا، والمساعد الفني الطالب أسبيورن دامهز من الدانمارك، والمساعد الطالب هانز بوهن من النرويج، والفنان رشاد نزار سليم من العراق. وهو ابن أخ الفنان العراقي الراحل جواد سليم. وقد أنجز بناء السفينة دجلة وأبحرت وهي ترفع علم الأمم المتحدة. يقول ثور هايردال عن رحلته الأسطورية بالسفينة دجلة: «قضيتُ الجزء الأكبر من حياتي محاولًا دحض من يقول إن البحر كان عائقًا أمام البشرية والسفر والتبادل الثقافي». وقد قطعت سفينة القصب السومرية آلاف الأميال البحرية في رحلتها انطلاقا من مدينة القرنة وصولا إلى مسقط في سلطنة عمان، وبعد ثلاثة أيام وصلت إلى باكستان حيث توقفت في ميناء مدينة وادي موهانجو دارو ونزل طاقمها إلى الأرض الباكستانية للتزود بالمؤن بعد أن أثبتوا إمكانية السومريين في الوصول إلى شبه القارة الهندية عبر هذا الطريق.
بعد ثلاثة أشهر انطلقت دجلة في رحلة أخرى باتجاه أفريقيا. وعندما وصلت قرابة سواحل ميناء عدن سمع الطاقم نداءً يأمرهم بعدم التوقف في سقطرى لأن المنطقة خطرة ويجب تجنب المرور بسواحل الصومال لأن البلد في حالة حرب، وكذلك الحال في ارتيريا، الأمر الذي منع السفينة من المرور عبر مضيق باب المندب والوصول للبحر الأحمر بسبب كثافة التواجد العسكري والقطع البحرية الحربية في خضم الحرب الباردة ولعبة الصراع الدولي.
ونتيجة الإحباط من الأزمة التي واجهها فريق عمل السفينة السومرية دجلة، تم التوصل إلى إقرار إحراق السفينة قبالة مضيق باب المندب احتجاجا على التعسف الدولي الذي يجعل المجتمع الإنساني يعيش تحت وطأة الحروب المدمرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية