دمشق – «القدس العربي»: رغم تراكم العقبات أمام مسار التطبيع السياسي بين أنقرة والنظام السوري، كشف الطرفان التركي والسوري عن مرحلة اختبار للعلاقة، بوساطة روسية ودور إيراني بارز، بموازاة اتصالات عربية.
صحيفة الوطن شبه الرسمية، كشفت، الأربعاء، عن اتصالات عربية وروسية قبيل اجتماع مزمع عقده بين النظام السوري وأنقرة في العاصمة العراقية، بغداد في وقت لم يحدد ولم تنضج ظروفه حتى الآن. وفي دليل على حلحلة بعض الملفات، أعلن النظام السوري قبوله بجدول زمني للانسحاب التركي من الأراضي السورية، حيث قالت المصادر إن هناك اتصالات مستمرة مع موسكو وعواصم عربية تضمن أن يخرج أي لقاء مع الجانب التركي بتعهد واضح وصريح وعلني بالانسحاب من كامل الأراضي السورية وفق أجندة محددة زمنياً.
واعتبر المصدر أن هذه ليست شروطاً مسبقة، بل هي قاعدة أساسية يمكن البناء عليها للبحث في المتبقي من الملفات مثل ملف دعم فصائل المعارضة المقربة من أنقرة، وملف عودة اللاجئين، لا سيما في ظل التوتر الذي تشهده مدن عدة في الداخل التركي وما يقوم به أتراك متطرفون بحق اللاجئين السوريين من حرق وسلب لممتلكاتهم.
وكانت قد كشفت الصحيفة قبل أيام، عن التحضير لاجتماع سوري – تركي مرتقب ستشهده العاصمة العراقية بغداد، وهذه الخطوة التي لم تحدد المصادر موعدها، ستكون وفق المصدر “بداية عملية تفاوض طويلة قد تفضي إلى تفاهمات سياسية وميدانية”، مشيرة إلى أن “خطوة إعادة التفاوض والحوار للتقريب بين أنقرة ودمشق، تلقى دعماً عربياً واسعاً وخصوصاً من قبل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما تلقى دعماً روسياً وصينياً وإيرانياً”. وبينما تجد المعارضة السورية نفسها أمام خيارات صعبة، بعد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بخصوص مسار تقارب العلاقات مع النظام في دمشق، يثار العديد من التساؤلات والآراء حول ما ستؤول إليه الأمور في الشمال السوري؟ وما مدى تأثير التقارب السوري – التركي على مناطق سيطرة المعارضة؟
يجمع مراقبون وخبراء على عدم تخلي تركيا عن المكاسب التي حققتها في سوريا، خاصة أنها مرتبطة بالأمن القومي التركي، وهذا الإطار عبّر الباحث لدى مركز مشارق ومغارب عباس شريفة، عن اعتقاده أن تأثير تقارب النظام السوري من الجانب التركي على الشمال السوري سيكون محدوداً جداً، باعتبار أن الأهداف التي تكمن وراء هذا التقارب هي أهداف سياسية بامتياز، وليست نتيجة تفاهمات حقيقية.
وقال شريفة لـ”القدس العربي”: “هذا التقارب غير مبني على الحل السياسي، إنما هو بدافع التعبير عن مصالح الحكومة التركية والنظام السوري في هذه المرحلة”. وأضاف: “اليوم مستحيل أن ينسحب الأتراك من منطقة شمال سوريا، ليسلمها للنظام، ثم يواجه أزمة أمن قومي وتهديد بالمخدرات والإرهاب كما هو حال الأردن عندما انسحب من الجنوب السوري، فهو يعاني من أزمة أمن قومي”.
وبناء على ذلك، رأى المتحدث أن الأتراك حذرون حيال هذا الملف، وإذا ما تم الانسحاب فعلاً فإنه سيكون ضمن اتفاقيات أو وضع خاص للشمال السوري، “على أن يدار من قبل الفصائل المعارضة، وسط فتح المعابر الحدودية وتسهيل حركة التبادل التجاري بعيداً عن الحسم أو السيطرة العسكرية خصوصاً أن النظام غير جاهز وتركيا غير واثقة به”. وكان رئيس الائتلاف السوري المعارض هادي البحرة قال عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس” إن الحل القابل للاستدامة في سوريا لا يكمن بالوصول لتفاهمات بين الدول والنظام لحماية مصالحها وأمنها، وإنما بإقناع السوريين داخل سوريا، والنازحين، واللاجئين، والمهجرين، والمهاجرين بأنه قد بات لديهم دولة فيها دستور ينفذ ويُحترم، وقوانين تضمن أمنهم الخاص وأمن المجتمع، وتضمن حقوقهم، وتكفل حرياتهم، وتؤمن لهم فرص الحياة الحرة، والكريمة، والآمنة، والمستقرة، دولة يمكنهم البقاء فيها أو العودة إليها. وأضاف: “جوهر الثورة سوري، وجوهر الحل سوري، لا يمكن تحقيق السلام المستدام دون تحقيق العدالة لضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ودون إطلاق سراح المعتقلين ومعرفة مصير المغيبين قسريًا. ولا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار المستدامين دون إعادة تدوير عجلة الاقتصاد الذي يعتمد على إعادة توحيد سوريا أرضًا وشعبًا وعلى عودة أبناء سوريا إلى وطنهم السيد الحر والمستقل، وكل ذلك يبدأ بالتنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن رقم 2118(2013)، و2254 (2015)، مما سيعزز الأمن والسلام الإقليميين والدوليين. واعتبر المعارض السوري ياسر البدوي، أن مفاعيل أي مصالحة مع النظام السوري، سواء أكانت عربية أم تركية، “كل هذا سيبقى مبتوراً إن لم يتم ذلك عبر حل سياسي وجدي حتى تزال العقوبات الدولية ومفاعيل قانون قيصر، والقانون القادم الخاص بمناهضة التطبيع”. ولفت في حديث مع “القدس العربي” أن هذه الأسئلة تثار أصلاً نتيجة تناقض المواقف الدولية ونتيجة اتباع الحلول الجزئية والالتفاف عن الحل و”الحل هنا ليس ما يريده الشعب السوري أو الثورة والمعارضة إنما الحل كما أقرته الأمم المتحدة والمسار السياسي منذ بيان جنيف واحد في حزيران 2012 حتى القرار 2254 “.
وأضاف أن الطرح التركي ينطلق من مصلحة تركية لتخفيف عدد اللاجئين وهي واقعية من جهة، ووهمية من جهة أخرى إذا اعتقد وزير الخارجية التركية أنه سيصالح المعارضة مع النظام ليحاربوا البي كي كي لأن الجانب الأمريكي هناك وهو لن ينسحب إلا بعد عملية سياسية.
ونتيجة تعقيدات المشهد، انتهى المتحدث بالقول: “الشمال السوري سيبقى كما هو، وأي اتفاق تركي مع النظام برعاية روسية سيبقى هذا الحل حلاً جزئياً، فضلاً عن أنه لا مصلحة لتركيا بخلق أي مشكلة في الشمال السوري لأن منعكساتها ستكون سيئة”.