مذكرات المربي ‘أبو القاسم جبالي’.. رافق ‘مالك بن نبي’ في أهم مراحل عطاءاته..

حجم الخط
0

لم تكن معرفتي بالمصلح والمربي ‘أبو القاسم جبالي’ وأنا على مقاعد الدراسة في منتصف السبعينات من القرن الماضي في ثانوية ‘بن باديس’ بمدينة قسنطينة تتجاوز المناخ الدراسي العام، والانتفاع من معينه الثقافي والأدبي الثر، والذي كان يقفز على حوافي البرنامج الدراسي العام، الى آفاق المعرفة العلمية والفكرالمتنوع، والتاريخ الطافح بالأسرار والوقائع والأحداث، فكان يحررنا من النمطية الرتيبة الجافة الى الوثبة الفكرية والتنبيه العقلي المثير، ويشدنا الى الذات الحضارية والفكر الأصيل الذي يصقل الشخصية في تلك المرحلة من الدراسة ويسلحها بالنباهة واليقظة والدينامية الإيجابية ..هذه هي الصورة التي ترسخت في مخزوني الشعوري ولوحات وجداني، وقد استفدت الكثير من آدائه وتوجيهه في تلك المرحلة المفعمة بالشغف العلمي والطموح الثقافي والاندفاع نحو فتح مغاليق المستقبل المجهول..
في الايام القليلة الماضية وصلتني هدية منه وهي عبارة عن كتاب من الحجم المتوسط يتربع على 240 صفحة صدر عن دار ‘نوميديا’ للنشر يتناول فيه جوانب من تفاصيل ومراحل حياته تحت عنوان ‘مذكرات حياتي’ وبعد أن التهمت كل أجزائه وجدتني أمام ‘تجربة مثيرة لمن يترسم خطاها من الأبناء صعودا ونزولا، تعثرا وإقالة، حتى تمتزج آثارها بنفسه كدليل يرافقه ويتدارك به ما فاته من صحبة أبيه..’
لقد انقلبت الصورة تماما عما ارتسم في مخيالي السابق ،فإذا أنا أمام كتلة هائلة من الصلابة والصبر والتحدي والإرادة التي لا تنكسر أمام الموجات المتلاحقة من الأهوال وقساوة العيش، وبؤس الحياة الطاغي، ولكن الأمل كان يشد صاحبه – ولو بخيوط واهية الى أفق أرحب والى غد أجمل ‘وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل’ كما يقولون..
لكن أهم المعالم التي أضاءت على مراحل حياته تلك الني جمعته مع المفكر الجزائري الكبير ‘مالك بن نبي’ وقدمت إضافات متميزة لشخصية ذلك الفيلسوف الفذ والتي لم تكن معروفة عنه من قبل..
يقول بعض الحكماء: ‘رأيت الناس صنفين ،رجل ينام في النور، ورجل ينهض في الظلام’ وأستاذنا ‘جبالي’ من الصنف الثاني..فقد ولد بمنطقة ‘عون’ بولاية الوادي في العشرينات من القرن الماضي في بيئة مليئة بالبؤس والحرمان والتخلف، لكن في بيت شديد التدين، فأبوه فقيه كثير التعبد، غلب على طبعه العزلة مع أهله، يقتات من بستانه الملىء بالنخيل والفلاحة الاستهلاكية المتواضعة، ترعرع الاستاذ في هذا المناخ ،حيث التحق بمسجد القرية لحفظ القرآن وهو مازال طفلا صغيرا وأتم حفظه.. وعندما بلغ عمره الـ’12’ سنة احتاج إليه أبوه، فكان مساعدا له على بيع الغلة ورعاية النخيل في السقي وجني الثمار وتخزينه والذهاب به الى أسواق القرية ..كانت هذه المرحلة مرحلة تدريب واستعداد لما بعدها من الأسفار خارج البلدة خاصة الى عنابة، حيث يوجد الأخ الأكبر فاشتغل هناك وكان يرسل ما يدخره لأبيه مساعدة لأسرته، ثم يعود مرة أخرى الى بلدته البدوية التي تنتشر فيها الطرق الصوفية المتناحرة، ويلفها الحرمان والبؤس، فيضيق بها وينتقل الى العاصمة للاشتغال عند أحد التجار، وهناك يجد الفرصة سانحة للاتصال بجمعية العلماء المسلمين مباشرة وبمركزها ‘نادي الترقي’ وحضور بعض خطب الشيخ ‘الطيب العقبي’ وظلت هذه المرحلة بين ‘1939 -1941 ‘ هي أدبية أكثر منها مادية كما يقول وهي زيادة في الخبرة والاطلاع على جوانب من حياة العاصمة ،وازدادت رغبته في طلب العلم خاصة وأن آثار وأعمال الجمعية بدأت تؤتي أكلها وبدأ الناس ينشؤون المدارس الحرة ويلتفون حول توجيهات العلماء وينبذون الطرقية التي تمثل الوجه الآخر للاستعمار، وبدأت تنتشر صحف وجرائد الجمعية كـ’الشهاب’ و’الإصلاح’ و’البصائر’ وما تنشره من معارف وأفكار وأشعار ،ليعود من العاصمة ويستقر به المطاف بمدينة ‘تبسة’ حيث الشيخ ‘العربي التبسي’ الذي كان يشرف على نشر العلم والاصلاح والتدريس مع شيوخ آخرين مثل ‘محمد الشبوكي’ و’الشاذلي مكي’ ويصر على اكتساب المعارف رغم العقبات والصعوبات وتحقيق طموحه للانتقال الى الزيتونة بعد إجازته وتأهيله من المشايخ..
وفي جامع الزيتونة تتفتق مداركه العقلية،وتزداد حصيلته العلمية وتتوسع علاقته ويتخلص من ذلك الغلو الذي ظل ملازما لسلوكه نتيجة نقص المعرفة الشرعية ويكتسب الكثير من الخبرات ويكون أكثر استعدادا وتأهيلا للمرحلة المقبلة ..
وهكذا يعود الى الجزائر في عام 1951 بعد سنوات حافلة بالنشاط والتحصيل العلميين ليشرع في العمل بمؤسسات الجمعية بدءا من مدينة خنشلة ثم مدينة مغنية الى أن اندلعت الثورة التحريرية الكبرى فيسجن في بدايتها مع السياسيين والمصلحين التابعين للجمعية ليطلق سراحه فيما بعد لتبدأ رحلته الى مصر وينزل في مكتب الجمعية بالقاهرة عند الشيخ البشير الابراهيمي الذي قام بتسجيله في كلية ‘دار العلوم’ وتبدأ مرحلة جديدة من الدراسة المعمقة في مختلف المعارف والعلوم وامتدت هذه الفترة لأربع سنوات حافلة بالاجتهاد والتحصيل والتفاعل مع الثورة وأخبارها التي تتلاحق الى المسامع مع كل وافد ..وكان نادي المغرب العربي بالقاهرة ملتقى للاجتماعات والمحاضرات والنقاشات لمختلف الأخبار والأحداث التي تمر بها الثورة..في هذه الفترة وهي الأهم بالنسبة إليه حيث يتعرف على الاستاذ والمفكر الكبير ‘مالك بن نبي’ الذي زاره في بيته وكانت زيارته اليه مفاجئة ،فوجده – كما يقول- متواضعا متقشفا زاهدا يغسل ثيابه بنفسه، كان همه ملاحقة أخبار الثورة الجزائرية وأحوال العالم العربي والاسلامي، كان يحرر مجلة ‘الشاب المسلم’التي كانت تصدرها جمعية العلماء بالعاصمة وهو يرأسها من باريس مقابل راتب شهري الى أن توقفت..وسمعت منه أن جامعة ‘إكسفورد’ الانجليزية المشهورة عرضت عليه أن يؤلف لها كتابا يتناول فيه أثار الحضارة أو الثقافة الغربية في سكان شمال إفريقيا، لكنه رفض المقترح لأنه يساهم في الغزو الفكري الذي يحارب الحضارة والقيم الاسلامية – كما قال- ثم ألف كتاب ‘شروط النهضة ومشكلات الحضارة’ ليقرر هذا الكتاب في الجامعة فيما بعد..
ظل مندمجا مع الطلبة يبحث في مشكلات الحضارة والتشهير بجرائم الاستعمار ،فأسس لندوة ثقافية في بيته مساء كل أربعاء تدور حول ‘مشكلات الحضارة وخطر الاستعمار على الأفكار الحرة’ وكان يحضرها العديد من رجال العلم والأدب وبعض الطلبة أبرزهم الاستاذ الكبير ‘عبد الحليم محمود’ الفيلسوف الصوفي والشيخ الباقوري وزير الأوقاف في تلك الفترة وغيرهم..
حاولت السلطات المصرية احتواءه بإشراكه بالمساهمة في تحرير مجلة ثقافية تصدر باللغة الفرنسية بمقابل 30 جنيه شهريا..لكن سرعان ما ترك هذا الأمر لتحسسه ببعض الشبهات المرتسمة حوله..كما دعي للمساهمة في مشروع ‘المؤتمر الاسلامي’ الذي أسند الى ‘أنور السادات’ مع شخصيات أخرى..لكن مع هذا فقد كانت عيناه شاخصتين على ما يحدث في الجزائر.فاعتبر ـ من منطلق معاييره- أن هناك خلل كبير في تسيير شؤون الثورة وأن السيد ‘بن بلة’ لا يملك المؤهلات المطلوبة لقيادة هذه الثورة العظيمة فأنكر عليه الحاضرون ذلك واعتزلوه لأن الظرف كان يدعو الى الوحدة والتجمع والتعاون..كما كان يشكك في وفاة الشيخ العربي التبسي وكذلك ابن مهيدي، واعتبر الخيانة وراء مقتلهما..وهكذا ظلت العلاقة باردة بينه وبين المكتب السياسي الذي يديره ‘محمد خضر’ من جهة وبينه وبين جمعية العلماء..لكن في النهاية كان ‘بن نبي’ هو المنتصر لفكره الحر..وأذكر أن الصحافة المصرية أعلنت أن اجتماعا سيعقد بين الرئيسين ‘خروتشوف’ و’إيزنهاور’ في أمريكا فإقترحت على الاستاذ ‘ بن نبي’ أن يغتنم هذه الفرصة ويبعث برسالة مفتوحة للرئيسين بشأن القضية الجزائرية فإقتنع بالفكرة وتفرغ لها وأعدها وطبعت باللغة الفرنسية ووزعت وأرسل لكل رئيس نسخة فوجدها فوق مكتبه عند الاجتماع، ثم ترجمت ووزعت بالعربية، وفي هذه الفترة صدر كتابه ‘الظاهرة القرآنية’ باللغة الفرنسية بصورة جمال عبد الناصر وبكلمة الى الرجل مما زاد في رواجه وتسويقه..
ثم توالى نشر كتبه الأخرى، وكان يعلن من حين لآخر بخطورة المخابرات الأمريكية عليه بسبب أفكاره ، وكان يلقي الشبهة على بعض الأشخاص لأدنى سبب ثم تأتي الوقائع لتؤكد ذلك..وكانت الكثير من الوفود تزوره في بيته من أمريكا ومن اليابان لتقف على حقيقة أفكاره وخاصة كتابه ‘إفريقيا آسياوية’ أو كتاب ‘الصراع الفكري في البلاد المستعمرة’ والذي كشف فيه أساليب الاستعمار لتشويه الأفكار الحرة، وقد ذكر ‘بن نبي’ في مذكراته ‘شاهد على القرن’ بعض أفضالي عليه فقال: ‘إن زيارة السيد ‘بلقاسم جبالي’ هذه الأمسية غيرت المجرى المكفهر للأفكار ..والسيد ‘بلقاسم’ كان دائما يساعدني على التغلب على الأوقات الصعبة منذ كنت في القاهرة وقد أمدني في بعض الأحيان بنصائح ممتازة وهو الذي اقترح علي كتابة ‘النجدة النجدة للجزائر’ وهذا منذ سنتين، كما اقترح علي أن أكتب الرسالة المفتوحة لـ’خروتشوف’ و’إيزنهاور’ عندما اجتمعا في كاب كيندي بأمريكا’..
في المقابل كان للمفكر مالك ‘بن نبي’ فضل كبيرعلي ـ كما يقول جبالي- حيث كسبت منه خبرة وتجارب ومعايير ثابتة للحكم بها على الأشخاص والأشياء مما جعلني أحاول باستمرارالتخلص من الطفولة المزمنة التي تغلب العاطفة على العقل، أو الذاتية على الموضوعية التي يضرب لها المثل بقوله ‘العربة أمام الحصان’ بمفهوم اللاحضارة..
وهكذا يختتم الاستاذ ‘جبالي’ حياته الدراسية بالتوجه كمرحلة أخيرة الى بغداد لإتمام دراسة السنة الأخيرة في كلية الآداب وأتاحت له هذه الفرصة لزيارة الكثير من المدن العراقية بما فيها الأماكن المقدسة النجف وكربلاء والتعرف على العديد من الشخصيات العلمية والدينية وينال الشهادة العلمية ويغادر بغداد الى سوريا ثم لبنان ليعود عن طريق ليبيا وتونس الى الجزائر..
الثابت في هذه المذكرات أن قارئها سيجد فيها، بساطة ..وغرابة.. وعبرا..
أما البساطة فإن صاحبها لم يعدها لإبراز شخصيته والثناء عليه، لأن الأحداث التي عاشها والظروف التي مرت به عرضها كما هي، فلم يكلف نفسه توجيهها ولا تكييفها ومن خلال ذلك تبدو الغرابة في التباين بين الأدوار..أما العبر فسوف يراها من خلال أن الأمل الذي تصحبه عزيمة صادقة يمكن صاحبه من الوصول الى الهدف رغم العقبات والخطى المتعثرة..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية