الرباط ـ «القدس العربي»: منذ أيام قلائل، أسدلت مدينة تيزنيت (التي تبعد بحوالي 100 كلم عن أغادير جنوب المغرب) الستار على فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمهرجان «تيميزار للفضة»، بعدما حوّل هذه المدينة الهادئة إلى قبلة لعشاق الحلي الفضية، كما كان لسكانها موعد متجدد مع أنشطة مختلفة في المناسبة ذاتها.
الحسناوات السوسيات (نسبة إلى منطقة سوس) يشهدن على براعة الصانع التقليدي الذي يبدع أجمل وأبهى «الدمالج» (الأساور) والتيجان و«المضمات» (الأحزمة) والخواتم والخلاخيل، وغيرها من زينة النساء وحتى بعض الرجال. لا مجال لتجاوز حلي معروضة طيلة أيام المهرجان وهي تلمع وتغري، والأهم تحكي تاريخا تليدا من هذه الصناعة التقليدية التي تخصصت فيها مدينة تيزنيت، حتى لُقّبت بـ«عاصمة الفضة».
هذه المدينة الواقعة في إقليم سوس ماسة، ليست فقط مجرد أياد ماهرة في صناعة الحلي الفضية وغيرها، بل هي مدينة العلم والإبداع والفن، ففي إحدى القرى التابعة لها ولد محمد المختار السوسي، العلامة والمؤرخ والأديب والسياسي والوزير الذي عُيّن في أول حكومة مغربية، وتولّى حقيبة الأوقاف العمومية عام 1955. كما هو الحال أيضًا بالنسبة للشاعر والروائي محمد خير الدين الذي أبدع بلغة موليير. وفي الفن الأصيل أنجبت المدينة كذلك الرايس الحاج بلعيد، أيقونة الفن الأمازيغي في منطقة سوس، والذي ينسب إليه التأسيس لفن «الروايس» (جمع رايس وتعني درجة القيادة في الفرقة الموسيقية لدى أهل سوس). اسم آخر في الفقه والعلم ينتمي لهذه المدينة الساحرة، هو الحسن بن الطيفور السّموكني. كما يقف شامخا الشيخ ماء العينين الذي يوصف بكونه «إمام الصوفية وحكيم الصحراء ومحارب المستعمرين الثلاثة».
العين الرزقاء
إلى جانب عاصمة الفضة، اشتهرت هذه المدينة أيضا بلقب «العين الزرقاء» أو «العين أقديم»، والتي يقول بعض المؤرخين إنها النواة الأصلية للمدينة، بعد أن كانت مستقرا لسكانها الأوائل ومعها ظهرت مزارع تاركا التي جعلت منها واحة جذابة وجميلة.
لكن لأصل التسمية رواية واحدة مرتبطة بقصة أو أسطورة، تحكي عن امرأة اسمها زنينية وبالأمازيغية «تيزنيت»، وتضاف لها كلمة «لالة» التي تعبر عن الاحترام والتقدير، هذه السيدة حسب الرواية المتداولة أصابها عطش كاد يهلكها وهي مارة من المنطقة ورفعت أكفها تضرعا للمولى عز وجل طالبة الغفران، وجاءها الفرج استجابة لدعائها عن طريق كلب كان يرافقها، نبش في الأرض فنبع الماء وشربت حتى ارتوت وقررت الإقامة في ذلك المكان للتفرغ للعبادة والصلاة، وهو حيث دفنت بعد وفاتها. وقد يفهم من خلال هذه الرواية أن الحديث هنا عن العين الزرقاء، التي جذبت إليها الناس من أجل الارتواء والسقي.
ويعتبر موقع العين الزرقاء (مساحتها حوالي 1130 مترا مربعا) النواة الأولى لتأسيس التجمع السكاني لأيت تيزنيت بعد نزوح جماعات وقبائل وافدة من مناطق مجاورة: أيت امحمد – إداكفا – إد ضلحة ـ إدزكري. وجرى ربط منبع العين بالمجال المسقي (تاركا) عبر ما يسمى «الخطارات»، وهي قنوات مائية. كما شكل موقع العين الزرقاء كذلك مجالا لممارسة بعض العادات الخاصة بطقوس الزواج، وفق ما ورد في الموقع الرسمي لمدينة تيزنيت.
بالنسبة للتأسيس الرسمي للمدينة، تفيد بعض الموسوعات أنه جرى في عام 1882 ميلادية على إثر حركات السلطان المولى الحسن الأول بمنطقة سوس، وكان الهدف منه «صد أي توغل للأوروبيين انطلاقا من المحيط الأطلسي»، أما اختيار موقع تيزنيت فقد كانت له عدة دوافع أهمها قربها من السواحل الأطلسية التي تبعد عنها بـ 14 كلم، وأيضا تموقعها على الطريق التجاري المتجه من كلميم إلى الصويرة.
تلك البلدات الصغيرة أو التجمعات السكنية التي منها تشكلت مدينة تيزنيت، تحولت إلى أحياء في مدينة عتيقة على غرار المدن العتيقة الأخرى، ووحّدها سور طوله 7 كيلومترات وعلوه 8 أمتار واستغرق بناؤه عامين تدعمه أبراج بلغ عددها 56 برجا، فيما تفرعت الأبواب التي بنيت على طراز الهندسة المعمارية العلوية إلى ستة هي: باب آكلو وباب الخميس وباب تاركا وباب المعذر وباب أولاد جرار وباب العوينة.
الزائر إلى مدينة تيزنيت العتيقة يسترجع زيارته إلى مدينة الصويرة، عندما يجد ذلك التشابه الفريد بين أبوابهما، كما يسترجع زياراته إلى مدن عتيقة أخرى وهو يتجول في عاصمة الفضة، حيث شيدت المنازل على الطراز المغربي الأندلسي، وهي ما يصطلح عليها بـ «الرياض». بينما حملت الأحياء أسماء العائلات الأصلية وهي «إدآ وكفا» و«آيت محمد» و«إد زكري» و«إد صلحا». ومن دلالات سلطانية مدينة تيزنيت أنها تضم قصرا لممثل السلطان يعرف باسم القصر الخليفي، وساحة تعرف بـ«ساحة المشور» حيث كانت تقام المراسيم.
تاريخيا، تعد المدينة واحدة من القلاع التي شكلت قاعدة عسكرية أمامية لحماية وحدة الأراضي المغربية، وذلك عبر صدّ الأطماع الأوروبية التي كانت تهدد آنذاك سواحل أيت باعمران وطرفاية. كما أن السلطة المركزية اتخذت من تيزنيت مركزا لمراقبة تحركات قواعد الاحتلال الفرنسي في الجزائر الذي كان يحاول التسلل إلى الصحراء المغربية عبر مدينة السمارة.
ومن لحظاتها التاريخية المسجلة بمداد الجهاد والمقاومة، حلول زعيم المقاومة في الصحراء المغربية الشيخ ماء العينين بها في مستهل القرن 20، ويفيد بعض المؤرخين أن قدومه إلى تيزنيت جاء بعد أن أبلغه السلطان مولاي عبد الحفيظ بن الحسن أن من الأسلم تكتيكيا للمقاومة ورجالاتها الجلاء عن الصحراء مؤقتا، والإقامة بها حيث توفي ودفن عام 1910.
تطور المدينة يلمسه المتأمل لنتائج آخر تعداد للسكان في عام 2024، حيث ارتفع العدد الاجمالي لساكنة المجال الحضري لمدينة تيزنيت إلى 86595 نسمة مقارنةً بتعداد 2014 حيث كانت نسبة الساكنة 74699 نسمة، مما يعني زيادة تقدر بـ 11896 نسمة في عدد السكان بالمدينة على مدى العقد الماضي.
وتحرص عاصمة الفضة مثل كل المدن العتيقة، على المزاوجة بين الحداثة والأصالة، فالمعالم التاريخية تتحدث عن نفسها، كما حال المعالم العصرية، ومن ذلك المؤسسات التربوية من اعداديات وثانويات ومدارس ابتدائية، ناهيك عن المرافق العمومية مثل دار الثقافة، ومراكز سوسيوثقافية، وخزانة المختار السوسي الوسائطية وملعب المسيرة المعشوشب وقاعة مغطاة (أناروز) ومسبح ومستشفى إقليمي وقاعة سينما الباهية والمحطة الطرقية ومتحف التراث ومجمع الصناعة التقليدية وفنادق مصنفة…
تيزنيت العتيقة
التاريخ في تيزنيت يتحدث عبر أسماء وقصبات ومساجد وقصور وأسوار، توجد معلومات وافية عنها في الموقع الرسمي للمدينة، من بينها على الخصوص:
ـ قصبة أغناج: وتقع بمحاذاة العين أقديم، مساحتها 6704 مترا مربعا، وتضم خمسة أبراج مرتفعة مبينة بتقنية التراب «المدكوك». وتعدّ أقدم القصبات التاريخية في تيزنيت، وتنسب إلى القائد الحاحي محمد أغناج الذي قام بحملة على سوس بإيعاز من المولى سليمان سنة 1810م، الذي اتخذ تيزنيت آنذاك مركزا ومنطلقا لتثبيت سلطة المخزن على مجموع مناطق سوس. وشهدت هذه المعلمة استعمالات مختلفة من بينها: إيوائها السجن المدني، مركز التأهيل المهني، مرآب بلدية تيزنيت، قبل أن تتحول الآن إلى مجمع تراثي.
ـ الجامع الكبير: يقع في منطقة حي إدضلحة داخل المدينة القديمة، مساحته حوالي 2017 مترا مربعا، جدد بناءه القائد سعيد الكيلولي بعد تهدم المسجد القديم مع صومعته البسيطة الواقعة في مكان نافورة الماء الحالية فأحاطه بالجدار الخارجي وسقف منه الصف الأول. وبعد ذهاب القائد المذكور لم يتم إتمام بناء المسجد، فبقيت الصومعة بلا تبليط بما في ذلك الأخشاب البارزة. وفي سنة 1903، أضاف القائد همو التيزنيتي الصفين الثاني والثالث المواليين للقبلة، ثم جرى إصلاح الصومعة فيما بعد.
ـ القصر الخليفي يطل على ساحة المشور، متقابلا مع القصبة الكولونيالية، مساحته حوالي 4500 متر مربع، ويعدّ من بين المعالم التاريخية الأساسية في المدينة القديمة، بني نهاية القرن التاسع عشر بعد الانتهاء من بناء السور الأثري لمدينة تيزنيت، تتوزع مرافقه على ثلاثة رياضات (منازل عتيقة كبيرة) مع السكن الرئيسي وبعض البيوت والإسطبل، الكل محاط بسور.
ـ القصبة الكولونيالية الواقعة في ساحة المشور، على مساحة حوالي 8330 مترا مربعا، بنيت هذه المعلمة التاريخية سنة 1924 من طرف سلطة الحماية الفرنسية لتكون مقرا لإدارتها وكانت تدعى بيرو أعراب، تم تحولت سنة 1975 إلى مقر لمحافظة إقليم تيزنيت عند إحداثه، ثم إلى الملحقة الإدارية الأولى.
ـ ساحة المشور بحي إيدزكري في الجنوب الغربي من المدينة العتيقة، مساحتها حوالي 9860 مترا مربعا. وتعتبر من أشهر ساحات المدينة، وتطلق عادة تسمية المشور على الساحة الكبرى على باب القصر السلطاني أو القصر الخليفي. ففيها تتم جميع المراسيم التي لا يتسع لها داخل القصر، وهي ساحة انتظار جميع الأفراد والجماعات من الوفود التي تطلب مقابلة السلطان أو خليفته. وتضطلع بنفس الوظائف التي كانت تناط بنفس ساحات المدن السلطانية الأخرى كفاس ومكناس ومراكش بعد الاستقلال، وتزايدت أهمية ساحة المشور من الناحية التجارية، وكانت تنظم بها الاحتفالات المختلفة، وخاصة الفروسية وتنظيم السهرات، ثم استعملت كذلك كمحطة لتوقف الحافلات منذ السبعينات إلى سنة 2003.
ـ ساحة الكوفة: تقع في حي آيت امحمد، قرب سوق سي بلعيد، مساحتها 6000 متر مربع، وهي مرتبطة بالحي الإداري الذي أنشأته سلطة الحماية الفرنسية في مدينة تيزنيت، وكلمة (الكوفة) تحريف للكلمة الفرنسية (confis) معناها الحدود، وذلك لكون هذه الساحة والبنايات المحيطة بها كانت مركزا للإدارة المسؤولة على مراقبة حدود النفود للحماية الفرنسية في المنطقة.
ـ البيعة اليهودية، جرى تأسيسها على مساحة 130 مترا مربعا، في قلب الملاح اليهودي الأول بزنقة تافوكت بحي آيت امحمد، وكان الملاح وساكنته من اليهود خاضعين لحماية القايد محمد ومن بعده شقيقه القايد همو التزنيتي.
ـ الكنيسة الكاثوليكية: (140 مترا مربعا) وهي مرتبطة بالحي الإداري الذي أنشأته سلطة الحماية الفرنسية بمدينة تيزنيت، وتتخذه حاليا الجمعية الوطنية لقدماء المحاربين مقرا لها.
ـ السور الأثري لمدينة تيزنيت: طوله 7.5 كلم، بني من الطين والحجارة والتبن والجير على شكل قوالب مستطيلة، ويضم أبراجا كبرى كانت تستعمل للحراسة، وتقع في زوايا السور وتحمل الأسماء التالية: برج القائد مبارك، برج سيدي بوجبارة، برج غزيفن، برج القائد فكاك، برج تركين. كما توجد أبراج متوسطة وعددها 62 برجا، وهي مربعة الشكل تعلوها شرفات. علاوة على سبعة أبواب وتحمل الأسماء التالية: باب أكلو، باب العوينة، باب ايت جرار، باب المعدر، باب تاركا، باب أولي، باب الخميس.
والجدير بالذكر أن حضور تيزنيت التاريخي والعلمي والديني والثقافي والفني، له أصداء في مدن عالمية أخرى من خلال اتفاقيات التوأمة التي وقعت مع سان دوني بفرنسا، وسومرفيل بالولايات المتحدة، وإزميت في تركيا. أما أن الأصداء السياحية لا يمكن اختصارها في نشاط واحد مثل الصناعة التقليدية وخاصة الحلي الفضية، بل في كل تفاصيلها العتيقة والحديثة، ولعل وجود فنادق مصنفة خير دليل على أن للمدينة عشاقًا يقصدونها في كل مناسبة.
صناعة الفضة
مفخرة مدينة تيزنيت أنها تلقب بـ«عاصمة الفضة»، وليس في ذلك مبالغة ولا مزايدة بل هو واقع الحال في مدينة تضم عددا من الصناع ممن تخصصوا في الصياغة التقليدية للفضة، لهم أنامل تشبه أنامل الفنانين التشكيليين، يشكلون القطع إلى تحف وقطع ناطقة بالجمال تزين رأس أو يد أو أصبع أو خصر حسناء تريد الجلوس في مركز البهاء بكامل زينتها الأصيلة.
الحقيقة أن صياغة الفضة ليست مجرد حرفة تقليدية، بل هي وراثة جيل عن جيل وروح المدينة وهويتها أيضا، هي مكون أساسي من ثقافتها التي تشكلها أنامل الصانع في أجمل شكل يستقبل عاشق الأصالة والحداثة معا. فالحلي تجسيد لقرون خلت وما زالت متواصلة إلى يومنا هذا عبر أجيال تعض بالنواجد على «صنعة الأجداد» وتزيدها رونقا باجتهادات عصرية مع تلك العتيقة، مثل ترصيعها بالأحجار الكريمة لتخرج في أشكال بديعة وفريدة تجسد الموروث الثقافي والاجتماعي الأمازيغي المغربي.
وحسب إحصائيات رسمية للوزارة الوصية على قطاع الصناعة التقليدية، تساهم صناعة الفضة في تيزنيت في الاقتصاد المحلي بشكل كبير، وتقدر عائدات منتجات الفضة بأكثر من 25 مليون درهم (حوالي 2.5 مليون دولار أمريكي)، وذلك من حجم إنتاج سنوي يناهز حوالي 30 طنًّا، يتم تسويقه محليًا ودوليًّا، كما توفر فرص عمل لحوالي 3000 شخص، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه المعطيات تؤكد أن لقب عاصمة الفضة ليس مصادفة ولا محاولة للتميز، بل هو انعكاس لواقع يؤكد أن صياغة المجوهرات الفضية في تيزنيت، قطاع حيوي مكن المدينة من الرهان عليه بخصوص السياحة المحلية والأجنبية، وخلق فرص العمل.