مدينة زاخو العراقية عروس أعالي كردستان

صادق الطائي
حجم الخط
1

تقع مدينة زاخو التي تمثل مركز قضاء تابع لمحافظة دهوك في كردستان العراق، وقد تم منحها مؤخرا حق الإدارة الذاتية من حكومة إقليم كردستان، لأن قضاء زاخو يعد أحد أكبر أقضية كردستان، وهو بذلك مهيئ لان يصبح محافظة مستقلة في المستقبل. تقع المدينة جنوب غرب سهل السندي الذي يشتهر بخصوبته ومنتوجاته الزراعية المختلفة طوال فصول السنة، على بعد 400 كيلومتر شمال العاصمة بغداد، وتبعد عن مركز محافظة دهوك مسافة 53 كيلومترا، وعن مدينة الموصل مسافة 114 كيلومترا. وتمثل مدينة زاخو آخر مدينة عراقية قبيل الوصول إلى الحدود العراقية التركية إذ لا تبعد عن مخفر ابراهيم الخليل الحدودي سوى 10 كلم، كما تبعد عن الحدود العراقية السورية مسافة 25 كلم.
ويتبع قضاء زاخو إداريا ثلاث نواحي هي: ناحية رزكاري، وناحية دركار، وناحية باتيفا. وتنقسم المدينة إلى واحد وسبعين حيّاً بينها: بيمان، وزاكروس، وبيدار القديمة، وصلاح الدين، وآشتي، والنصارى. وتبلغ مساحتها حوالي 1.378 كم² ويعيش فيها قرابة 250 ألف نسمة حسب إحصاء 2010 وهم خليط من المسلمين الأكراد، والمسيحيين من طوائف مختلفة كالأرثوذكس، والكاثوليك، والأرمن، والسريان، كما يوجد بعض القرى المحيطة بالمدينة التي يعيش فيها أبناء الطائفة الإيزيدية.
بالإضافة إلى الإنتاج الزراعي وتربية الثروة الحيوانية الذي يمثل النسق الاقتصادي الرئيسي للمدينة، نجد نسبة جيدة من أبنائها يعملون في قطاع السياحة في المصايف المحيطة، وكذلك تمثل زاخو بموقعها الاستراتيجي مدينة حدودية مهمة، لذا تم إنشاء مجمع حدودي ضخم في المدينة قرب نقطة إبراهيم الخليل الحدودية، وقد وفر هذا المجمع فرص عمل كثيرة لأبناء زاخو والوافدين المقيمين فيها، إذ يلتجئ لها العديد من الباحثين عن فرص العمل من مناطق متعددة من العراق وكذلك من الدول المجاورة كسوريا وتركيا، لكن تجدر الإشارة إلى أن القرى والمصايف المحيطة بمدينة زاخو تعاني من موجة رعب منذ سنوات نتيجة القصف المتكرر للجيش التركي الذي يدعي أنه يضرب مقرات ميليشيا حزب العمال الكردستاني الموجودة في تلك المنطقة.

الجسر العباسي

يمر في المدينة نهر الخابور الذي ينحدر من تركيا فيقسمها إلى نصفين تربط بينهما عدة جسور، وربما كان أهمها جسر دلال، وذلك لمكانته التاريخية، فهو جسر حجري تاريخي بني قبل مئات السنين، ولم تحدد فترة بنائه بدقة، ويطلق عليه البعض اسم الجسر العباسي، نسبة إلى الإمارة العباسية التي حكمت أجزاء من شمال العراق بعد الغزو المغولي للعراق، وليس نسبة إلى الخلافة العباسية. ويذكر خضر العباسي في كتابه «بلدة زاخو والجسر العباسي» تاريخ هذا الجسر بقوله في ص16؛ «باشر الأمير سلطان حسين العباسي في بناء الجسر سنة (935 هـ – 1529م) فجلب العمال والمعامير الحاذقين من الموصل وبغداد، وقد استغرق بناؤه قرابة سنة ونصف، ولما اكتمل افتتحه بنفسه باحتفال عظيم حضره أمراء البلاط العباسي، ورؤساء القبائل والعمال والأشراف، والقيت القصائد في مدح الأمير سلطان حسين العباسي بالمناسبة». كما تضم المدينة عدة جسور قديمة أخرى تم ترميمها برعاية حكومة إقليم كردستان منها جسر الفاروق الذي كان يسمى قديما جسر محمد آغا. وجسر الجودي وكان اسمه قديما جسر السعدون، وهناك جسران حديديان أحدهما جسر الكورنيش القريب من مقبرة زاخو، والجسر القريب من محكمة زاخو.

الاسم وتاريخ المدينة

يذكر خطاب إسماعيل أحمد الأستاذ في قسم التاريخ، في كلية العلوم الإنسانية في جامعة زاخو، في بحثه المعنون «مدينة زاخو )الحسنية) وأطرافها في المصادر الإسلامية العربية)»: «لا يُعلم التاريخ الذي ظهر فيه اسم زاخو وتسمية المدينة بها على وجه التحديد، وذلك لعدم وجود نصوص تاريخية يمكن أن يقطع بها الشك باليقين، لذا لا غرابة أن يلجأ الباحثون إلى التحليل لمعرفة معنى كلمة زاخو ومن أين جاءت، وهل هي كردية أم لا؟».
وقد اختلف المؤرخون حول أصل تسمية مدينة زاخو، فهناك روايات مختلفة حول أصل هذا الاسم، إذ يشير البعض إلى المراجع الآرامية التي جاء ذكر اسم البلدة فيها على أنه مشتق من كلمة زاخوتا الآرامية والتي تعني النصر نسبة إلى المعركة التي وقعت بين الروم والفرس بالقرب منها والتي انتهت بانتصار الروم. وفي رواية أخرى أن التسمية تطورت من الكلمة الكردية زي خوين، أي نهر الدم نسبة إلى حادث مهم جرى في هذا الموقع واريقت فيه الدماء، وهذه الرواية قريبة من الرأي الأول ولعلها تشير إلى المعركة بين الروم والفرس. وهناك رأي ثالث يقول بأن أصلها من زي النهر وخوه ك أي المكان الملتوي والذي ينحسر فيه المياه. أما في المصادر العربية القديمة فقد ورد فيها اسم آخر للمدينة هو «الحسنية» أو «الحسينية».
ويذكر سعيد رزفان زاخويي في كتابه «زاخو الماضي والحاضر» عددا من المؤرخين والبلدانيين والرحالة ممن ذكروا مدينة زاخو، مثال ذلك أنور المائي الذي ذكر في كتابه «الأكراد في بادينان» ص 14 مدينة زاخو بقوله: «إن الكاتب الآرامي مار يوحنا قد ذكرَها في موضعين من كتابه (داسنائى) أولهما عند ذكر قرية باكرمان. حيث يقول: «باكرمان كانت قرية قريبة من زاخو وهي بلدة آزياخو بن درياخو أبن نوح، وكان آزياخو ملكا في زاخو ثم خلفه ذريته في هذا المنصب إلى عهد نيسابور حوالي 800 ق.م حيث عصى ربه فأهلكه».
بينما يذكر جمال بابان في كتابه «أصول أسماء المدن والمواقع العراقية» ص138: «أن كلمة زاخ تعني القوة والعزم في اللغة الكردية» ويضيف «أن هناك رأيا يفيد أن زاخاريوس القائد الأغريقي وأحد قادة حملة زينفون قد حط عصا الترحال أثناء التراجع في موقع بلدة زاخو، حيث وضع نواة المدينة التي سميت باسمه، ثم تطور الاسم بمرور الزمن إلى التسمية الحالية زاخو».
أما المؤرخ عبد الرزاق الحسني فيذكر في كتابه «العراق قديما وحديثا» أن «زاخو كانت من المدن العريقة في القدم، فقد دعيت بقعتها عند الكتبة الآراميين باسم بيت نوهدرا وسماها العرب بانهذرا» ويضيف الحسني «يمر منها الخابور فيتفرع منه في مدخلها فرع يقسمها إلى قسمين ثم يعود فيتصل به في نهايتها، يطل عليها جبل أجرد يسمونه بێ خێر، فيجعل لها منظرا خاصا، وتحيط بها بساتين عديدة ذات أثمار لذيذة وفواكه عديدة تجعل لها رونقاً زاهياً، هواؤها جيد جداً، وماؤها عذب نمير».
ومن المؤرخين العرب الذين ذكروا المدينة باسمها العربي الحسنية، محمد بن احمد المعروف بالمقدسي الذي انتهى من تأليف كتابه سنة (375- 985 م). ومن الجدير بالذكر أن المقدسي هو الوحيد من بين جغرافيي القرن العاشر الميلادي والذي كتب عن هذه المدينة وذكر جسرها التاريخي فقال: «الحسنية تقع على نهر يقبل من أرميه وهو الذي عليه قنطرة سنجه، والجامع وسط البلدة والنهرعلى جانبه» وقال أيضا «وكان يقال عجائب الدنيا ثلاث: منارة الاسكندرية، وقنطرة سنجه، وكنيسة الرها. وهذه القنطرة على بعد خمسة فراسخ من جبل الجودي كبيرة شاهقة متصلة بالجبل ومركبة على حجر إذا زاد عليها الماء اهتزت».
ويصف د.كاميران عبد الصمد الدوسكي في كتابه «بهدينان في أواخر العهد العثماني 1876- 1914» ص 197 مدينة زاخو في نهايات العهد العثماني بقوله: «زاخو قضاء من الدرجة الثانية، ويحده من الشمال ولايتا وان وبدليس، ومن الغرب ولاية ديار بكر، ومن الجنوب قضاء دهوك، ويقع القضاء في أقصى الشمال الغربي لولاية الموصل ويبعد عن مدينة الموصل مسافة 100كم» ثم يضيف «كانت قصبة زاخو تضم حوالي 500 بيت، و80 دكانا، و3 خانات، وحماما، ومقهى، وجامعا، ومسجدا وكنيسة ومعبدا يهوديا. وفي عام 1907 ضمت المدينة 1900 دار، و150 دكانا، و16 جامعا ومسجدا، ومكتبتين، وأربع خانات، وكنيسة، وخمسة أديرة، وبنايتين حكوميتين، وتلغراف».
أما عالم الانثروبولوجيا هنري فيلد فيذكر زاخو التي زارها في رحلة المسح الانثروبولوجي التي قام بها لمدن وقرى العراق سنة 1926 فقال: «إن طريق الكلي كان معبدا، أما نهر الخابور فيزود المدينة بكميات غير محدودة من الماء، وإن تربة الوادي الذي تقع فيه هذه المدينة خصبة وتزرع فيها الحنطة والشعير والتبغ والفواكه، وإن زاخو مشيدة على جزيرة صخرية، أما نهر الخابور الذي يأتي من أعالي المدينة فهو نهر جبلي متدفق، والمدينة مبنية على مساحة تقدر بـ400 ياردة من أرض كثيرة الحصى. وكان عدد سكان زاخو في عام 1926 حوالي 4000 نسمة من المسلمين والكلدان واليهود، وان زاخو مركز إقامة قائممقام وقضاء زاخو والمدينة نفسها تدار من قبل رئيس البلدية».

جامعة زاخو

وتعد زاخو اليوم من المدن الحديثة، ومن ضمن مظاهر الحداثة في هذه المدينة وجود جامعة زاخو التي مر على إنشائها أكثر من 15 عاما، وأسهمت في رفد سوق العمل بالكفاءات والقدرات العلمية، فهي جامعة حكومية تديرها حكومة إقليم كردستان، وقد أعلن تأسيسها باعتبارها جامعة مستقلة في تموز/يوليو 2010 إلا أن نواة تكوينها تعود إلى عام 2005 حيث وضع مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان حينذاك، الحجر الأساسي لكليتي التربية والتجارة التي كانت تتبع جامعة دهوك. ثم تم تأسيس جامعة زاخو بقرار من برلمان إقليم كردستان لمعالجة الطلب المتزايد على الدراسة الجامعية في المنطقة.
وتضم جامعة زاخو اليوم عدة كليات هي: كلية العلوم التي تحوي خمسة أقسام هي: البايولوجي، والكيمياء، والفيزياء، وعلوم الكمبيوتر، والرياضيات. وكلية الهندسة التي تضم قسمين هما: هندسة البترول، والهندسة الميكانيكية. وكلية العلوم الإنسانية التي تشتمل على ستة أقسام هي: اللغة الكردية، واللغة الإنكليزية، واللغة العربية، واللغة التركية، والتاريخ، والدراسات الإسلامية. أما الكلية الأخيرة فهي كلية التربية وتضم ثلاثة أقسام هي: التربية الرياضية، والتعليم الأساسي، وعلم النفس العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية