التغيير ينحو منحى سلبيا هذه الأيام في الجزائر. كل شيء يبدو أنه توقف وتكلس، التغيير يكمن فقط في السلبيات والأخبار المزعجة، إلا بعض الفسحات من أمل ينشده الجميع، ماذا بعد الحوادث المميتة بالجملة على الطرقات والاختناق بالغاز والموت الغادر على أيدي الأقربين، ناهيك عن الأغراب، ماذا غير الأوبئة التي تأتينا من حيث لا ندري؟
لم نكن نهتم بأمر أنفلونزا الطيور والخنازير والسارس وكورونا الأول، هل كنا في مناعة سياسية واجتماعية وطبية عن كل تلك الأوبئة المثيرة للرعب؟ هل رعب فيروس كورونا الحالي هو سياسي واجتماعي وطبي؟ صحيح طلب العلم ولو في الصين، لكن لا رغبة لنا في المغارب أن يزورهم هذا الفيروس، ومع هذا نحن نجني تقارب جهات الكرة الأرضية، والتفاعل والاحتكاك بالثقافات والحضارات، فلا داع يلأن يشمت بعض رواد الفيسبوك بـ«ووهان» وما يحدث في الصين، لقد أصبحنا في سلة واحدة، البشرية محكومة بالتعايش إلا من يريد التعدي على أرضك وعرضك وإنسانيتك، وهذا ما ارتجت له منصات التواصل الاجتماعي وما ندد به الحراكيون ومختلف وسائل الإعلام حول «صفقة العار»، وصفاقة الصهاينة، فلماذا تأتي الرياح والأعاصير بما لا تشتهي قواربنا الهشة المصنوعة صناعة رديئة في الصين، وفي كل مرة ترمى لتستبدل بأخرى جديدة براقة تهوي من أول نسمات التغيير، ماذا تخبئ لنا هذه السنة بعد؟ الله أعلم!
مدرسة «العربي التبسي»
بفرح وأمل كبيرين، تناقلت وسائل الإعلام المكتوبة (جريدة المساء) والمرئية (البلاد) ومواقع التواصل الاجتماعي ما قامت به وتقوم به مديرة مدرسة نموذجية في ضواحي العاصمة الجزائر، مدرسة أعادت الأمل في تربية جيل وسط بيئة متناغمة صحية منفتحة على المجتمع من أوسع الأبواب، مدرسة حققت المستحيلات، فأصبح بإمكانها تحفيز التلاميذ على الدراسة وجعلهم يقبلون عليها بحب وشغف، في زمن تحولت فيه المدارس إلى مؤسسات عقابية ومؤسسات خاوية على عروشها في غياب المرافق الضرورية بها ومرافق الترويح عن النفس والإبداع.
نعم أصبح هذا ممكنا في فضاء جميل الألوان والمساحات باخضرارها وحيواناتها الأليفة ومياهها ومكتبتها للمطالعة المزينة بالزرابي والتحف والأواني التقليدية، نعم في ابتدائية «العربي التبسي» في مدينة «عين بنيان» غرب العاصمة توجد هذه المدرسة التي قد لا يوحي شكلها الخارجي بما تحتويه من جماليات ومرافق رائعة، «العربي التبسي» ضربت عصافير كثيرة في حجر واحد، قارورة بلاستيكية قد تصبح مقززة وهي تغزو الشوارع والحقول، لكنها وبعد إعادة تدويرها تدر أرباحا على الشركة وعلى المدرسة، نعم بنقود القوارير التي ترمى عشوائيا، والتي يحضرها كل تلميذ من بيته بتوجيه من الإدارة تحقق الحلم، هذا الفعل البسيط العبقري حول المدرسة لنموذج جمالي ومعرفي يستحق تقليده والاقتداء به ومسايرته وتحقيق ما حقق، الكل ساهم وشجع بما في ذلك الشركة، التي تقوم بإعادة تدوير البلاستيك، والتي كانت تشتري القارورات بمبالغ أكبر مما هو موجود في سوق «الخردة»، تستحق مديرته السيدة ياسمينة بن شاكر أن تكرم أيما تكريم وأن يكرم الأولياء الذين تفاعلوا مع رغبة المديرة وتم اشراكهم في المشروع طواعية، حولت هذه المديرة المدرسة من خراب إلى عمار، ومن مجرد أقسام باردة إلى فضاءات تنبض بالحياة والحميمية، فضاءات جاذبة حاضنة للتلاميذ، واستطاعت اشراكهم لتحقيق تلك الانجازات. مدرسة علمت التلاميذ وبالملموس معنى الاسترجاع وإعادة التدوير والمسؤولية وعدم التبذير، فالطعام الذي يبقى في الصحون يقدمه التلاميذ أكلا للأرانب والدجاج والبط، فأصبحت مدرسة العربي التبسي، نموذجية بمقاربة اقتصادية، ونرجو أن تصبح قدوة لغيرها من المؤسسات التربوية، التي تتقاعس عن التغيير نحو الأفضل بحجج كثيرة واهية، ها هي إرادة المديرة وتفاعل الأولياء معها وبسواعد وكفاءات عقود ما قبل التشغيل تتحقق المعجزات في المؤسسات التربوية، التي أصبحت مرتعا للإهمال وخراب المرافق وتكاسل كل السلطات من إدارة ومعلمين وأولياء ليزيدوها مأساة على مأساة، للأسف تحولت المدارس لمرافق للعنف وتعاطي المخدرات والمتاجرة بها، تحت عيون الجميع، الكل متورط حتى تتحسن المؤسسات التربوية وتستقيم، بالحب وبالمسؤولية والتضحيات البسيطة سيقبل التلاميذ على المدرسة والعلم والتحصيل، وسيتعلمون احترام المحيط والبيئة ويحافظون على حياتهم وحياة مختلف الكائنات، لأنهم يقومون بالزراعة والسقي وإطعام الحيوانات وينظفون المحيط حولهم، برافو لصاحبة المبادرة ولكل من تعاون معها، برافو لمن يرغبون في صناعة مواطنين أسوياء لمن يغيرون ولا ينتظرون أن تمطر السماء ورودا.
التنمر على أستاذ الإنكليزية بتطبيق «التيك توك»
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديو لتلاميذ يبثون مباشرة من القسم ومن حصة الإنكليزية ويقومون بالتشويش على الأستاذ وهو يشرح الدرس بتطبيق تقنية «التيك توك»، والأكثر من ذلك ازعاجه وازعاج بقية زملائهم بأصوات وعبارات تنمر على الأستاذ.
الأستاذ هنا يكمل شرحه بكل هدوء، وصبر أيوب ولم يشأ أن يعلق عما حدث، حتى عندما قرر التلاميذ مغادرة الصف وهم يلقون في وجهه كلاما جارحا، لم يعنفهم ولزم الصمت، لكن رواد مواقع التواصل الاجتماعي لم يصبروا على حجم الكارثة ومدى الإسفاف، الذي وصل إليه هؤلاء التلاميذ وفقدان قيم التربية وأهداف التنشئة الاجتماعية، كأن المجتمع أمام فشل ذريع لكل مؤسساته، وهم يفاجئونه بمثل هذه الفيديوهات، وما زال الكثير في جراب الحاوي إن لم نسارع للحد من هذه التصرفات اللا أخلاقية والقضاء عليها، والتي تهدد أمن الجميع وتنشر العنف في مختلف أشكاله، لكن الإدارة توعدت بمعاقبة التلاميذ الذين أهانوا الأستاذ حماني، أستاذ اللغة الإنكليزية في ثانوية «محمد مرجي» في «وادي العلايق» في البليدة، متحصل على شهادته من إنكلترا بدرجة ممتاز، ويعرف بحلمه وسعة صدره وتحمله للأذى، خبرة أكثر من ثلاثين سنة، أغلبها في الثانوية المذكورة، هو أيقونة من أيقونات التعليم الثانوي، وقد لاقى حملة تضامنية واسعة من طرف زملائه وأولياء التلاميذ واعتذارات كبيرة، كذلك تم تكريمه من طرف زملائه في القسم، وسط حضور مدير المؤسسة والتلاميذ، فيا جبل العلم ما يهزك ريح.
لينا بن مهني: ثقل الفقد والانتهاك
شغلت وفاة لينا بن مهني الإعلام في كل أشكاله في الداخل والخارج، كما نقلت وسائل التواصل الاجتماعي الحدث بتفاصيله وبإطناب في النعي، نظرا لمسيرة الشابة الحافلة بالنضالات على الرغم من جسدها الضعيف، الذي رفض الاستسلام للمرض والعجز، لينا أيقونة من أيقونات تونس اليوم، استاذة جامعية ومناوئة للوضع الأعوج، كانت بطلة في حياتها، وأريد لها أن تظل كذلك، بما حدث أثناء تشييع جثمانها إلى مثواه الأخير.
أول جنازة في التاريخ ترويها نساء ونعش تحمله زنودهن، وغنين لها أهازيج النضالات عوض تأبينيه الإمام.
جنازة نسوية لم تعرفها المجتمعات الأخرى، ومع كل هذا الانتهاك لقيم الدفن والتأبين، فالكل ترحم على لينا كما ينبغي الترحم وكعادة الناس من يرجون رحمة الله، التي تسع الجميع، دون الاهتمام بقضية اليمين واليسار، أريد لهذه القضية أن تأخذ مسارا آخر بتصريح للفنانة ليلى طوبال، الذي قالت فيه: «يا ربي نموت في الصيف باش صاحباتي يهزوني للجبانة زنودهم عرايا»، أيا كان التصريح لكنه تم سحبه من سياقه ليتلاءم مع الحدث، والذي تناقلته عديد المواقع والمنصات، وذكر موقع «كابيتاليس» أن هذا من ابداعات صحافي باحثا عن فتيل لإشعال الحقد حول مشاركة النساء في الجنازة: يجمّر تدوينة قديمة، دون وضعها في إطارها الزمني، كما جاء ذلك في توضيح ليلى طوبال، التي حزنت حزنا شديدا على لينا الصغيرة، علما أن تصريحها كان في سنة 2016 وليس مقترنا بوفاة لينا.
يبدو أن الجنازة كانت تحمل خطابا ضمنيا وعلنيا للجميع، لكن هل تخرج مثل هذه الخطابات النسوية عن سياق العنف اللفظي والمعنوي، هل القبول بطريقة الدفن والحمل على أكتاف الرجال للنساء سيصبح تهمة ضد النساء وتمييز بينهن تحت مسميات مختلفة وإن كانت مساراتهن في الحياة تليق بالأبطال؟! علقت الإعلامية عربية حمادي على استفزاز إحداهن لها: «توا أنا كيف ما يهزش نعشي نساء وكيف ما يغنوش في جنازني ومايزغرطوش، يودعوا جنازتي من باب الدار وزنودهن مغطية في الشتا ولا في الصيف وكيف يقرو على روحي قرآن وما يوقف ياخذ عزايا كان رجال عايلتي معناها مانيش حرة ومانيش شوكة في الحلق، التطرف بجميع أشكاله مقرف»؟!
هل ستكتب النسويات وصايا لكيف تكون جنازة الواحدة منهن؟ وهل تسارعت هذه الزنود البيضاء المكشوفة لحمل ضحايا نساء الخبزة، أم أن التضامن ليس للبشر، بل للمذاهب والايديولوجيات وللمكانة المركزية في المدن والفكر؟
وتبقى تونس الأغلبية لا تهمها جنسنة الزنود والأكتاف، ما يهمها إيقاف العنف الجسدي، الذي زاد واستفحل، ما يهمها الخبز والكرامة، وفي نهاية المطاف الموت حق وواحد، مهما تعددت أسبابه وطرقه، المهم أن تحفظ فيه كرامة الإنسان رجلا كان أو امرأة.
كاتبة من الجزائر