«ليس المكان مساحة نسكنها، إنّها مساحة تسكننا»، قد تبدو هذه العبارة سطحية، فالمكان يتجاوز ذلك الذي نسكنه أو يسكننا، فنحن بكل بساطة لم نختره، والاختيار مهمّ بالنسبة لتحديد العلاقة مع المكان، فحيثما قلنا إنّ هذا مكان نسكنه أو يسكننا تُرانا نُجبَر أحيانا على الوجود في مساحة بعيدة عنه قد تسمّى منفى، لكن مع ذلك يظل المخيال والذاكرة يحتفظان بصورة للمكان البدء، يبدو أنّ الحنين يحدّد معنى المكان، وهو المكان الأرقى الذي نسكنه على أساس التغيّر الحاصل في المساحات التي نسكنها وقد تسكننا.
الرّوائي وحكاية مدينة:
الأمكنة تنتج المعرفة بها، معرفة تتحرّك في الزّمن باحثة عن متع جمالية، وحيث تنتهي الكتابة تنبعث أصوات المكان من خلوة تسكن جرح الرّواية، إذ يتدافع الحدث من أخيلة متداولة ليقرأ في العالم سرّ الأمكنة الصّغيرة المهملة والحافرة في تاريخ التّدوين مسمّيات العالمية، وكتابات الوطن، تلك هي مدينة «القنادسة»، في صحراء الجزائر، تحفظ وجودها منذ عام 1524 حسبما وثّق محمد بن القاسم القندوسي، القابعة كنقطة خضراء وسط صفار يتراقص كما السّراب، هي الماء الجاري في «عين الدّير» و«عين أبّا مبارك» وسدّ «جرف التربة».
فزيوي حبيب الرّوائي الذي بسط كفّ المدينة المنسية على تراب الأزقّة والمداخل البهيجة، لقصر يدحض نظرية العسكرة التي تنشأ لأجلها هذه الحصون، مداخله كلها على شكل أقواس موشاة بنحوت وألوان باهتة، تدلّل على أنّ الباني لم يكن همّه الحرب بقدر ما كان مسكونا بالجمال. لمع في القنادسة نور الكهرباء قبل أن ينتشر في إفريقيا كلها، وتبقى «القنادسة» سطوة الحكاية في معنى المكان «الحنين»، «فليس المكان مساحة فحسب، إنّه حالة نفسية أيضا. ولا الشجر شجر، إنّه أضلاع الطفولة»، كما يرى محمود درويش.
تفاصيل الرّواية / خلوة الصوفي:
العلاقة بين المكان والكتابة مستمرّة في جنس الحكاية، فالرّوائي فزيوي حبيب يستقبل زوّاره في فضاء مكتبته، أي في خلوته العامرة بابن عربي والحلاج والسّنهوري وروايات ياسمينة خضرا ومليكة مقدّم وشيء من أسرار بيير رابحي. فضاء عامر أيضا بالمحبّة، منحها شكل زاوية الولي الصّالح سيدي محمد بن أبي زيّان منذ 1686، الذي وصفه معاصره محمد بن الطيّب القادري في كتابه «نشر المثاني» بأنّه «كثير التلامذة والأتباع»، ووصف «القنادسة» بأنّها: «بلاد ذات نخيل بالصّحراء على مسيرة يوم من فيجيج»، هذه المدينة، الحاضرة العلمية والكوسموبوليتانية نشأت في ظل محبّة القندوسي للبيئة، تلك المحبّة التي شعّ نورها من حياض الخلوات الزيّانية، وفيها نشأ فزيوي حبيب، فهو الصّوفي المدجّج بخلوته النّافر من مظاهر العصرنة، فلا يستعمل نقّالا ولا كومبيوترا، يكتب رواياته في سجلّ كبير بخطّ يده، فهو قريب من خشاش الأوراق ورائحتها حتى أنّ القارئ يلمس ذلك في مسارات حدث رواياته: «حكاية الأنثى التي..»، «ما تحجّر في ذاكرة الصحّاف»، من أكواخ القنادسة إلى أبراج نيويورك» و«طاحونة الطلاسم».
العلاقة بين المكان والكتابة مستمرّة في جنس الحكاية، فالرّوائي فزيوي حبيب يستقبل زوّاره في فضاء مكتبته، أي في خلوته العامرة بابن عربي والحلاج والسّنهوري وروايات ياسمينة خضرا ومليكة مقدّم وشيء من أسرار بيير رابحي.
«القنادسة» / المكان، الرّواية والفكر:
لا يُنجز المكان سوى في محلّيته، لكنّ مخياله يسكن الذاكرة عبر منجز الذوات التي نبتت في تربته، و«القنادسة»، ذلك المكان المنسي في ذاكرة العالم أنتج مجد الكولونيالية الفرنسية الاقتصادي، لكن على حساب صحّة ساكنتها، ففي رواية «من أكواخ القنادسة إلى أبراج نيويورك» يقدّم فزيوي حبيب إشكالية المنسي بما تكشفه الدلالة المقارنة في العنوان، والجامعة بين المدينة المنسية ونيويورك: «دعيني أوفّر لك لقمة عيش نظيفة لا يشوبها تراب المناجم المعفّر بدماء الآلاف من التعساء». هذه المدينة طلعت من تربتها أصوات روائية فرنكفونية عبرت إلى العالمية: مليكة مقدّم صاحبة «أدين بكل شيء للنّسيان»، ياسمينة خضرا صاحب «الملائكة تموت من جراحنا»، وفيلسوف البيئة العالمي بيير رابحي، صاحب نظرية «التقشّف السّعيد» وكتابي «مانيفستو الواحات» و«الإيكولوجيا والرّوحانيات» ورواية «حارس النّار».
يبدو أنّ القنادسة التي منحت الرّفاه لفرنسا الاستعمارية ومنحتها كتّابا عالميين، طواها ظل النّسيان، وهذا ما حاول فزيوي حبيب أن يثيره من خلال فكرة «الموت»، حيث يسكن تفاصيل الجسد لكنّه يفجّر الذاكرة، ففي الرّواية سالفة الذكر يرِد: «.. إنّ بَّا مْبَارَكْ ينادينا من أعماق جدثه»، هو المكان الذي يئنّ تحت وطأة الرّكام رغم مدده الإبداعي الكوني، فالقنادسة بدون هوامشها المنتجة للحياة لا تمثل سوى الموت الذي أنفه الباحثون عن البدايات، بدايات النص في جملة أنيقة تقول الحياة: «ماذا يريد هو الآخر، ترجم، لقد سئمت حديث الموتى»، هؤلاء الذين تَصوَّرَهم الرّوائي في شخص «أبّا مبارك» المعذّب سرديا والمنكِر ما ساهم فيه المنفيون تحت الأرض في مناجم الموت التي أحيت عروق باريس، وأبادت صدور المستعمَرين. رواية «من أكواخ القنادسة إلى ناطحات نيويورك»، رحلة الذات وهي تستكشف ما حول المدينة المنسية، لتقولها وتعيد مرآتها عاكسة لسردية الاسترجاع من خلال الهدم خارج أسوارها، أكواخ القنادسة قائمة مستمرّة، رغم هشاشتها بينما الناطحات تمثل «قبر من أجل نيويورك» بتعبير أدونيس رغم صلابتها.
«طاحونة الطلاسم» أو اللقاء المارق:
تقوم هذه الرّواية منذ بدايتها على تفجير بؤرة الحدث القائم على بعث الحقيقة، وترسم سرديا منحى الطّحن في مقطع تجلّياتي ينبع من عمق فزيوي حبيب الصّوفي، الباحث عن الحقيقة في تشكيلٍ روائيٍ لمقامات لا تني تصّاعد لتعود إلى الذّات المنهكة بصيرورة الأشياء إلى بداياتها: أنا أطحن إذا أنا موجود.. هي ذي طاحونة الطلاسم، القائمة في مركز الفهوم والمعاني، المتجلية عن فصوص الذوات والأسامي، بلسان الحال، وسيماء المقال تنادي: كل ما سأقوم بطحنه هو الحقيقة».
تفترق مسارات الرّوائي عن مسارات المغتربين عن «القنادسة»، المبدعون لسردية المنفى البعيدة عن سلالة الكتابة الدّافئة، إنّهم يتشكلون في برد الأصقاع البيضاء، فكانت كتاباتهم بردا وصقيعا يختلف عن برد «القنادسة» الدّافئ، فهو يرى عالم الفلاحة البيولوجية «بَّا رابح» أو بيير رابحي كما صار، بأنّه يمثل فصيل «الروّاد الأوائل للحرّاقة»، ويقسو عليه في الوصف، ثم ينتقل إلى الطبيبة الرّوائية «مليكة مقدّم» فيصفها بأنّها «تبتغي الشّهرة» وأن بقاءها حاضرا «تصارع الوحدة والشيخوخة»، ثم يسمّي الرّوائي ياسمينة خضرا «الابن المتحجّر»، فهل هؤلاء كانوا مواد الطاحونة الباحثة في الطحن عن الحقيقة؟ لا يتركهم الرّوائي في المنافي البيضاء الباردة بل يستعيدهم أمواتا، لتثور حول دفنهم اشكالات أنثروبو – دينية، باعتبار رابحي الذي صار مسيحيا، ياسمينة الرّجل الذي تسمّى باسم امرأة ومليكة الملحدة. تفجّر الرّواية من رفض دفنهم في المقبرة المعتادة، قبولا جماليا يكشف عن عمق الهوية التي لا تموت، باعتبارات التّغيير في القناعات، لكنّها تستمر كما الدّمغة في جسد يحمل جينات ثقافته، فالرّفض لم يكن تعبيرا عن سردية الإبعاد بقدر ما عبّر عميقا عن الرّغبة في العودة إلى الجذور، كما هو الحال في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح: «عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة..». أصبح هذا الحد السردي متلازمة قاسية تعتلج في عمق كل مغترب لتؤسّس النّهاية المرغوبة، وفزيوي حبيب لم يفعل أكثر من أنّه حقّق سرديا وحدثيا هذه العودة المشتهاة والمفقودة، ولو من خلال البصق على التابوت الحامل لجسد آيل إلى جدث، لكنّه جدث في الوطن ولو كان في «سبخة»: خذوهم إلى سبخة لاَلاَّ كَتُو ودسّوهم فيها..»، والسّبخة لا تعني التخلص من «الجثث في ظرف وجيز»، بقدر ما تحمل شراهة العطش على أساس ملوحتها، هو ذاك العطش للمكان.
العودة السّردية، إمّا تمثّل الرّغبة في عمق كل مغترب في الانتماء للوطن، أو الرّغبة في عمق السّارد المشتاقة لعودة الأسماء الكبيرة إلى حضن المكان البدء لتسبغ عليه هالات العالمية، وهو ما تؤكده الرّواية في قول «بَّا يحيى»: «الله، الله، اللحم عندما يخنز (ينتن) ما يطيقه إلا أهله»، وليس خاف في الدلالة معنى القبول، كما أنّ الرّواية تعيد لهم هويّتهم المسلوبة باعتبارهم قندوسيين (نسبة إلى القنادسة) ومسلمين عرب، وهو ما يحقّق البعد الحنيني في العلاقة مع المكان.
٭ كاتب جزائري