مدينة المسيب العراقية عروس الفرات الأوسط

صادق الطائي
حجم الخط
2

المسيب تعد أول المدن التي يمر بها المسافر المتجه من بغداد جنوبا إلى مدن الفرات الأوسط، فهي مركز قضاء تابع لمحافظة بابل، يمر فيها نهر الفرات فيقسمها إلى شطرين يربط بينهما جسر، ربما يعد أشهر جسور العراق لكثرة ما تردد اسمه في الأغاني العراقية والعربية، فمن لم يسمع بأغنية «على جسر المسيب سيبوني».
يسكن قضاء المسيب حوالي 330 ألف نسمة بحسب تقديرات عام 2011 وتتبعه إداريا عدة نواحي ومنها، ناحية المسيب وهي تمثل مركز القضاء، وناحية الإسكندرية، وناحية سدة الهندية، وناحية الحصوة وناحية جرف النصر. والمدينة تشتهر تاريخيا بانها محطة وسطى على طريق زيارة ضريح الإمام الحسين بن علي (ع) لذلك مثلت محطة ومستراحا ومكانا لتقديم الخدمات للزوار المتجهين لزيارة مدينة كربلاء في مواسم الزيارات الدينية.
ومدينة المسيب تعد زراعية بامتياز نتيجة وفرة المياه وتوفر التربة الخصبة، لذلك تشتهر ببساتينها التي تنتج مختلف الفواكه والخضار. لكن للمسيب أهمية صناعية كذلك، إذ تضم ناحية الاسكندرية التابعة لقضاء المسيب عدة منشآت صناعية مثل المنشأة العامة لصناعة السيارات، والمنشأة العامة للصناعات الميكانيكية، ومنشأة حطين العامة للتصنيع الحربي التي تم تفكيكها بعد 2003.
كما يوجد فيها ثاني أكبر محطة توليد للطاقة الكهربائية في العراق، وهي محطة المسيب الحرارية التي تتكون من أربع وحدات توليدية، بطاقة إجمالية قدرها 1280 ميغاواط، وقد وفرت شركة هيتاشي اليابانية معظم معدات التوليد في هذه المحطة وقامت شركة هيونداي الكورية بانشائها عام 1983. كما تم لاحقا إضافة محطة المسيب الغازية لتوليد الكهرباء لمعالجة النقص الحاصل في الطاقة الكهربائية في العراق، وتحتوي هذه المحطة على عشر وحدات غازية وبقدرة اجمالية 400 ميغاواط.
وفي مدينة المسيب توجد الكلية التقنية التابعة لهيئة التعليم التقني، وهي إحدى كليات جامعة الفرات الأوسط التقنية وقد تم استحداثها عام 1998 وذلك لسد حاجة المجتمع لاختصاصات نوعية غير متوفرة في أقرانها من كليات الجامعات العراقية، وتهدف الكلية إلى إعداد كوادر تقنية وملاكات متقدمة بمستوى بكالوريوس تقني مؤهل أكاديمياً وعلمياً في التعامل مع التقنيات الحديثة، وتضم اختصاصين هما الاختصاص الهندسي والزراعي. كما تضم المدينة اليوم كلية الهندسة التابعة لجامعة بابل والتي تأسست عام 2014 وتضم قسمين هما هندسة السيارات وهندسة الطاقة.

الخلاف على اسمها

يشير الاستاذ أحمد زكي الأنباري في كتابه «المسيب تاريخ وحياة» أن موقع ميناء نهري بابلي كان موجودا في موقع مدينة المسيب الحالي، وتشهد بذلك بعض القنوات المندرسة والتلول التي تبعد قليلا أو كثيرا عن نقطة مركز المدينة في الوقت الحاضر. ثم يضيف الأنباري استنتاجا مفاده، «إذا أخذنا خريطة مدينة المسيب الجغرافية بحساب طوبوغرافية بابل القديمة، فأن المسيب وبحسب طوبوغرافيتها الحاضرة كانت تنتمي إلى العصر البابلي القديم ( 2000ق.م – 1600 ق.م) كمجموعة قرى تؤدي وظيفة الميناء المؤقت للسفن المحملة بالقار إلى مدينة بابل، كما تحمل بريد الملوك من بابل إلى دول ومدن أخرى».
وقد اهتمت دائرة الآثار العراقية بالمواقع الأثرية المحيطة بمدينة المسيب مثل مواقع مراد العمران، والمذبحة، وتل ابراهيم، وتلول الخريطة، وتلول الناصرية، وتل ابو عزام، وتلول الأحيمر، وتل الأسود، وتل حويش الراجح، وتل زغير، وتل سيف، وتلول الدعالج، وتل السرديب، وتل فيضة، وقد جرت عمليات تنقيب رسمية في هذه المواقع على مراحل في السنوات 1935 و 1936 و 1942 و 1943 ثم في العامين 1965 و1966.
وتجدر الإشارة إلى ان مدينة المسيب لم تذكر في كتب البلدان والرحلات المبكرة، إذ لم يذكرها ياقوت الحموي في «تاريخ البلدان» ولم يذكرها اليعقوبي في كتابه «البلدان» وكذلك لم يأت على ذكرها ابن بطوطة في كتابه الذي روى فيه تفاصيل رحلته، وذلك لأن المدينة كانت آنذاك في طور الاختفاء قبيل انبعاثها من جديد. وربما كانت أقدم أشارة لمدينة المسيب بعد العصر العباسي هي التي ذكرها الغياثي في «حوادث السنة» (834هـ) أبان صراع القبائل التركمانية مع الدولة الأليخانية للسيطرة على العراق. إذ يذكر العياشي، إن أسبان القائد العسكري من قبيلة الخروف الأسود التركمانية «قراقوينلو» قصد مدينة الحلة في تلك السنة، وكان فيها السلطان حسين الجلائري، الذي أرسل عساكره لمقابلة جيش أسبان، والتقى العسكران في المسيب، وقد انتصر عسكر حسين الجلائري، وانكسر عسكر أسبان الذي هرب إلى جهة أربل.
ولابد من تسليط الضوء على الخلاف الذي حصل وما زال حول أصل اسم المدينة بين عدد من المؤرخين والكتاب، وقد جرت عدة محاولات لربط اسم المدينة بمختلف الأشخاص الذين يحملون نفس الاسم، ومن تلك الآراء رأي مبكر كتبه عمانوئيل فتح الله عمانوئيل حين مر بالمدينة، ونشر تفاصيل رحلته عام 1911م، فقال؛ «وسميت هذه البلدة باسم المسيَّب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي بن أبي طالب (ع) وخيارهم» وأضاف توضيحا نقله عن تأريخ الطبري «وكان قد قتل يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى سنة 65 هـ في وقعة عين الوردة» لكنه يستدرك قائلاً؛ «ولكن لا نظن أنه دفن في هذا الموطن، وإنما بني له مزار فسمي المكان باسم المزار» وهذا الرأي من الآراء المنتشرة بكثرة بعد أن أخذ به كل من المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني ومحمد طاهر توفيق، وجمال بابان وغيرهم.
لكن المؤرخ العراقي الدكتور مصطفى جواد عارض نسبة المدينة إلى التابعي المسيب بن نجبة الفزاري، ورجّح أنها «سميت باسم المسيَّب أخي دبيس بن صدقة المزيدي صاحب الحلة» أما الاستاذ فؤاد جميل فقد قال عن أصل تسمية المدينة «نسترجح ولا نقطع أن المسيَّب سميت باسم المسيَّب الأمير العقيلي» وأضاف «ودولة بني عقيل تأسست في منطقة الموصل، وامتدت إلى بغداد وجنوبها حيث بليدة المسيب الحالية». بينما رأى الأستاذ عبد الحميد الدجيلي أن «البلدة حديثة التكوين لا تتعدى العصر العباسي الأخير في قدمها، وقد كونتها المواصلات بين بغداد وكربلاء لذهاب الزائرين ورجوعهم» وأضاف «أما سبب تسميتها فأعتقد أنه من جريان الماء وانسيابه، وهذا التعبير كثير الاستعمال في العراق قديماً وحديثاً».

جسر المسيب ومزاراتها الدينية

لمدينة المسيب مكانة دينية باعتبارها إحدى المدن التي تحتضن عددا من المراقد المقدسة تجعلها مزارا يتوافد عليه آلاف الزائرين سنويا، إذ تضم مرقد ولدي مسلم بن عقيل (ع) ومرقد السيد احمد بن ابراهيم المجاب، ومرقد السيد الحسين بن الحسن العرزمي. وأهم مراقد المدينة هو مرقد أولاد مسلم الذي يحظى بعناية كبيرة، ويضم هذا المزار قبري محمد وابراهيم ولدا مسلم بن عقيل بن ابي طالب (ع) ويقع في الجانب الشرقي خارج مدينة المسيب ويمتد بينهما شارع معبد بطول كيلو متر واحد فقط، وقد اتصل العمران والأبنية بين مركز المدينة والقرية المحيطة بالمرقد والمسماة أولاد مسلم.
ولابد من الإشارة إلى أن أشهر معالم المدينة، جسرها الذي ارتبط بقصة عشق تغنى بها المطربون، فقد ربط بين ضفتي مدينة المسيب جسر عائم مكون من الزوراق، وقد ذكر هذا الجسر عدد من الرحالة الغربيون الذين مروا بالمدينة منذ القرن السابع عشر حتى نهاية العصر العثماني. فقد ذكر الرحالة الألماني كارستن نيبور في رحلته عام 1765 «المسيب قرية على الفرات، لها جسر ُشيّد على العوامات».
كما قدم الصحافي والكاتب العثماني عالي بك وصفا لجسر المسيب في سنة (1883م) وقد زارها وهو في طريقه إلى كربلاء، فقال «تحركنا من خان الإسكندرية ووصلنا المسيب في ساعتين، والمسيب مركز أحد النواحي الواقعة على نهر الفرات، وهي تابعة لكربلاء، وعلى الرغم من أنها على الضفة اليسرى لنهر الفرات، إلا أنه توجد محلة تقع على الضفة الأخرى من النهر، ويوجد بين الساحلين جسر خشبي مقام على أعمدة خشبية».

جسر من الزوارق

وتذكر الخاتون، مس بيل، في أوراقها أنها مرت بالمسيب عام 1909 في طريقها للذهاب إلى كربلاء، وقد وجدت فيها جسرا من الزوارق ، قالت عنه؛ أنه «أول جسر تشرفت بعبوره على الفرات». كما ذكر الأب انستاس ماري الكرملي في وصف زيارته للمسيب وعبوره على جسرها الخشبي، فأشار في مجلته «لغة العرب» عام 1911 كان «من خطط الوالي العثماني مدحت باشا مد خط سكك حديدي يمر بالمسيب ويعبر على جسر يُركب على نهر الفرات».
وقد تغنى عدد من المطربين العراقيين والعرب، الرواد والمحدثين، بهذا الجسر الذي سيَّب الحبيب حبيبه عليه، ونذكر ممن غنوا الأغنية المعروفة «على جسر المسيب سيبوني» صديقة الملاية ويوسف عمر وناظم الغزالي من المطربين الرواد، وكذلك كاظم الساهر وماجد المهندس وحسام الرسام من المعاصرين.
وكان جسر المسيب الأول مشيدا كما ذكر الرحالة الذين مروا عليه من الخشب. وفي العهد الملكي قررت الحكومة أنشاء جسر حديدي، فابتدأ العمل به مطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم وأنجزته الشركة البريطانية بريتشوايت المحدودة «مهندسون» عام 1937 بحسب ما تشير اللوحة المعدنية المثبتة على الجسر، وافتتح الجسر الحديدي الجديد في زمن الملك غازي، وأقيمت احتفالية كبيرة في المدينة، حيث افتتح الجسر الجديد رئيس الوزراء جميل المدفعي. أما اليوم فأن جسر المسيب أصبح كونكريتيا يربط طريق بغداد بكربلاء، وقد بني في السبعينيات ونفذته شركة انشاءات يوغسلافية، وقد تعرضت مدينة المسيب وجسرها الشهير إلى ضربات الإرهاب الدامية التي أصابته بأضرار كبيرة لكن تم إعماره لاحقا لتبقى مدينة المسيب مثل طائر العنقاء تنهض من رماد حرائقها متجددة كل مرة، وتبقى أغنية «على جسر المسيب سيبوني» تصدح طربا في الذاكرة العراقية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية