مريم الشّعار: المخيمات بحر أفكار ونساء فلسطين يبحثن عن العمل وتحقيق الذات

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: شكل مركز البرامج النسائية في مخيم برج البراجنة بارقة أمل لمجموعة ملحوظة من النساء والفتيات، وأحدث تغييراً في حياتهن لم يكن يراودهن سوى في الأحلام. يقع المركز في مخيم مساحته كلم مربع واحد، ويضم خمسين ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين. مكان تلف ناسه الغربة ومشاعر الإكتئاب. فالعمل ممنوع عليهم في مئات المهن، وبيئة المخيم الضيقة، وبنيته التحتية والفوقية تلعب دورا سلبياً في حياة ساكنيه.

مريم الشعّار مديرة مركز البرامج النسائية في مخيم برج البراجنة، وأمينة سر الجمعية في مخيمات اللاجين التسعة في لبنان، تعمل منذ 13 سنة على دعم النساء في المخيم، ومحاولة إيجاد فرص عمل لهن. المشاريع عديدة، وجميعها يخدم ناس المخيم ونسائه خاصة، لكن مشروع “سفرة” كان المفاجأة غير المتوقعة. نجاحه المميز دفع لتصوير فيلم عن المشروع ومولوده الحديث “فود تراك” الذي يتواجد حيث المناسبات الكبيرة.

مع مريم الشعّار كان هذا الحوار:

*لنتعرّف إلى مركز البرامج النسائية؟

** نحن جمعية حازت علماً وخبراً لبنانياً، نستهدف النساء اللاجئات، وليس بالضرورة أن يكنّ فلسطينيات فقط. تطال برامجنا الفئات القريبة من مراكزنا، بحيث نعمل لتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً. مؤخراً بدأ العمل على العامل النفسي بهدف تحسين وضع الأسرة ككل. فمعالجة المشاكل النفسية للمرأة تنعكس على أطفالها وزوجها.

*ينتشر مركز البرامج النسائية في تسعة مخيمات فكم عدد النساء اللواتي يعملن معهنّ؟

** يتميز مركز البرامج النسائية بعمله في مجالات متعددة، منها التعليم حيث ندير روضات ومراكز تعليم. في كل مركز حوالي 300 طفل مما يعني الفائدة لـ300 أم. وتتواجد مطابخ “سفرة” في كافة المخيمات. المستفيدات من المطابخ الحديثة العهد بحدود عشرة، وفي مطبخ برج البراجنة بين 30 و40 سيدة. ولدينا برنامج قروض للمشاريع الصغيرة، أو للاستهلاك، وعدد المستفيدين بالآلاف، 80 في المئة نساء. إضافة لمدرسة تدريب مهني.

*كم يمد هذا النشاط النساء بالإندفاع وكم أحدث فرقاً في حياتهن؟

** مُثبت منذ اللجوء انفتاح المرأة الفلسطينية على العمل المنتج. لم يُقصها الرجل ولم تقص نفسها. والرجل غالباً يدعم عمل المرأة. لاحظنا مؤخراً أن حوافز عمل المرأة ليس فقط تحسين الوضع الاقتصادي، بل الحضور في بيئتنا النشطة. بتنا نسمع “فلانة معكم لما أنا لا”؟ كبر أطفالي لماذا لا أكون معكم؟ أنا لم أتزوج فلماذا لا أكون منتجة ومفيدة لمجتمعي؟ هؤلاء النساء شكلن حافزاً للبحث عن برامج عمل لم يخضنها سابقاً. النساء تمدنا بالأفكار، ويسألنّ “يللا ناطرينك شو في جديد”؟

*وما هي أفكار النساء؟

**عبّرن عن رغبتهن في وجود ناد اجتماعي ورياضي يجمعهن، وهذا نتيجة ثقتهن بنا وبعلاقتنا الندية المتبادلة، وعن رغبتهن بالتغيير للأفضل. النساء صاحبات قرار معنا.

*وهل تعود فكرة “فود تراك” للنساء؟

** طرحت صبية من العاملات معنا فكرة المطعم النقّال كونها شاهدته خارج لبنان. شرحت فكرتها ولاقت الترحيب من العاملات في “سفرة”. خشيتي كانت شديدة من الفكرة وهنّ حمّسنني. لم أتصور سهولة حضور النساء على متنه بعيداً عن عائلاتهن. تأخر التنفيذ، وبعد انجازه بكافة المواصفات المطلوبة، وبعد الحصول على كافة الأوراق الرسمية، بات حقيقة.

*هل تقود “فود تراك” سيدة؟

**بل سائق حتى الآن، تعلّمت سيدة القيادة، وستكون وراء المقود في أقرب مهمة للسيارة.

*أليست “فود تراك” مهنة ممنوعة على اللاجئين الفلسطينيين؟

** مركز البرامج النسائية يحمل علماً ومسجل كجمعية لبنانية. المساهمون بنسبة 75 في المئة هم لبنانيون، و25 في المئة فلسطينيون.

*متى انطلق “فود تراك” إلى الشارع؟

** أطلق قبل أن ينتهي إنجازه بالكامل في نيسان/ابريل 2017 وبدأ حركته في محيط المعارض والمناسبات في الحمراء وغيرها من الشوارع سنة 2018. وتواجد في مناسبات كبيرة في البقاع. يحتاج “فود تراك” إلى مكان يرتاده جمهور بالمئات كي يغطي تكاليفه. ولهذا بات تسويقه بعهدة موظفة مختصة.

*من موّل المشروع؟

** طُرحت الفكرة في وجود زائرة من مؤسسة “الفنار” فبادرت لتبنيها والمساعدة في تقديم السيارة. أسس موقع لجمع التبرعات عبر الإنترنت ومن خلال مؤسسة الفنار. تلقينا أولاً تبرعاً في حدود 40 ألف دولار، وأعيدت الكرّة لجمع المزيد. فالتراك كلّف 110 ألاف دولار. وأنجز فيلم يحكي مشواره بدءاً من الفكرة، مساره القانوني، والمكان المستأجر المخصص له في حارة حريك قريباً من المخيم. وأسسنا شركة “زاد كوم” للتمكن من تسجيله. فمركزنا لا يبغي الربح لا يحق له تسجيله. صمم “فود تراك” شركة أفينوكس اللبنانية بعد وصول الشاحنة الصغيرة من شركة السيتروان التي عادت وتبرعت ببدله بعد إنجازه في لبنان وفق المطلوب.

*يحتاج لهندسة ميكانيك خاصة؟

** وهذا ما أنجزته شركة أفينوكس في بيروت من البراد، والجلاية، والكهرباء، والماء الحلو وغيرها. بين الفكرة والتجهيز استغرق المشروع سنة ونصف، شغلت الجميع. لهذا قلت في الفيلم التسجيلي، أني كنت حاملاً بالـ”فود تراك” وولدته في فترة حمل مضاعفة تقريباً.

*ما هي ردود الفعل على وضعه في الشارع؟

**مدّنا مشروع “سفرة” بشهرة كبيرة لم تكن لنا رغم عمر الجمعية الطويل، فهو الأول في المخيمات الفلسطينية، “فود تراك” زادنا شهرة، خاصة مع إنجاز الفيلم الذي عرض في العديد من الأماكن في العالم. “فود تراك” فكرة جديدة كلياً خاصة وأنها في عهدة السيدات.

*بماذا يحدثك كمديرة للمركز نجاح أي مشروع؟

** كلما نجح مشروع أفكر بالتالي. لا نتعب في إيجاد الأفكار، فاحتياجات المخيمات بحر. المهم التخطيط والعمل الصحيحين من قبل مجموعة متعاونة.

*كيف ولد فيلم “فود تراك”؟

** صُدمت حين شاهدته. تصورته وثائقياً ورسمياً جداً. وإذ به فيلم يمتد لساعة فيه الكثير من الدراما، ويركز على مريم.

*ألم يرُق هذا لك؟

** صراحة أبداً. لو سُئلت من جديد الظهور في هذا الفيلم والتركيز على شخصي، لرفضت. المخيمات تضم مئات المريمات. ومن المؤكد وجود امرأة تعمل أكثر مني، وأنا أتعلم ممن سبقنني. الفيلم عفوي وطبيعي، يروي تجاربي في العمل. نحن مجتمع محافظ ولم يسبق ظهور نساء في أفلام.

*هل شاهد والداك الفيلم؟

**لم يُعرض محلياً على نطاق واسع، لكني قلقة نسبياً منه فسيعرض في لبنان في الرابع من آذار/مارس، ووالديَ داعمان لي. حين عُرض خارج لبنان حصد ردوداً ايجابية. بصراحة في نهايات الفيلم انتبهت لتركيزه على شخصي، فخيرني المخرج بين التوقف والمتابعة. لم يكن التوقف لطيفاً خاصة وأنه بدأ بقضايا اللجوء والمخيمات. نتمنى لو تتم مشاهدة الفيلم على نطاق واسع، وأن يساهم في بعض الحلول من خلال المساعدات.

*كيف تمّ تمويل إنتاج الفيلم؟

** وضعت مؤسسة الفنار صاحبة فكرة “فود تراك” مشروع إنتاج الفيلم على شبكة الإنترنت فتواصل معهم المخرج توماس مورغان مبدياً رغبته في العمل، وتبرعت الممثلة الأمريكية سوزان سلاندر بالإنتاج. سلاندر ستحضر الفيلم في بيروت، ونأمل أن تزور المخيمات.

*هل تطمحون كمركز لحل كافة مشاكل النساء؟

**أعتقد أنه طموح غير واقعي، فليس في وسع الأونروا تقديم حل متكامل لأي مشكلة. علّمتنا دورات التدريب والتأهيل الفصل بين المشاكل الموجودة وقدرتنا على الحلول كي لا نصاب بالإكتئاب. نحن نساهم بحلول لجزء من اللاجئين. عمل 40 سيدة في مشروع يعني مساعدة 40 عائلة. افتتحنا روضة الأطفال فاستجدت وظائف لعشر معلمات، وعاملات نظافة. أولويتنا فرصة عمل لأرملة أو مطلقة. أي البحث عن الكفاءة والأكثر حاجة.

*وماذا عن المبادرات الجديدة؟

**مؤخراً أنشأنا درجاً يساعد على تخفيف عبء وصول كبار السن إلى العيادة. كما رفعنا شرائط الكهرباء المتدلية فوق الرؤوس. والآن مرحلة الدهان. والهدف تحسين نسبي للبيئة في محيطنا.

*ما هي الدروس التي تعلمتها من اللواتي أحدث المركز فرقاً في حياتهن؟

** كثيرة. ميز الصبر حياتي، ومع مهماتي المهنية تمرّست به أكثر. قبل عملي كان الأمل يتبدد سريعاً كما الجميع. حالياً أتعامل مع الأمور بشكل مختلف. أشجع دائماً فريق العمل بالنظر للبعيد، ولا شك بوجود ضوء صغير. كبر إصراري لتحقيق ما أؤمن به. وهذا ما حدث مؤخراً مع مشروع “فود تراك” أصرّ الجميع لتنجح الفكرة.

*أعرف أن الإصرار صنفك بين النساء الأهم في العالم؟

**صحيح كنت من بين مئتي امرأة ناجحة في العالم في الكتاب الذي صدر في العام 2018. لا أفقد الأمل وأشجع الآخرين لعدم فقدانه. نحن الفلسطينيون ليس لنا عيش دون أمل.

*هو الأمل في العودة؟

**بل قناعة وتحصيل حاصل. هذا اليوم أكيد.

*كيف تعبر النساء العاملات عن الإختلاف في حياتهنّ؟

** قالت إحداهن “يكفي أني بت أرتدي ملابسي بعد ركنها لسنوات”. تقول أخرى “بات عندي هدف يومي يحمسني”. بعضهن يطلبن زيارة مطبخ سفرة خارج دوام عملهن. فسفرة خلقت لهن أجواء أسرية. ومن هنا جاءت فكرة النادي الرياضي والاجتماعي، فالمؤسسة باتت منزلهن الثاني ومتنفساً. وبات للنساء العاملات مجموعة عبر واتس أب، ويتبادلن الزيارات.

*هل كافة العاملين في مؤسساتكم نساء؟

** بل الرجل موجود. يعمل بعضهم في التدريس. فنحن ندير مدرسة خاصة للمتسربين من التعليم بهدف تقويتهم، بالتعاون مع مؤسسة “أنيرا” اللبنانية.

*هل من مؤسسات أخرى تتعاونون معها؟

** ثمة لجان مجتمعية للسيدات والفتيات تتعاون مع مؤسسة أبعاد اللبنانية في مكافحة العنف والتحرش الأسري والزواج المبكر، ونتائج عملهما رائعة من خلال العمل المسرحي الذي يطال كافة المدارس.

*هل من أطر للتعاون مع المؤسسات الدولية؟

** نسعى لمشاريع تخدم مجتمعنا، وتحترم عاداتنا وتقاليدينا ولا تفرض علينا ما لا يناسبنا. مزيد من العلاقات مع مؤسسات المجتمع المحلي أو الدولي يؤدي لمزيد من الخبرة عبر التدريب في لبنان والخارج.

*هل تعيشون هاجس توقف دعم المشاريع؟

** القلق دائم، و”الأونروا” تعاني ضعف التمويل منذ سنتين. ولهذا نحاول تأسيس مشاريع منتجة كما “سفرة” التي تعود لأربع سنوات مضت. فسفرة فاجأنا بطلبيات قبل أن نجهز. استقبلنا زائراً ايطالياً علم بسفرة، ولاحقاً كان لديه تدريب في مكتب تابع لسفارة بلده، فطلب الطعام منا. تحمسنا، وأنجزنا الطلب دون ثقة في ذاتنا، ونجحنا. ومن ثم توالت الطلبيات. وكان الحل بالتواصل لحظة بلحظة مع المدربة جيهان. وضعنا مخطط عمل المطبخ بطموح إعداد ثلاث طلبيات في الشهر. أصرت المشرفة على التخطيط على 15 طلبية. المفاجأة أننا غالباً نبيع أكثر. نبحث حالياً عن مكان أوسع للمطبخ وعلى أطراف المخيم تسهيلاً لنقل الطلبات، وتلبية المزيد. ونبحث فكرة “الطبق اليومي” للمؤسسات. منتجاتنا في غاية الجودة وأسعارها مدروسة. فالتحدي كبير لأننا في المخيم. وتتعاون سفرة نتعاون مع سوق الطيب كل يوم أربعاء. وكانت لنا مشاريع خاصة بالغذاء الصحي مع الجامعة الأمريكية في بيروت. ومن الزبائن الدائمين “الأونروا” وهيئة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

*في الختام؟

** نجاحنا ناتج عن الأوضاع التي نعيشها. وبالفطرة يتعلم الفلسطيني من جيل لجيل العمل والصبر والأمل. والأمل أن نقوم بهذه المشاريع في بلدنا قريباً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية