كم كانت جريمة نكراء؛ صبغت ثرى الوطن الجزائري بالدماء، مثلما ترسخت في الوعي الجمعي والفردي بالأحمر القاني، بل توارثتها الأجيال التالية بالدعاء للشهداء.
فبترخيص من الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، خرجت مظاهرات سلمية يوم 8 مايو/أيار 1945 للمشاركة في احتفالات النصر على دول المحور، ولتذكير فرنسا بوعودها قبيل الحرب، بتمكين الشعب الجزائري من ممارسة حقه في الحرية والاستقلال، وطالب المتظاهرون بإطلاق سراح المجاهد مصالي الحاج.
وقد رفعت شعارات تنادي بالاستقلال، والتمسك بالهوية العربية والإسلام، وخرج ذيول الاستعمار، ومنتسبو الإدارة الاستعمارية، محرضين ضد المتظاهرين، حيث حدثت اشتباكات بين جانبين: الشعب المسالم الأعزل إلا من الإيمان بقضيته العادلة، ومناصري السلطة الاستعمارية والجيش الفرنسي المدجّج بكل أنواع الأسلحة، بل اشترك فيها المعمرون بميليشيات خاصة كونت لهذا الغرض، وكأنها نية مسبقة. والغادرة هي تدخل الجيش الاستعماري بقواته الثلاث البرية والبحرية والجوية، التي نسفت العديد من القرى والمداشر على ساكنيها، ولننظر كيف وصف الآخر الغربي في صحافته أبعاد المجزرة، فهذه مجلة أمريكية تصف الحدث: إن قاذفات القنابل الفرنسية، حطمت قرى آهلة بكاملها في منطقة الحادثة، أثناء حملة دامت تسعة أيام، وقد طار الطيارون الفرنسيون ثلاثمئة مرة في يوم واحد مستعملين القاذفات الأمريكية الثقيلة والمتوسطة، حتى سويت الأرض بعدد من القرى والدواوير، ثم طارت الطائرات المقاتلة الفرنسية البريطانية الصنع، خلف القاذفات الأمريكية لتسحق السكان الهاربين من المنازل التي تحطمت، وترمي القنابل على المخابئ العربية في الجبال، وقد استقدمت السلطات الاستعمارية لواءها السابع من منطقتي الألزاس واللورين، الذي شارك في المذبحة، وتلك شهادة أحد الصحافيين الأجانب: أبدا، في الحقيقة، منذ عام 1842 منذ الماريشال سانت أرنو، لم تعرف الجزائر حتى في أيامها السوداء في تاريخها قمعا أكثر ضراوة ضد شعب لا يملك وسائل الدفاع في الدروب، في الحقول في الشعاب، في الأودية، ليس هناك إلا جثث مبقورة أمعنت فيها الأفواه المدماة للكلاب الجائعة تحت التجمع المحزن للنسور التي كونت دائرة، هنا وهناك، قرى بكاملها سحقت، مبادئ الإنسانية انهارت تحت الرصاصات القاتلة من طرف المتمدنين، آكام وأكداس من الموتى.
وكانت حصيلة هذه المجازر بين 45000، 50000 شهيد، حسب المصادر الوطنية. إنها المذبحة التي وصفها الشيخ البشير الابراهيمي: يا يوم 8 مايو 1945 لك في نفوسنا السمة التي لا تمحى، والذكرى التي لا تنسى فكن من أي سنة شئت، فأنت يوم 8 مايو وكفى، وكل ما لك علينا من دين أن نحيي ذكراك، وكل ما علينا من واجب أن ندون تاريخك في الطروس، لئلا يمسحه النسيان من النفوس.
وقد كشفت هذه المذبحة عن زيف شعارات الاستعمار الغربي، وهو ما نرصد في خطاب الإعلام الغربي عامة والفرنسي منه خاصة، وأيضا في مواقف اللوبي الفرنسي في المشرق والمغرب؛ حيث استخدمت لفظة «أحداث الجزائر» في وصف المجزرة، بهدف التقليل من فظاعة الجرائم المرتكبة، وتقديم صورة زائفة عن المستعمر الفرنسي، وهذا ما ذكره أحمد طالب الإبراهيمي في مذكراته، عندما التقى طه حسين، وحاوره مع زوجته سوزان، فوجد الأخير يستخدم مصطلح أحداث الجزائر، وكان غير مصدق لما رواه الإبراهيمي عن مجزرة 8 مايو، وأحداث الثورة، واستغرب أن تكون فرنسا التنوير والحضارة بهذه الوحشية، لكن تلك هي الحقيقة.
لقد كانت هذه المذبحة سببا مباشرا في تغيير استراتيجية المقاومة، وتمهيدا للثورة الكبرى، بعدما أدرك المخلصون من أبناء الوطن عبث وعود المستعمر، وأنه لا يضمر إلا شرا، ولا سبيل معه إلا الكفاح المسلح، وقد اختزنت الذاكرة الجمعية هذه المذبحة لتكون شرارة للثورة.
توازى هذا، مع خطاب تبريري معلن من قبل الحكومة الفرنسية، يرى أن القمع الذي مورس في 8 مايو هو طبيعي، لإنقاذ سمعة فرنسا، وحفظ هيبتها، وكانت مفردة «المجد الفرنسي» حاضرة في خطابات ديغول، وأيضا في طروحات اللوبي الاستعماري المتمثل في المعمّرين والمتطرفين الفرنسيين.
وهو ما يؤكده فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض» وهو بصدد شرح البعد النفسي الذي يخص المستعمر الفرنسي في الجزائر، ويفسر سلوكه نحو الشعب الجزائري العنيف، بأن المستعمر جاء إلى الجزائر، وأخذ بيد شعبها نحو التقدم، وإذا غادرها فإنها سترتد إلى عصور التخلف والقرون الوسطى وكان شعاره: «هذه الأرض نحن صنعناها، وإذا نحن ذهبنا، زال كل شيء» مع استخدام تعبير السكان الأصليين المشابهين للهنود الحمر، وعليهم أن يكونوا محجوزين، والتزام أماكنهم، وإفساح المجال للمستعمر ليعمّر.
وفي المقابل فإن فرانز فانون يشير إلى نقطة غاية في الأهمية تتعلق بتغير فهم الشعب نحو الوطن والثورة، فقد توحّد خلف الثوار، واختفت في المقابل جرائم الحق العام، والمشاجرات الناتجة عن العصبية الفردية، وتخلّق الجميع بأخلاق الثورة، وترفّعوا عن صغائر الأمور، ليتحد الشعب كله من أجل الحرية، وضد المستعمر، بل إن الميول العنيفة توجهت كلها نحو المحتل، وإن كانت قد عادت بعد التحرير. كما ينوه فانون إلى توحّد الشعب بعد ذلك، ويمكن للأسرة أن تقدم كل مخزونها من الطعام، إذا مرت بهم جماعة من المقاتلين، فذكرى المذبحة كانت عالقة في نفوس الجميع، عندما كانت عشرات الآلاف من الجثث موزعة على ثرى الوطن. ويذكر فانون أن الثورة التي اندلعت خلّصت الجزائري من فكرة بثها المستعمر أنه مختلف، لا يفكر إلا في مطعمه، ولا يعبأ بالوطن، فتحول المواطن الجزائري إلى شخص رافض للسيطرة الاستعمارية، بعدما شاهد أنه يمكن أن يكون جثة في لحظة.
فمن أبرز أصداء مجازر 8 مايو 1945، أن قناعة تامة تكونت لدى أتباع حزب الشعب الجزئري، الذين كانوا أول من نادى بالاستقلال الوطني بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن استرجاع الاستقلال الوطني لا يوهب وإنما يفتك من خلال اللغة التي يفهمها الاستعمار، ومن هذا المنطلق فإن مجازر مايو، عززت تصميم مناضلي هذا الحزب للاستعداد والتحضير، للتعجيل باندلاع ثورة مسلحة تعم كل أرجاء البلاد في أقرب وقت ممكن، وهذا ما تجلى في المنظمة الخاصة المنبثقة عن مؤتمر حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، الواجهة العلنية لحزب الشعب الجزائري، رغم الانشقاقات والصراعات التي عرفها هذا الحزب.
لقد كانت هذه المذبحة سببا مباشرا في تغيير استراتيجية المقاومة، وتمهيدا للثورة الكبرى، بعدما أدرك المخلصون من أبناء الوطن عبث وعود المستعمر، وأنه لا يضمر إلا شرا، ولا سبيل معه إلا الكفاح المسلح، وقد اختزنت الذاكرة الجمعية هذه المذبحة لتكون شرارة للثورة. وها نحن نستعيد ذكرى المذبحة، ونجد أن خطاب اليمين الفرنسي لا يزال يتغنى بالمجد الفرنسي على جماجم الجزائريين، وبعض جماجم الشهداء لا تزال تحتفظ به فرنسا، كلون من المفاخرة بنصر زائف تحقق على أشلاء الأبرياء.
كاتب مصري