تعد مدينة تلعفر من أعرق مدن العراق وأقدمها، إذ يمتد تاريخها إلى آلاف السنين حيث تشير الآثار الباقية في المدينة إلى حقب ما قبل التاريخ الآشوري. ويذكر عالم الآثار العراقي د.طارق مظلوم أن البيوت الحديثة المشيدة في مدينة تلعفر مقامة على مستوطنات قديمة ترجع عهود السكنى فيها إلى عصر استيطان إنسان العصر الحجري الحديث، أي حوالي 6000 سنة قبل الميلاد، وهناك مواقع عديدة في مدينة تلعفر تقلصت فيها السكنى لأدوار ما قبل التاريخ فقط، وأخرى تتابعت الأدوار الحضارية فيها إلى بداية الألف الثاني والأول قبل الميلاد، واستمرت حتى بعد الميلاد. ويعد موقع مدينة تلعفر اليوم أحدث المستوطنات التي استمرت فيها السكنى عبر آلاف السنين إلى يومنا الحاضر.
المدينة اليوم تمثل إداريا قضاءً تابعا لمحافظة نينوى، إذ تقع مدينة تلعفر شمال غرب العراق، فهي تبعد عن العاصمة بغداد 450 كيلومتراً شمالاً، وتقع إلى جنوب الحدود التركية بحوالي 50 كم، وشرق الحدود السورية بحوالي 60 كم. ويحد مدينة تلعفر من الشرق مدينة الموصل التي تبعد عنها حوالي 70 كم، ومن الغرب جبل سنجار، ويجري نهر دجلة شمال المدينة ويفصلها عن مدينة دهوك، وتحدها من الجنوب مدينة الحضر التاريخية.
اقتصاد تلعفر ومجتمعها
تبلغ مساحة المدينة أكثر من 4400 كم مربع، ووفق تقديرات المركز الوطني للإحصاء في وزارة التخطيط، بلغ عدد سكانها عام 2018 نحو 511 ألف نسمة، بينهم 215 ألف نسمة يسكنون مركز القضاء، و 295 ألف نسمة يتوزعون على النواحي الثلاث التابعة له (العياضية، ربيعة، زمار) وبلغ عدد المؤسسات والدوائر الحكومية في القضاء 146 دائرة حكومية. ويمثل التركمان من السنة والشيعة أغلبية سكانية في مركز القضاء، كما يتواجد العرب والكرد في نواحي وقرى قضاء تلعفر الذي تتبعه 78 قرية منها 49 قرية عربية و29 قرية كردية.
وتحوي المدينة مستشفى واحدا، وآخر قيد الإنشاء، وفيها 13 مركزا صحيا، و234 مدرسة ابتدائية و70 مدرسة ثانوية، كما تم افتتاح «جامعة تلعفر» في المدينة عام 2014 وهي تضم اليوم عددا من الكليات هي: كلية التمريض وكلية الزراعة وكلية التربية الأساسية، بالإضافة إلى معهد المعلمين والمعهد التقني. ويسعى أبناؤها بقوة إلى تحويل قضاء تلعفر إلى محافظة جديدة، لكن هذه الخطوة لاقت معارضة شديدة من الحكومات المحلية في محافظتي نينوى وصلاح الدين، على اعتبار أنها تهدف إلى زرع محافظة ذات أغلبية (شيعية/ تركمانية) في المنطقة العربية السنية ستتسبب في تمزيق وحدة الصف الوطني، وتعزز النزاعات القومية والطائفية.
وتعد تلعفر بقلعتها التاريخية من أهم مدن الجزيرة التي تربط العراق بالشام، كما مثلت محطة مهمة على الطريق التجاري الرابط بين إيران وأفغانستان ودول وسط آسيا من جهة، والشام وصولا إلى ساحل البحر المتوسط من جهة أخرى. مناخ مدينة تلعفر بارد ممطر شتاءً، حار جاف صيفاً، ومعتدل في فصلي الربيع والخريف، وتتأثر المدينة بالرياح الغربية القادمة من البحر المتوسط، وهي رياح رطبة باردة نسبياً شتاءً، أما في فصل الصيف فالجفاف هو السائد، وقد تصل درجات الحرارة فيها إلى 45 درجة مئوية.
وقد كتب جعفر التلعفري مقالا وصف فيه اقتصاد المدينة، قال فيه: «طبيعة الأرض في تلعفر سهلية منبسطة في قسمها الجنوبي، ومتموجة في القسم الشمالي يتخللها بعض التلال، وبسبب خصوبة التربة وملائمة المناخ وتوافر الأمطار الشتوية والربيعية، (إذ تتراوح معدلات سقوط الأمطار بين 150-250 ملم في القسم الشمالي من المدينة، ولا تزيد على 150 ملم في القسم الجنوبي منها، أما في منطقة الجزيرة فتتراوح كمية الأمطار بين 300-400 ملم سنوياً) لذلك غلبت على مجتمع تلعفر منذ القدم صفة المجتمع الزراعي، وباتت تطبع المدينة أفكار القرية الزراعية». ويضيف التلعفري في مقاله: «ومعظم أراضي تلعفر صالحة للزراعة لذا فقد احترف أهلها الزراعة، والمدينة تزرع شتى أنواع المحاصيل لا سيما الحبوب كالحنطة والشعير التي تعتمد على الأمطار (زراعة ديمية) إضافةً إلى زراعة القطن والرقي والبطيخ في أجزائها الغربية، إلا أنها تشتهر بالتين والرمان والزيتون، ففيها حسب إحصائية مديرية زراعة محافظة نينوى حوالي 100 ألف شجرة تين، و70 ألف شجرة رمان تعتمد على مياه عين ماء تلعفر».
كما تشتهر مدينة تلعفر، كأي مدينة زراعية، بثروتها الحيوانية القائمة على تربية قطعان الأغنام، وكذلك كانت تنتشر في قرى المدينة تربية الأبقار والجمال والبغال والحمير، وقد اشتهرت المدينة تاريخيا بتربية الخيول العربية الأصيلة، لكن اليوم تكاد تنحصر الثروة الحيوانية بالأغنام والأبقار فقط. وقد أشارت تنقيبات عن الثرة المعدنية في المدينة إلى وجود الكبريت والفوسفور والمغنيسوم بكميات اقتصادية، كما أن هناك احتمالية كبيرة لوجود البترول في قضاء تلعفر، لكن لم يتم التنقيب عنه بشكل عملي حتى الآن.
الاسم والتاريخ
يذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني وصفا لمناطق تواجد التركمان في العراق في كتابه «العراق قديما وحديثا» الطبعة الثالثة الصادرة عام 1958 ص41 فيقول: «إن لفضة الترك والتركمان تطلق اليوم على الذين يقطنون الأراضي التي تفصل المنطقة الكردية عن المنطقة العربية، وينتشرون على خط ممتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، أي من تل أعفر في لواء الموصل إلى التون كوبري وطوزخورماتو في لواء كركوك فقزلرباط فمندلي في لواء ديالى».
ويذكر المؤرخ الموصلي د.ابراهيم العلاف في مقال عن تاريخ مدينة تلعفر: «بعد أن فتح العرب المسلمون الموصل سنة 16 هـ -637 م، توجهوا نحو تلعفر وفتحوها سنة 18 هـ – 639 م، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض). وكان مروان بن محمد الذي أصبح فيما بعد واليا على الموصل، وآخر خليفة أموي، واليا على منطقة الجزيرة، ولما أصبح خليفة توجه إليها بجيش كبير للقضاء على فتنة الخوارج، وهناك من يقول إن مروان بن محمد هو من أسس قلعة تلعفر فسميت قلعة مروان. وفي العصر العباسي سميت تل أعفر أي تل التراب الذي يميل إلى السمرة» .
ويشير الاستاذان كوركيس عواد وبشير فرنسيس في كتابهما «المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة في العراق» إلى أن: «تل أعفر موضع المدينة الآشورية القديمة، واسمها الآشوري هو نمت عشتار». ومن الطريف أن اسم تلعفر ورد في التوراة، إذ يذكر عالم الآثار الإنكليزي هنري لايارد في كتابه «نينوى» الذي نشر سنة 1867 م أن تلاسار أو تلسار يمكن تعيين موضعهما في تلعفر، وأن تلاسار ذكرت في العهد القديم «التوراة» مرتين: في سفر الملوك الثاني 19: 12 وسفر إشعيا 37 : 12 والنص التوراتي هو: «لعل الأمم التي أهلكتها آبائي أنقذتها آلهتها كجوران وحاران وأبناء عادان وتلاسار».
ويبدو أن الاسم له علاقة بتل أثري في تلعفر إلى جانبه تلول أثرية كثيرة أشار لها مؤرخ تلعفر محمد يونس السيّد عبد الله السيّد وهب في كتابه «تاريخ تلّعفر قديماً وحديثاً» الصادر عام 1967. إذ يعدد في الصفحات 21-35 المواقع الأثرية في مدينة تلعفر والتي يبلغ عددها 263 موقعا بحسب الخريطة الأثرية الصادرة عن مديرية المساحة في العراق عام 1963. ومن المواقع الأثرية في تلعفر تل غرو، وتل جمال، وتل جدوع، وتل سنجار، وتل مطر، وتل دراح، وتل عواد، وتل ذيبان، وتل حبش، وتل الهوى، وتل بحري، وتل وردان.
وقد ورد ذكر مدينة تلعفر في كتابات الجغرافيين والبلدانيين العرب، ومنها قول ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» الجزء 1 ص863 في تفسير اسم المدينة: «تل أعفر، بالفاء، هكذا تقول عامة الناس، وأما خواصهم فيقولون تليعفر، وقيل إنما صفة التل الأعفر للونه، وغير بكثرة الاستعمال وطلب الخفة» ويضيف الحموي واصفا تلعفر: «هو اسم قلعة وريضة بين سنجار والموصل في وسط واد فيه نهر جار، وهي على جبل منفرد، حصينة محكمة، وفي ماء نهرها عذوبة، وبها نخل كثير يجلب رطبه إلى الموصل».
كما جاء في كتاب «المسالك والممالك» للجغرافي العربي ابن خرداذبة، طبعة ليدن 1889 ص96 وصفا للرحلة والمسافات بين مدن الجزيرة بقوله: «الطريق من بلد إلى سنجار ثم إلى قرقيسيا ذات اليسار. من بلد إلى تل أعفر خمسة فراسخ، ثم إلى سنجار سبعة فراسخ، ثم إلى عين الجبال خمسة فراسخ، ثم إلى سكير العباس على الخابور تسعة فراسخ، ثم إلى الفُدين على الخابور خمسة فراسخ، ثم إلى ماكسين على الخابور ستة فراسخ، ثم إلى قرقيسيا وهي على الفرات والخابور سبعة فراسخ».
أما الأصخري المتوفي في القرن الرابع الهجري فيذكر في كتابه «المسالك والممالك» المطبوع في ليدن 1927 ص 73: «سنجار، وبها نخيل، وليس بالجزيرة بلد به نخيل سوى سنجار، إلا أن يكون على الفرات وبهيت والأنبار وتل أعفر». كما يذكر المقدسي وهو من بلدانيي القرن الرابع الهجري في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» المطبوع في ليدن 1906 في ص 137: «وأما ديار ربيعة فقصبتها الموصل، ومن مدنها الحديثة معلناى، الحسينية، تل أعفر، سنجار، الجبال، بلد، اذرمة، يرقعد، نصيبين، دارا، كفر ثوثا، رأس العين، نمانين».
بين الاحتلال والتحرير
سقطت مدينة تلعفر بيد تنظيم الدولة «داعش» الإرهابي فجر يوم 25 حزيران/يونيو 2014 وشهدت موجة هروب جماعي لأبنائها من التركمان الشيعة خوفا من بطش التنظيم الإرهابي، وبقيت المدينة ترزح تحت حكم العصابات الإرهابية المتشددة لمدة ثلاث سنوات طوال حتى حررتها القوات المسلحة العراقية يوم 20 آب/اغسطس 2017.
عشرات آلاف من سنّة المدينة ما زالوا خائفين من العودة إلى تلعفر بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على التحرير بسبب احتمالات الملاحقة أو التهديد أو الابتزاز، أو نتيجة خسارتهم ممتلكاتهم في مدينة قدمت لـ«داعش» قادة وأمراء بارزين. كما أن لشيعة المدينة أسبابهم أيضاً في عدم العودة، هرباً من «عروض القتل الجماعي» التي كان التنظيم يتفنن في تقديمها علناً. هذا الأمر ما زال يمثل عائقا حقيقيا أمام عودة الحياة الطبيعية للمدينة، وما زال الآلاف من أبنائها يتوزعون في مخيمات اللجوء داخل العراق وخارجه، إذ نزح عشرات الآلاف من أبناء تلعفر إلى كردستان العراق وتركيا، وما تزال عدة أحياء في المدينة تنتظر فرصة مصالحة مجتمعية حقيقية لتمتد يد الإعمار لهذه المدينة المنكوبة.