لا يزال الفنان السينمائي العراقي قاسم عبد، المخرج والمصور والمونتير، يحاول باجتهاد وإصرار وينجح في صناعة سينما تسجيلية متميزة تقترب من السينما الروائية، تحكي عن نماذج إنسانية في صراعاتها مع الزمن، وتقع في منطقة ما بين الروائي والتسجيلي، والنتيجة هي هذا التهجين الجميل ما بين النوعين أو ما بات يعرف بالدوكيودراما، أو الدوكيوتراجيدي التي تهزّ المشاهد.
في فيلمه الأخير” مرايا الشتات” (2018) نجد شخصيات الفيلم الحقيقية أقرب لأبطال فيلم روائي، يتحدث الفيلم عن الخيبة والألم والمنفى، إضافة إلى النقطة الأهم وهي تطور الإبداع الفني في الغربة الطويلة. الإبداع الناتج عن امتزاج معاناتهم الذاتية والموضوعية مع الحياة في روما مدينة الفنون وغيرها من المدن الايطالية. ان هذا التفاعل يحقق ما نسميه الإبداع الأكبر من المتوقع، ربما ليس مع جميع شخصيات قاسم في الفيلم، لكن على الأقل مع بعض الأسماء التي قدمها “مرايا الشتات” بعد أكثر من ربع قرن من رحلة المخرج في فيلمه الأول “في حقول الذرة الغريبة”.
الفنانون التشكيليون أبطال العملين هم (عفيفة لعيبي، وعلي عساف، وجبر علوان، ورسمي الخفاجي، وفؤاد علي عزيز، وكاظم الداخل، وبالدين أحمد) كانوا قريبين من معنى التجربة الحياتية من المخرج بشكل كبير حسب ما يذكر في حواراته ولقاءاته الصحافية. إذ درسوا جميعا في الحقبة الزمنية ذاتها في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وتركوا العراق في منتصف سبعينيات القرن الماضي ليكملوا دراستهم في الخارج. بالنسبة لقاسم عبد، كانت دراسة السينما هدفه وحلمه، أما أصدقاؤه فكانت الفنون التشكيلية والرسم غايتهم، وقد نجحوا في ذلك، وأنتجوا الكثير من الأعمال الفنيّة في مجال الرسم والنحت و”الفيديو آرت” والتصوير الفوتوغرافي والغرافيك والخط العربي والملصقات الجدارية، وكانوا طوال السنين الماضية على تواصل، ويعرفون تفاصيل حياة بعضهم. بالنسبة لهم جميعا، كان عملهم الفنيّ يعكس بوضوح من هم، ومن أين أتوا، كما يعكس ملامح هويتهم الثقافية والإنسانية.
يمكن قراءة رحلة قاسم عبد بين فيلميه عن مجموعة الفنانين نفسهم، الفيلم الأول الذي نفذه مطلع تسعينيات القرن الماضي لـ “BBC” القناة الرابعة والذي كان بعنوان “وسط حقول الذرة الغريبة” تناول فيه سيرة الفنانين العراقيين في المنافي وعكس قدرا كبيرا من أملهم في العودة إلى العراق. بينما نجده هنا يعاود الرحلة في فيلم يدمج بين الوثائقي والسيري، ليتتبع مسيرة مجموعة الأصدقاء وماذا فعلت بهم حياة المنافي، وإلى أين وصل مشروعهم الإبداعي. لكن يمكننا ملاحظة أن المخرج لم يهتم في تقديم الفن التشكيلي في فيلميه بوصفه فنا يبحث في جمالياته، بل استخدمه بطريقة أقرب إلى “خريطة طريق” التي يؤكد من خلالها آراء وخلاصات وخيارات شخصيات فيلميه.
أن السينما التسجيلية، مجال وعر أحيانا، وقد يكون مملا في بعض الأحيان للمشاهد، كما يمكننا القول غالبا ما سقطت الأفلام الوثائقية في خانة الدعاية أو التعبوية أو البروبغاندا للحكومات أو الجهات التي تموّل وتنتج الفيلم.
لكن مع قاسم عبد الأمر مختلف، إذ نشعر أن السينما التسجيلية صادقة وحقيقية ونزيهة وحيادية وأقرب للذوق الجماهيري العام، في الشكل والتصوير والسرد، لأنه يحترم القيم السينمائية التي تربى عليها في دراسته، ومشاهداته، وتراكم خبراته، وثقافته الأدبية والفنية. ويمكن التقاط هذا الأمر من عنوان الفيلم الذي استوقفني كثيرا “مرايا الشتات” الذي مثل عملية اختيار طويلة، وصيرورة أخذت وقتا وجهدا. وإذا كان الشتات مفهوما بالنسبة للمشاهد لأنه يعكس تجربة الشعب العراقي منذ نهاية السبعينيات في الهجرة إلى بقاع مختلفة بسبب الظلم والدكتاتورية والحروب الطويلة، هذه الهجرة التي استمرت حتى بعد سقوط النظام الدكتاتوري، ودخول العراق في نفق الحرب الطائفية والإرهاب، لكن ما هي المرايا؟ أو بالأحرى من هي المرايا؟
انهم فنانونا المهاجرون أو المنفيون منذ نهاية السبعينيات، الذين جمعتهم روما المدينة العظيمة، وعملت على صقل موهبتهم واطلاقهم نحو الإبداع والشهرة، رغم أن بعضهم ترك روما لاحقا إلى مدن أوروبية أخرى في السويد وهولندا. هذه المرايا تشهد على تاريخ العراق الحديث ومآسيه، وكذلك تبرز القيم الجمالية والفنية التي يختزنها البلد، لذلك يمكننا ان نلمس إن العنوان يقترح مفهوما مقاربا لكون اللوحة قد تصبح مرآة تعكس وجه العراق في الغربة، عبر إبداع هؤلاء الفنانين الذين تابعهم قاسم منذ بداية التسعينيات في محاولة تسجيلية أولى ثم عاد إليهم في محاولة ناضجة تستنطقهم فنيا وإنسانيا، لنكتشف أن الخيبة لا تزال قائمة حتى بعد سقوط الدكتاتورية وزوالها.
أخيرا، أعود بالذاكرة إلى لقائي بالفنان قاسم عبد، حينها كنا نتوقع منه إنجازات فنية مهمة، مع الفنانين الذين تناول سيرتهم في فيلميه سافروا إلى أوروبا للتعلّم والاطلاع ومواكبة العصر منذ منتصف السبعينيات في القرن الماضي، وفوجئوا وهم هناك إن بلدهم وقع لاحقا في قبضة الدكتاتورية، التي طاردت القوى اليسارية والتقدمية وزجت بهم في السجون، ما أدى إلى بقائهم منفيين في أوروبا خوفا من اعتقالهم عند عودتهم للعراق.
ولابد من الإشارة إلى تعاطي مجموعة الفنانين في فيلم “مرايا الشتات” مع سقوط الدكتاتورية عام 2003 إذ تهلّلوا واستبشروا، حالهم حال عشرات الآلاف من العراقيين المنفيين في هذا الشتات، لكن سرعان ما انكشف السراب عن عنف وفوضى وفساد وإرهاب، فازدادت الخيبة والحسرة، ليستقروا في أماكنهم البعيدة وهم يلوكون مرارة المنفى وبرودة الابتعاد عن الوطن وحميميته. إن المقارنة بين فيلمي قاسم عبد وموضوعهما عن المنفى والوطن وجدلية العلاقة بين المكانين عبر تتبع سير الفنانين السبعة وتحولاتهم على امتداد أكثر من ربع قرن تقدم لنا وثيقة رائعة ليس عن خيارات الفنانين حسب، بل خيارات الإنسان العراقي في واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ بلده.