مراكز الدراسات ودورها في رسم مستقبل الأمة

حجم الخط
0

لماذا لا نتعظ بالدروس، ولا نسمع للنصائح إلا بعد فوات الأوان؟ هل مكتوب على العرب أن يسقطوا في غياهب ‘الحفرة’ حتى يدركوا خطورتها؟ هل مقدر على العرب أن يكتووا بنار المحذرات منها حتى يأخذوا الأمر باهتمام، ويحملوه محمل الجد؟ لما لا يسمعون قول النبي (ص):’لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين’؟ في غيرنا من البلدان والأمم، تؤسس الهيئات وتخلق المراكز لدراسة أي حدث، سواء أكان سياسيا أو اقتصاديا أو دينيا أو رياضيا أو حتى طبيعيا، ليقرؤوا الواقع بإتقان، ويدرسوا ملابساته الدقيقة والخفية، لكي يستخلصوا الدروس المفيدة، ويستجمعوا الخلاصات العملية حتى يكونوا في مأمن من أي مفاجأة غير سارة، فيخطون كل خطوة بعلم وثقة وثبات، بهذه الخطوات المميزة، لعلهم من قال الله فيهم: ‘وظن أهلها أنهم قادرين عليها’.
ليس من الظلم أن لهم السؤدد الآن بين الأمم، فهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أما العرب، فيستمعون القول فيتبعون الأقرب إلى ميولهم ورغباتهم، أعرف يقينا أن مراكز الدراسات الغربية، لما يكتبون تقريرا معينا حول أمر قليل أو جليل، لا يأخذون في الحسبان إلا قولة الحق والصدق بكل مهنية وشجاعة، حتى ولو لم تتماشى تلك التقارير مع الدولة أو الهيئة الطالبة للتقرير، إنهم يبرعون في وصفهم للواقع بلا ذاتية ويبرعون في مقاربة الحقائق حتى وإن كانت مرة، فنتائج إدراكها والعمل على معالجتها لا شك أنها ستكون حلوة، مثلنا ومثلهم، كمثل الذي يقصد مخبرا طبيا، فنحن يعجبنا الذي يقول لنا أن نسبة السكر طبيعية، ونسبة الكولسترول جيدة وأنه لا يوجد فيروسا فينا، وأن لنا صحة جيدة، أما هم فيعجبهم الذي يشخص لهم حقيقة صحتهم بكل أمانة، فإن كانت طيبة، عملوا على الحفاظ عليها وإن لم يكن الأمر كذلك جهدوا أنفسهم على معالجتها.
قديما قيل:’ رجل محذر يساوي اثنين’، لا بد للأمة العربية في عصرنا هذا المفتون أن تدرك أهمية إنشاء مراكز الدراسات، كل الدراسات، السياسية والاقتصادية والعسكرية والجغرافية والرياضية والإستراتيجية، على أساس العلم والعدالة والصدق والدقة، فهي صارت أمام التحديات التي تواجهها الأمة العربية، ضرورة عصرية، وليس ترفا فكريا، لا بد أن تكون هذه المراكز والهيئات ‘الناصح الأمين’، وليس ‘المدلس المهين’، أن تكون ‘البطانة الحسنة’ وليس ‘الجيرة السيئة’، وأن تكون العضد لكل مركز قرار مهما علا أو دنا، وإلا فليست تلك الدول والهيئات بعيدة عن قولة القائل:’فاتكم القطار’.
إن الأمم التي تعلو في أيامنا هذه وتحكم بزمام أمور العالم بأسره، باختصار تعرف جيدا قولة الحكيم، وجعلتها من شعاراتها:’ أنصت لمن يبكيك، لا لمن يضحكك’، اللهم اجعل لنا عبرة في كل أحد، ولا تجعلنا عبرة لأحد، واجعل حاضرنا خيرا من أمسنا وغدنا خيرا من حاضرنا.

عبد الكريم رضا بن يخلف
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية