الناصرة- “القدس العربي”: واصلت قوات الأمن الإسرائيلية اعتقال العشرات من فلسطينيي الداخل على خلفية مشاركتهم في الهبة الشعبية الفلسطينية الشاملة طالت جرحى مصابين بالرصاص فيما يؤكد قادتهم أن إسرائيل تبحث عن الانتقام والترهيب بينما قال تقرير بحثي إن هذه الاعتقالات جزء من منظومة استعمارية سبق وطبقتها الولايات المتحدة ضد الأمريكيين السود.
وكانت الشرطة الإسرائيلية أعلنت في الرابع والعشرين من أيار 2021، عن إطلاق عملية اعتقالاتٍ مُوسعة في مناطق 1948، تهدِفُ إلى اعتقال المتظاهرين الذين شاركوا في “أعمال الشغب” أغلبيتهم الساحقة من العرب. ورسميا تندَرجُ العملية في إطار استعادة القانون والنظام في إسرائيل، ولكن الواقع أن العملية تستهدفُ الفلسطينيين تحديدا وترهيبهم والتقاط صورة انتصار عليهم ولا تلتفتُ في خلفيتها السياسية أو الأيديولوجية إلى حقيقة ارتكاب المستوطنين وهذا ما يجمع عليه قادة فلسطينيي الداخل.
الهدف غير المُعلَنُ للعملية الأمنية، هو “تصفية حساب” مع “العناصر الإجرامية” الناشطة في القطاع العربي لكنها في الواقع تستندُ إلى خلفية عرقية أيديولوجية عنصرية
ويشير المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” إلى أن الصهاينة خلال الهبة الأخيرة، ارتكبوا عدة جرائم منها إطلاق النار على الشهيد محمد كيوان (17 عاما) من أم الفحم وقتل الشهيد موسى حسونة من اللد. وبحسَب وصف وسائل الإعلام الصهيونية مرة أخرى، فإن الهدف غير المُعلَنُ للعملية الأمنية، هو “تصفية حساب” مع “العناصر الإجرامية” الناشطة في القطاع العربي لكنها في الواقع تستندُ إلى خلفية عرقية أيديولوجية عنصرية تندرج في إطار السياسة الصهيونية المعتادة التي تتعامل مع الفلسطينيين في الداخل على أنهم خطر أمني على الدولة، أو طابور خامس، أو “حصان طروادة قومي”، يعملُ من الداخل على زعزعة أمن ونظام “الدولة اليهودية”.
وبهذا المضمار يقول “مدار”: على المرء أن يسأل، قانون مَن، وأي نِظام؟” هذا كانَ سُؤال الكاتب الإفريقي الأمريكي جيمس بالدوين في العام 1964، للخطاب السياسي الأمريكي الرسمي والمؤسسة الأمنية الأمريكية البيضاء التي كانت تعملُ على تفتيت، شرذَمة وتصفية حركات الحقوق المدنية، والاحتجاج ضد حرب فيتنام، وحركات يسارية ولاتينية أخرى، تقاطعَتْ نضالاتُها السلمية وغير السلمية ضد السياسات العرقية العُنصرية القمعية التي اتبعتها المؤسسة الرسمية الأمريكية في مواجهة كل المجموعات من غير البيض، منوها أن تلك كانت فَتَرة عصيبة على المؤسسة الأمنية الأمريكية التي طورت نوعا من الأيديولوجيا الداخلية وصنفَت الأمريكي الأفريقي الأسود والمجموعات اليسارية الماركسية المُعادية للنظام الرأسمالي كخطر أمني يمس بصميم الحياة الأمريكية، وأعداء للشعب الأمريكي وتقاليده الاجتماعية العريقة، وطابور خامس يتعاون مع العدو الشيوعي السوفييتي من الداخل كـ”حصان طروادة القومي” العربي في إسرائيل الذي يشكلُ تهديدا أمنيا وعسكريا بالتعاون مع جهاتٍ خارجية.
ويشير إلى أن هذه الأيديولوجيا شكلت مُبررا ومحفزا لاستخدام أساليب تجسسية، وتنفيذ عمليات مخابراتية ضد هذه المجموعات من جهة، واستخدام القمع الشرطي العنيف بشكلٍ مُفرط في مواجهة التظاهرات مثلما حدَثَ في فض تظاهرات شيكاغو العام 1968 التي تبعت اغتيال القائد السياسي الأمريكي الأسود، القس مارتن لوثر كينغ.
وحسب التقرير يعودُ تاريخ المنطق الأمني في التعامل مع الفلسطينيين إلى ما قبل نكبة عام 1948، منذُ أن بدأ الييشوف الصهيوني في بناء الكيبوتس الاستيطاني على شكلِ ثُكَنٍ عسكرية، لحماية المشروع الفلسطيني من العدو العربي وإعدادا لنكبته العام 1948. لكن حُلُمَ بن غوريون والقيادات الصهيونية لم يتحقق بشكلٍ كامِلٍ وبقيت أقلية فلسطينية مما أدى إلى نُشوء ما اصطُلح على تسميته في الأدبيات الصهيونية بالتهديد الديموغرافي الذي شكل حافزا لمشاريع تهويد القُرى والمناطق العربية مثل الجليل والمثلث وغيرها من المناطق التي تسود فيها أغلبية عربية.
شكل الحكم العسكري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي الإطار العام للمنطق الأمني الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين في الداخل المحتل
وقد شكل الحكم العسكري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي الإطار العام للمنطق الأمني الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين في الداخل المحتل، وهو الإطارُ الذي تم فرضهُ على جميع مناحي الحياة، وأدى إلى إخضاع كل من تبقى من الفلسطينيين إلى الرقابة الأمنية، إضافة إلى الملاحقات الأمنية السياسية للتيارات السياسية الفاعلة آنذاك كالحزب الشيوعي وغيره من الحركات السياسية.
وبحسَب سياسيين وباحثين عرب من أراضي 48، فإن وضع الفلسطينيين في خانة التهديد الأمني أو الخطر الأمني في الأدبيات الإسرائيلية يأتِي بهدَفِ شرعنة التعامل الأمني معهم وتبريره. لكن “مدار” يقول إن هناك جانبا آخر للملاحقة الأمنية يُغفَلُ عنه، وهو أن موضعة الفلسطينيين في سياقٍ أمني، في مجتمعٍ إسرائيلي يُسيطِرُ عليه الهاجس الأمني، يُشَرْعِنُ ملاحقتهم الأمنية والسياسية في نظر المجتمع الإسرائيلي اليهودي الذي ينظُرُ إلى القيمة الأمنية كقيمة عُليا أكثر أهمية من أي قيمة أخرى كحقوق الإنسان، المُواطنة، المساواة أو أي قِيَم أخرى قد يتم نقاشها في سياق نقدِ الممارسات الصهيونية الأمنية بحق الفلسطينيين في الداخل.
ومثلما كان المنطق الأمني مهيمنا في السياسة الأمريكية الرسمية في التعامل مع السود لغاية الحفاظ على أهداف أيديولوجية وسياسية ومصلحة سيطرة المجموعة الإثنية المهيمنة – البيض في أمريكا واليهود في إسرائيل – كذلك استخدِمَ المنطق الأمني للحفاظ على هيمنة المجموعة العرقية المسيطرة في إسرائيل على حساب مجموعة أصلانية هي الفلسطينيون، وعلى حساب مواردهم وقدرتهم على تنظيم وحماية مجتمعاتهم.
ويرى “مدار” أنه على غرار ما فعلته المؤسسة الأمنية الأمريكية مع السود فإن الحرب التي تشنها الشرطة الصهيونية ومن خلفها المؤسسة الاستعمارية على المجتمع العربي بعد كل حِراك، هبة أو انتفاضة شعبية تُوحِي بقدرة المجتمع العربي على تنظيم نفسه وعودته إلى التأكيد مرة بعد الأخرى على هويته الوطنية الفلسطينية، منوها أنه حتى اللحظة، قالت الهيئة العربية للطوارئ المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، إنها رصدت أكثر من 2000 حالة اعتقال و300 حالة اعتداء على مواطنين عرب أو على ممتلكات بحيازة مواطنين عرب خلال الأحداث الأخيرة. وكذلك أشارت إلى أنه منذ بدء عملية “النظام والقانون”، يتم بمعدل يومي اعتقال 100 مواطن عربي وبالأمس اعتقلت الشرطة الإسرائيلية العشرات من فلسطينيي الداخل بعضهم جرحى بحالة صحية سيئة من بلدة كفركنا.
هذا بالإضافة إلى اعتقال القيادات الفلسطينية ومن بينها الشيخ كمال الخطيب خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر أيار، واستدعاء العديد من النشطاء الميدانيين من قبل جهاز المخابرات- الشاباك وتهديده للقيادات العربية في الداخل بضرورة عدم التحريض على المشاركة في المظاهرات والعمل على إيقافها.
لكن الجسم الاستعماري الأكثر حضورا وفعالية في أحداث الهبة الأخيرة في الداخل وفق تقرير “مدار” كان عصابات المستوطنين مثل “لا فاميليا” وغيرها من العصابات التي أظهرَت نزعة تنظيمية عنصرية استهدفت الوجود الفلسطيني في الداخل وفي الضفة الغربية لسنواتٍ من قبل. لكنها خلال الهبة الأخيرة أظهرت نزعة أشد تطرفا لتحويل حياة الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية إلى حياةٍ عارية مُطلقة من خلال ممارسات إحراق المنازل، إطلاق الرصاص والشعارات المنادية بموت العرب، إحراق الممتلكات التجارية وسرقة المنازل والأراضي وغيرها من الممارسات الاستيطانية المدعومة من قبل المؤسسة الصهيونية الرسمية.
ويتابع “مدار”: “ربما يكونُ ما قاله الرئيس الأمريكي السابق كالفين كوليدج مُعبرا بشدة عن منطق قانون يهودية الدولة وبقية القوانين الإثنية العنصرية الصهيونية التي تُفرَضُ على الفلسطينيين في الداخل: “القوانين ليست مُصنعة، إنها لا تُفرَضْ؛ بل هي قواعد أبدية للوجود؛ وذلك الذي يُقاومها، يُقاوم نفسه، إنه انتحاري… أن تُطيع يعني أن تعيش، أن تعصي يعني الموت”، مرجحا أن تكون هذه الكلمات مُقتطعة من سياقها، لكنها تنتَمي بالعموم إلى خطاب “النظام والقانون” الاستعماري، وفي حالة النظام الصهيوني، يمكنُ رؤية تقاطعاتٍ بين هذه النبرة الاستعمارية ومثيلتها الصهيونية في كلمات وتهديدات الحقوقي دكتور شلومو تسيدق، في مقاله الذي نشره هآرتس تعقيبا على احتجاجات الفلسطينيين في الداخل ضد الحرب على قطاع غزة العام 2009: “الرصاص اليهودي المسبوك، يلزم عرب إسرائيل بالخروج من الخانة القومية. فإما أن يكونوا هنا أو أن يكونوا هناك… ليعرفوا أنفسهم مثلما يرغبون، لكن عليهم أن يحذروا من مغبة التحول إلى حصان طروادة القومي… على جميع مواطني إسرائيل التعبير عن ولائهم للدولة… ومن ليس في مستطاعه أن يكون شريكا في هذه الديموقراطية، لأنها تتناقض مع هويته القومية، فليذهب إذا وليهاجر إلى دولته الجديدة، وغزة هي خيار فعلي”.
ويشير التقرير أيضا إلى خطاب بنيامين نتنياهو في الكنيست العام 2009، عندما كان لا يزال زعيما للمعارضة بزعامة حزب الليكود آنذاك: “أقول لعرب إسرائيل أن تقيأوا المتطرفين من داخلكم، وحافظوا على نسيج التعايش بيننا؛ وللمتطرفين أقول: حاذروا، فسوف نعمل بيد من حديد ضد مؤيدي حماس في داخلنا… نحن نطالب جميع مواطني إسرائيل بالولاء التام للدولة، ومن ليس لديه الولاء التام للدولة التي يعيش فيها، سيجدُ صعوبة في المطالبة بجميع الحقوق من الدولة”.
يشار إلى أنه خلال تلك الحرب مارست أجهزة الأمن الإسرائيلية الملاحقة الأمنية ذاتها للناشطين الفلسطينيين في الداخل كما لجأت المؤسسة الأمنية الصهيونية إلى الملاحقة الأمنية خلال حرب لبنان الثانية عام 2006 والقائمة تطول.
وعن ذلك يقول التقرير “أن تُطيع، إذن، في إسرائيل، يعني أن تعيش، أما أن تَعصي، فيعني الموت أو السجن؛ ولكن، بالعودة إلى سؤال بالدوين الأول: أن تُطيع قانون من، وأن تخرُجَ عن أي نظام؟ فإن الحملة الأمنية الأخيرة، والتي سبقها تعامل أمني عنيف مع تظاهرات الفلسطينيين في المدن، وصلَ إلى حد دعوة نتنياهو إلى إدخال الجيش الإسرائيلي إلى المدن بالتوازي مع الظهور الأكثر وضوحا لخطَر عصابات المستوطنين الصهاينة بصفتهم رأس الحربة الفعال للمشروع الاستعماري الصهيوني؛ تؤكد على ثلاثةِ أمورٍ أساسية: أولا، أن المؤسسة الصهيونية الاستعمارية كانت ولا تزالُ تنظُرُ إلى العربي بوصفهِ خطرا أمنيا.
ثانيا، أن مشاريع التعايش في الداخل المحتل لم تفشل فحَسْب، بل هي لم تكن موجودة أصلا، فقد فضَلت السلطات الاستعمارية الصهيونية، مثلما فضلت نظيرتها الأمريكية من قبل، المنطق الأمني في التعامل مع الأقلية الإثنية على التعامل السياسي والاجتماعي.
وثالثا: يُدللُ تكرار ممارسة الملاحقة والتعامل الأمني، والأكثر من ذلك تصاعد حدة هذه الممارسة وظهور عصابات المستوطنين كفاعل رئيس إلى جانب المؤسسة العسكرية والأمنية الاستعمارية، على أن المشروع الاستعماري نفسه يدخُلُ في طور تاريخي لم يعُدْ فيه قادرا حتى على التظاهر ولو بالقليل من الديمقراطية الشكلية أو التظاهر بالرغبة في السلام مع الآخر العربي، ولكنه يعود إلى حيث بدأ، إلى الرغبة في الإزاحة والقتل”.