طرابلس ـ «القدس العربي»: مرزق الليبية، مدينة لا تقل جمالا ولا أهمية عن بقية المدن الليبية إلا أنها لم تأخد حقها من النشر والتعريف، وهي تختبأ وسط الجنوب الليبي، وتزخر بالثروات والخيرات وفيها من الآثار والكنوز ما يثبت عراقتها وقدمها وعايشت من القصص والحكايا ما يثبت صلابتها وشموخها، مدينة هجرها معظم سكانها الأصليون قسرا بعيدا عن أعين عدسات الكاميرات وأقلام الصحافة.
تقع مرزق في أقصى جنوب ليبيا وتعتبر من أقدم المدن في البلاد، حيث نشأت منذ زمن الفراعنة وقامت بجوانبها الكثير من الحضارات التي بقيت آثارها شاهدة على وجودها حتى اليوم.
ومن الناحية التاريخية فقد ساهم في بقائها حتى اليوم كونها تحتل موقعا جغرافيا هاما جدا ما جعلها موطن التقاء القوافل التجارية القادمة من أفريقيا حتى سواحل البحر المتوسط وأيضا نقطة وصل بين الغرب والشرق في شمال أفريقيا.
وقد ازدهرت الحضارة في مرزق بسبب كثرة مياهها الجوفية التي توجد في أرضها منذ آلاف السنين، ومرزق هي أصل فن المرسكاوي الذي ينتشر في مدينة بنغازي ومدينة البيضاء.
ويعود أصل تسمية المدينة حسب الروايات التي تجتمع على أن هذا الاسم له علاقة بشكل أو بآخر بالرزق، فمنها ما ذكر ان أصل التسمية ممر الرزق، لما كان يمر عليها من رزق، ومرزوقة لما يأتيها من رزق نتيجة حركة القوافل، وآخر أم الرزق لازدهار النشاط الاقتصاد المحلي بالمدينة والوافد بفعل حركة القوافل ولما حظيت به وسوقها من سمعة.
وربما يضاف إلى هذه الأسماء مريزق، لأن هناك آثارا أو تكاد لمجمع سكني في الجنوب الشرقي للمدينة القديمة يسمى مريزق، وما بين هذا وذاك آخر ما استقر عليه الاسم هو مرزق، وكثيراً ما يقال مرزق مرزوقة لأهلها ولغير أهلها، لما تفيض به من خير وتغدق به على الجميع.
موقعها الجغرافي متميز
كما أن الأهمية التي اكتسبتها مرزق تعود في الأساس إلى موقعها الجغرافي المتميز، فهي من ناحية تقع في وسط الصحراء ولها صلات مع باقي المناطق الجنوبية مثل: القطرون، وزويلة، وغات، غدامس، وسبها، ومن ناحية ثانية شكلت اتصالا مع المحطات والمراكز التجارية الأفريقية فيما وراء الصحراء مثل كانو وبرنو، برنوح ما جعل منها منطقة تجارية على غرار ما يعرف في الوقت الحاضر بالمناطق الحرة.
وقد ارتبطت مرزق بعدد من طرق القوافل الداخلية مع المناطق الليبية المجاورة إضافة لطرق القوافل التي ربطتها بالأقاليم الخارجية، ما جعلها حلقة وصل بين هذه المناطق، وأدى ذلك إلى زيادة صادرات هذه المدينة ووارداتها، وكانت الطرق الداخلية تتخذ ثلاثة مسارات.
وقد تضاربت الآراء والروايات حول تاريخ نشأة مدينة مرزق كما أشار إلى ذلك كثير من الرحالة الباحثين ويعزي ذلك إلى عدم احتفاظ المدينة بشواهد أثرية وذلك لعدم متانة في هندستها العمرانية، أو سجلات مدونة تحدد تاريخ نشأتها، على الرغم من قدم الاستيطان فيها.
وقد تمحورت معظم الآراء في أن تأسيس مدينة مرزق القديمة، التي تبدو أطلالها بارزة إلى العيان حتى الوقت الحاضر، جاء على يد أولاد محمد الذين وصلوا إلى السلطة في فزان في نهاية القرن الخامس عشر وأصبحت مرزق العاصمة السياسية لدولة أولاد محمد في عهد المنتصر بن محمد الفاسي في سنة 1577 حيث بنى قصبة مرزق، القلعة الحصينة التي اتخذها مقرا للإدارة والسكن.
وفضلا عن موقع المدينة الاستراتيجي والذي ميزها عن غيرها، إلا أنها مدينة تاريخية بامتياز حيث تحمل قلعة مرزق التي بنيت عام 1310 ميلادية، أثناء تأسيس المدينة لتكون عاصمة لدولة فزان قديما.
قلعة مرزق
تم تشييد القلعة في العام 1310 ميلادية، أثناء تأسيس المدينة لتكون مركزا للسلطان وعاصمة لدولة فزان. ولدى القلعة سور مرتفع وتحصينات خاصة بالمراقبة، وتم بناؤها من الحجارة والطين المدكوك. وتطل على قمة تل شمال غربي مدينة مرزق تقود إلى بوابتها أدراج، ومن وراء الباب يظهر البناء المربع الشكل والذي يتوسطه فناء يوجد فيه ممر يقود إلى ساحة تطل على مباني القلعة.
تعتبر قلعة مرزق أحد المعالم المميزة لعاصمة الصحراء بالجنوب الليبي لقرون عدة حيث يعود تاريخ القلعة إلى ما قبل مجيء الاستعمار التركي لفزان أي قبل عام 1550 ويرجع تأسيس الحصن مركزا لإدارة الدولة منذ عهد دولة أولاد امحمد الفاسي التي حكمت الإقليم لقرابة ثلاثة عقود ونيف وانتهت على عهد يوسف باشا القرمانلي إثر الحملة التي شنها على مرزق لاجتثاث حكم سلاطين آل امحمد في فزان عام 1813 م.
وجاور القلعة بعض المرافق مثل ساحة صلاة الجمعة وسجن المدينة والذي كان يستعمل لنفي المساجين السياسيين الذين لا ترضى عليهم الدولة العثمانية.
تعتبر القلعة من مجموعة القلاع القديمة والتي كانت ذات أهمية استراتيجية في عدد من المدن الليبية سواء الساحلية أو الصحراوية، كما تم وضع صورة لقلعة مرزق على العملة الليبية من فئة 4/1 دينار ليبي وذلك في إصدار العام 1981 والإصدارات التي تلتها. كما سكنها الطليان عند احتلالهم لليبيا واتخذوا منها مقرا لهم ومكانا للحكم.
لا تزال القلعة تحتفظ بمعالمها القديمة رغم حالة الاهمال التي تعرضت لها، وظل البناء رغم انه من الطين محافظا على البقاء والاستمرار في وجه عوامل التعرية وندوب الزمن. ولا يزال المسجد الملاصق للقلعة يحتفظ بتقاسيم زخارفه الرائعة وتصميمه المميز ومئذنته الشامخة.
وقديما كان يحيط بالمدينة سور من جميع جهاتها ويشير بعض الرحالة إلى أن ارتفاعه في المتوسط يتراوح بين 3 إلى 6 أمتار ويتسع عرضه عند الأساسات ويأخذ في الضيق حتى يصل 20 سم تقريباً في أعلاه، ويذكر أن الجهة الجنوبية أقل جهاته ارتفاعاً حيث لا يتجاوز المترين نظراً لوجود المستنقعات التي ربما كانت توفر حماية لهذا السور.
وعلى خلاف الغرب الليبي الذي يحمل عربا في معظمه إلا أن الجنوب الليبي يتميز بوجود 3 أعراق هم العرب والطوارق والتبو، وتعيش تلك الأعراق المختلفة في ظل خلاف قبلي حاد.
أكواخ قديمة
تشير إحصائيات رسمية تم توثيقها قبل 102 سنة من اليوم وهي إحصائيات حقيقية قامت بها الإدارة الإيطالية في ذلك الوقت اعتمادا على إحصائيات الدولة العثمانية التي سبقتها أن التبو الذين يستوطنون مرزق حاليا ليسوا سكانها الأصليين.
وتعود قصة مجيئهم إلى المدينة إلى سنة 1986م وتحديدا أثناء الحرب الليبية التشادية عند استيلاء ليبيا على قطاع اوزو وضمه إلى ليبيا توافد آلاف من سكان القرى في جبال تبستي شمال تشاد من قبائل التبو وما جاورهم من القبائل الأخرى من القرعان والكمجة..الخ، في عملية موجات متتابعة وما زال النزوح مستمرا إلى هذا اليوم. وتضاعف العدد بعد سنة 2011م حتى زاد عدد هؤلاء الوافدين عن عدد سكان مرزق من العائلات المذكورة، وأغلبهم لم يحصل على الجنسية الليبية حتى الآن.
في البداية استوطن التبو من الوافدين البلاد القديمة الأثرية في مرزق وهي أكواخ قديمة بنيت من الطين والحجارة بعد ان هجرها أهلها المرازقة الليبيين من العائلات الإصيلة وانتقلوا إلى الأحياء السكنية الجديدة التي قامت الدولة ببنائها لهم فترة السبعينيات، فأصبحت هذه الأكواخ خالية ليستوطنها القادمون الجدد من تبو تشاد سنة 1986م وما بعدها.
تصميم المنازل
على الرغم من اختلاف الطبقات الاجتماعية لسكان المدينة من حيث الثراء والمكانة الاجتماعية فإن البيت المرزقاوي القديم كانت وظيفته الإيوائية والاجتماعية بارزة في تصميمه. ورغم اختلاف مساحات المساكن إلا أنها تتقارب في التصميم وتتوحد في مادة البناء. ويتكون النمط التقليدي لخريطة البيت المرزقاوي من الحجرات والمرافق، ويتزايد أو يتناقص عدد الحجرات حسب الحالة الاقتصادية لحالة مالك البيت.
وتتكون بعض البيوت من طابقين أو دورين، حيث يخصص الدور العلوي لسكن أفراد الأسرة والدور الأرضي سكنا للرقيق ومخزناً للبضائع والمرافق الأخرى. أما أغلب البيوت فتتكون من طابق واحد. وتتميز مساكن الطبقة الفقيرة ببساطة بنائها حيث تتسم أبوابها بمحدودية الارتفاع وقلة منافذ دخول الضوء إليها، أما بعض المنازل الكبيرة لطبقة الأثرياء فأبوابها الخارجية واسعة مما يمكن جملاً محملاً من الدخول إلى السقيفة.
ويلاحظ في تصميم المنازل تأثير العوامل المناخية على هذا التصميم وذلك باتجاه أغلب مداخل البيوت وحجراتها ناحية الشمال تفادياً لرياح القبلي ولاستقبال رياح الشمال البحري الباردة صيفاً.
وتعيش مدينة مرزق مأساة إنسانية رغم التوقف النسبي للحرب المندلعة بين مكوناتها من قبائل التبو والأهالي منذ مطلع آب/اغسطس الماضي، فالكهرباء ومياه الشرب منقطعة تماماً، وكذلك جهاتها الخدمية التي هجرها موظفوها إضافة إلى خلو مستشفاها الوحيد من الأطقم الطبية.
وقد هجرها كافة سكانها الأصليين وظل فيها مكون التبو فقط. وأكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للبعثة الأممية أن أحد طرفي القتال وهو التبو هجّر أكثر من 16 ألف شخص إلى مناطق مجاورة للمدينة، مشيراً إلى نزوح قرابة 1300 شخص بشكل طوعي من مرزق إلى مناطق الجفرة وبنغازي. في حين تحوي مرزق سبعة ملاجئ جماعية تديرها السلطات المحلية تؤوي نحو 600 شخص.
وقبل سنوات طالب وفد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة عن المنطقة الجنوبية، رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بإعلان مرزق منطقة منكوبة، وتشكيل لجنة لتثبيت الحقوق وتقصي الحقائق، والعمل على توفير الظروف المناسبة لعودة النازحين حتى اتخذ مجلس النواب قرارا بإعلانها منطقة منكوبة.