قد لا يبدو غريباً أن تكون مراجعاتنا لأي أمر من أمور حياتنا العربية مما مرتْ عليه السنون وتقادمت عليه العقود منطوياً على مفارقة ساخرة ومريرة. ذلك أن أبسط مراجعة للمسيرة التي قطعتها مجتمعاتنا العربية ستفضي بنا إلى حقيقة واحدة هي أنها مسيرة غير ظافرة. فبعد قرن من الحروب والثورات التحررية والانتفاضات القومية والوطنية والتجارب النضالية والاحتجاجات الهادرة والمظاهرات العارمة لم نحصد سوى الهزائم والخسائر والانكسارات تعقبها مرارة الشعور بالإحباط والخيبة والفشل.
ومأساة هذه المفارقة تجعلنا نتساءل لماذا لم تحصد الشعوب العربية ثمار مسيرة كانت حافلة بالكفاح والنضال والتضحيات؟ ألأن من قاد المسيرة لم يكن مهيئا لغرس ثمر جني، أم لأن المسيرة نفسها لم تكن سائرة في طريق إنضاج أي ثمر ومن ثم قطعت الأشواط تلو الأشواط وما من نتائج تثلج الصدور أو محصلات تريح القلوب أو مواقف تقنع العقول بل أننا لن نجانب الصواب إذا ما وصفنا مآلاتنا بالسريالية أو الغرائبية أو بكل ما لا يمت للعقل بصلة؟
وإذا لم يكن السبب لا هذا ولا ذاك، فلماذا إذن فشلت كل محاولاتنا للوصول إلى أهدافنا الوطنية والقومية، وخابت كل مشاريع تأكيد إرادتنا وذاتنا بين أمم العالم، ولنا ما يفوق ما لديها وعلى كل الصعد حتى تعثرت مشاريعنا التي أردنا لها أن تكون تحررية وتنموية؟ ولماذا بتنا نعاني عجزا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا فضلا عن ويلات الحروب المجانبة وأزمات البطالة والقهر والمنافي والنزوح والتهجير القسري؟
وليس أدل على حالة الفشل والخيبة ما منينا به اليوم من تراجع خطير وسريع في مستويات الإنتاج والنمو والتطور، وبلداننا ترزح تحت نير أنظمة حكم ممزقة ودساتير مشوهة وقوانين عجفاء وصار ما نكابده من ألم ونتحسر عليه بمرارة هو في الحقيقة نتيجة متوقعة عملت عليها أجندات أعدائنا الذين كلما تراجعنا تقدموا، وكلما خفتت وتيرة البناء والنمو عندنا ازدادت طاقاتهم على تغيير البناء ببناء أقوى وأصلد. وهكذا انتهينا إلى الصفر اقتصاديا وحضاريا وتعليميا وبلغوا هم الذروة في تلك المجالات وغيرها عالميا.
إنّ الفرد العربي ــ فلاحا كان أو عاملا أو موظفا أو أستاذا أو محاميا أو طبيبا ــ قام بما يتطلبه منه عمله وميدانه؛ بيد أن ذلك العمل بالمجموع ستتبدد قيمته وأهمية معدلاته على أيدي زعامات تضع مصلحتها فوق الجميع، وسلطات تتحكم بحسب ما ينفعها ذاتيا.
وإذا كانت هذه مفارقة ساخرة لأنها حقيقية فإنها أيضا موجعة لأن المجموع فيها مسخر لخدمة الفرد، وكأن المجموع قطيع منقاد لفرد هو بمثابة راع يفعل في القطيع ما يشاء، يسمنه مؤجلا ذبحه أو يجوعه من أجل غفوة يحظى بها.
وهذه النظرة التراتبيبة عندنا هي سمة من سمات السياسة الكولونيالية التي جعلتنا منقسمين حول ذواتنا ونحن ننظر لبعضنا رؤساء ومرؤوسين وارستقراطيين وبرجوازيين وانتلجنسيين وشعوبيين ولا ندري أننا بذلك نزرع التفرقة داخل وحدة متحققة من تلقاء نفسها باللسان والدين والأعراف.
وطبيعي أن تتمزق الذات العربية بهذه التقسيمات والاختلافات وتتفكك منظومتها الوحدوية فكرا ووجودا. ولقد أفرز لنا واقع الحال أيضا مفارقة من نوع آخر فيها الزعامات الوطنية والقومية ما أن تمسك بالسلطة حتى تتفرد متنكرة لجماهيرها مغردة خارج تطلعاتها وأمانيها؛ هذا إذا لم توغل في اضطهادها وقمعها وتجريدها من كل وسائلها.
وبفعل ذلك كله تراجعت حياتنا المعاصرة وصرنا في راهننا بلا رخاء ولا رفاه ولا تقدم؛ بل بالعكس صرنا بضاعة يتاجر بمقدراتنا غيرنا بتعاون زعاماتنا وأعوانهم، بينما نحن ما زلنا على نياتنا نتأمل منهم أن يأخذوا بأيدينا جالبين لنا الخير مدافعين عن حقوقنا ومناصرين قضايانا. وهذه مفارقة مؤلمة من مفارقات مراجعة الواقع العربي المنهار.
وعلى الرغم من أن جماهير القرن الحادي والعشرين خرجت زرافات ووحدانا غير مستسلمة ولا عاجزة؛ وإنما ثائرة ضد الحكام والفاسدين فصدحت حناجر ألوفها وملايينها، وهي تقدم دماءها رخيصة في سبيل أهدافها… فإن المتحصل عليه بالعموم لا يضاهي كفاحها ولا يوازي تضحياتها. ذلك أنها ما أن تنتفض وتثور حتى تجد نفسها وقد عادت إلى خط الشروع الذي كانت جماهير القرن العشرين قد انطلقت منه، فكأن الزمان واقف وكأن أسلافنا الذين وضعوا أملهم في أن نواصل الطريق بعدهم قد أخطأوا التقدير ليظل الأمل معقوداً إلى ما شاء الله.
فلنعترف أننا لم نكمل ما كان قد بدأه السابقون ولم نكن كما ينبغي أن نكون أو كما كانوا يحلمون لنا بغد عربي مشرق، وتلك مفارقة ساخرة أخرى علينا أن نتجرع هولها، والسؤال: من السبب؟ أهو الزمان أم ذواتنا أم هو الحظ السيئ الذي منينا به، فحال دون أن نكون قادرين على تحقيق أحلام راودت أجيالا وأجيالا قبلنا؟
بالطبع لا ندين الحظ لأننا لا يمكن أن نؤمن به عكازا نتوكأ عليه، ولا نلقي باللائمة على الزمان فالنقص ليس في ذواتنا كون الذي جرى على أمتنا من أهوال لم يكن يسيرا لأنه نتاج نظام عالمي جديد لم نتفكر به ملياً، فخيم علينا وقد غيّر أجنداته وبدلا من استعمال القوة الغاشمة تحول إلى اعتماد القوة الناعمة بوصفها سلاحا فعالا يمرر عبره مشاريعه في الهيمنة والاستقطاب.
والنعومة التي يتسم بها النظام العالمي الجديد لها خبثها الذي ينتهك المواثيق بحجة الدفاع عن الحقوق وينادي بالديمقراطية وهو ينتهج العنصرية ويدعو إلى التعددية الثقافية بينما هو يحمي الطغاة ويحول دون أن تطيح الجماهير بهم. كل ذلك ونحن نعمه في لا مبالاتنا وكأننا عن هذه الشرور بمنجى ومحصنون.
وبعض صور هذه النعومة العالمية وربما كلها شهدتها أرضنا العربية، فالسلفيون يتنطعون بالفهم والخير المطلقين وهم يواجهون من يخالفهم بأشنع وسائل التصفية والإقصاء وليبراليونا يتشهون الحرية لأنفسهم فقط، أما ثوريونا فلا ثورية سوى ما به يؤمنون.
وعدا هؤلاء فنهّازو فرص لا شأن لهم إلا بأمورهم، يرسون حيث ترسو سفن مصالحهم، ولا يعنيهم أمر الانسان ولا الأوطان إن شرقت أو غربت.
هكذا تمضي عجلة العالم سريعا وعجلة العرب لا تحرك ساكنا لأن العصي موضوعة فيها والحصان موضوع خلف عربتها، والمحصلة أن لا ثمن للإنسان بالمطلق ولا قيمة للوطنية بل المزيد من المكابدة حروبا وفوضى وبطالة وفسادا وجريمة ومرضا وجوعا. وكانون الألم العربي يتقد بأجساد ممزقة ومنازل مدمرة وضحايا هم مجرد أرقام مودعة في سجلات غير مضبوطة وشعارات تخفي وراءها بذاءات يمثلها دجالون يتاجرون بنوايا الذين يتْبعونهم.
أما الهوية فسقط متاع وأما الصحة والدواء والاكتفاء الذاتي والتوظيف المبرمج والتعليم الممنهج فإلى الجحيم. والمهم أن المجموع مغلوب ينتظر من ينحره قرباناً على دكة أحد الذين يمن عليه أسياده فيكون على رأس الجمود والثبات واللاتغيير العربي.
وهل لنا بعد هذا أن نسأل عن أحوالنا بعد قرن من الثورات التحررية والانتفاضات المصيرية والحروب العادلة وغير العادلة؟ وأنّى لنا أن نسأل أصلا والمآسي في بلداننا العربية تترى متسارعة حتى لا مجال لأن نتأمل هولها ونتجرع أبعادها، ثم هل في النظام العالمي الناعم ما يمكننا من أن نحرك ساكنا والجمود والروتين هو عنوان حياتنا النمطية التي تخشى التغيير لأن فيه ينكشف ضعفنا؟
وما دمنا كذلك فلن تنتصر ذواتنا على رغائبها، ولن تتحرر نفوسنا من دجلها، ولن نعرف أن الحقيقة ليست سراباً وأن الشرعية هي الشعب، وأن الديمقراطية هي التنمية، وأن السلطة هي النظام بلا غالب ولا مغلوب ولا تابع ولا متبوع ولا مالك ولا مملوك، فالدائم هو وجه الله وحده.
* كاتبة عراقية