مساعدات جوعى غزة بطعم الموت وممر مائي بجثث الشهداء ومساعدات جوية قاتلة

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: لم تعد الصواريخ وآلات الحرب الإسرائيلية هي وحدها من تفتك وتقتل بسكان قطاع غزة، فهناك أيضا الجوع الذي سببته الحرب التي تقترب من دخول شهرها السابع، يعتبر عاملا جديدا يهدد حياة آلاف السكان، خاصة أولئك القاطنين في مناطق مدينة غزة وشمالها، ممن يفرض عليهم إسرائيل حصارا محكما، يحول دون وصول المساعدات الإنسانية، فيما باتت الطرق المتبعة في محاولة سد جوع هؤلاء، وسيلة أخرى لحتفهم.

المجاعة تتفاقم

يوما بعد يوم تزداد المأساة في قطاع غزة، فيرتفع مع مرور كل يوم عدد الجوعى، ومن يعانون من سوء التغذية، ومن يقضون بسبب عدم توفر الطعام والشراب لهم، خاصة من كبار السن والمرضى والأطفال، فيما تهدد المجاعة سكان القطاع بحلول شهر أيار/مايو المقبل، حسب التقارير التي نشرتها جهات إغاثة دولية، في حال أبقت سلطات الاحتلال على سياستها الحالية من الحصار المحكم، الذي يتحكم في كمية المساعدات القليلة التي تمر للسكان، والتي يغمس معظمها بدماء الجوعى الذين يقتلهم جنود الاحتلال خلال انتظارهم وصول المساعدات.
ويعود ذلك لسياسات الحصار المحكم الذي فرضته حكومة الاحتلال على سكان قطاع غزة، منذ اليوم الأول للحرب التي بدأتها يوم السابع من أكتوبر الماضي، فبعد أن منعت عنهم دخول الماء والكهرباء والوقود والأطعمة بشتى أنواعها، سمحت بعد نحو شهر من الحرب، بدخول كميات قليلة من المساعدات الغذائية لا تكفي احتياجات أقل من ربع عدد السكان البالغ أكثر من 2.2 مليون نسمة، ويعانون بسبب الحرب حاليا من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل كبير جدا.
فبعد أن كان يمر يوميا قبل الحرب أكثر من 550 شاحنة من المعابر البرية، سواء ذلك الذي يربط غزة بدولة الاحتلال وهو كرم أبو سالم، أو الذي يربط غزة بمصر وهو معبر رفح، والتي كانت تقل أنواعا مختلفة من الأطعمة ومستلزمات الحياة في قطاع غزة، في الظروف العادية، لم تعد تسمح سلطات الاحتلال في وقت الحرب رغم ارتفاع معدلات المجاعة، سوى بمرور أقل من 100 شاحنة يوميا من تلك المعابر، من بينها شاحنات لا تقل مواد غذائية.
ومن مجمل هذه الشاحنات التي يسمح الاحتلال بمرورها، وهي قليلة جدا، حسب ما توكد المنظمات الإغاثية التابعة للأمم المتحدة، يسمح بالقليل القليل منها بالوصول بعد عناء كبير إلى مناطق مدينة غزة وشمالها، وهو أمر خلق هناك أزمة كبيرة وخطيرة في الجوع، مات بموجبها أطفال ورجال مسنون، فيما العدد مرشح للزيادة مع مرور الأيام، ليصبح مجاعة عامة يكتوي بنارها نحو 700 ألف مواطن، ما زالوا يقطنون تلك المناطق، ولم ينزحوا قسرا إلى مناطق وسط وجنوب القطاع، كغيرهم من السكان.

عقاب إسرائيلي

وبدا أن الأمر في ذلك مرده عقاب إسرائيلي متعمد لهؤلاء السكان الذين رفضوا تهديدات جيش الاحتلال التي طلب منهم بعد أسبوع من الحرب ترك تلك الأماكن والتوجه إلى ما بعد جنوب وادي غزة، وهو أمر يظهر من خلال استهداف منتظري المساعدات عند اجتيازها نقاط التفتيش الإسرائيلية التي تفصل بين شمال وجنوب القطاع، بالنيران والقصف المدفعي، وتحديدا عند دوار الكويت، ودوار النابلسي، في عدة حوادث أوقعت الكثير من الشهداء، بينهم أكثر من 100 سقطوا في مجزرة واحدة خلال انتظارهم الحصول على الدقيق قبل نحو شهر عند دوار النابلسي، وقد ظهرت وقتها صور متداولة للمجزرة، وكيف عجن ذلك الدقيق بدماء الضحايا.
ومؤخرا وبعد إنذارات المنظمات الأممية التي توقعت حدوث مجاعة كبيرة وحقيقية في قطاع غزة خاصة في مناطق الشمال، بحلول شهر أيار/مايو المقبل، في حال بقيت أزمة الغذاء على حالها، سمحت سلطات الاحتلال بعمليات إنزال جوية وأخرى بحرية، غير أن هذه العمليات وحسب تأكيدات الأمم المتحدة التي تشرف على إدارة معظم المساعدات، غير مجدية، لقلة حجمها مقارنة باحتياجات السكان هناك، خاصة وأن مجمل من يلقى من الجو يوميا من طرود غذائية، أو تلك العملية التي جرى فيها إنزال مساعدات عبر «الممر المائي» مع قبرص، يعد أقل من حمولة شاحنتين من المساعدات التي تدخل برا.
وإضافة إلى قلة حجم هذه المساعدات، فإن عمليات إنزالها، تسببت في مقتل الكثير من المواطنين، ممن يهرعون إلى مناطق وصولها للحصول على ما يسد جوع أسرهم.

إنزالات جوية عشوائية

فمن هؤلاء من قضى بسبب نزول المساعدات الجوية على رؤوسهم، وآخرون قضوا بسبب نزول حمولة المساعدات على خيام نزوحهم، ومنهم من قضى غرقا عندما انحرفت تلك المساعدات التي تنزل عبر مظلات ووقعت على بعد مئات الأمتار في البحر.
وفي تعليقه على هذا الأمر غير المجدي في إنزال المساعدات للسكان، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان «من غير المعقول أن مئاتٍ من الفلسطينيين ممن نجوا من القصف والرصاص الإسرائيلي، أو الموت جوعًا في قطاع غزة يموتون بسبب عشوائية دخول المساعدات الدولية، إما من خلال سقوط مباشر للمساعدات فوق رؤوسهم أو نتيجة موتهم غرقًا خلال محاولة الحصول عليها، أو خنقًا ودعسًا بسبب التدافع».
ويؤكد المرصد في تقرير نشره تناول عمليات إنزال المساعدات، أن تكرار سقوط ضحايا في مدينة غزة وشمالها بفعل إلقاء الإمدادات الإنسانية من الطائرات أو بإدخال الشاحنات دون توفير تأمين «يتطلب تدخلًا عاجلًا من المجتمع الدولي لإيجاد آليات ملائمة تضمن وصولها لمحتاجيها الجياع بما يصون كرامتهم ويحفظ حياتهم، في ظل جريمة الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي».
وقد جاء ذلك بعد وفاة 18 مواطنا الأسبوع الماضي، بينهم 12 قضوا غرقا بعد أن علقوا في حبال مظلات طرود مساعدات ألقتها الطائرات وسقطت في البحر قبالة ساحل شاطئ شمالي قطاع غزة، ليضافوا إلى آخرين قضوا في حوادث سابقة، وعشرات المواطنين الذين أصيبوا بجراح وبحالات اختناق خلال محاولة الحصول على تلك المساعدات.
المرصد أكد أن الجيش الإسرائيلي يتعمد بشكل شبه يومي إطلاق النار تجاه منتظري المساعدات واستهداف القائمين على حمايتها من اللجان الشعبية أو أفراد الشرطة، وهو ما أدى حتى الآن إلى مقتل 563 شخصًا على الأقل وإصابة مئات آخرين، لافتا إلى أن هذا الأمر يؤشر على وجود سياسة ممنهجة لحرمان مئات آلاف السكان من الحصول الآمن على المساعدات، وقد انتقد عمليات «الإسقاط العشوائي» للمساعدات وسط مئات آلاف من الجياع.
كذلك أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بعد تكرار حوادث الوفاة بسبب المساعدات الجوية، خاصة بعد دخول عشرات المواطنين الجائعين إلى البحر للحصول على تلك المساعدات، بعد إلقائها بشكل خاطئ، إلى وقف عمليات إنزال المساعدات بهذه الطريقة المسيئة والخاطئة وغير اللائقة وغير المُجدية، وطالب بفتح المعابر البرية بشكل فوري وسريع من أجل إدخال المساعدات الإنسانية للسكان الذين يعانون من الجوع والنقص الحاد في الغذاء للشهر السادس على التوالي.
وقد حمل الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي والاحتلال الإسرائيلي، المسؤولية الكاملة عن استمرار هذه الجرائم مجتمعة والتي قال إن «العالم وقف عاجزاً عن إيقافها ووضع حداً لها في ظل استمرار عمليات التجويع والقتل والإبادة الجماعية».

ممر مائي بالجثث

أما الشكل الآخر لتلك المساعدات القليلة التي تمر للسكان، فكانت من «الممر المائي» الذي يربط قطاع غزة، حيث يقام مرفأ صغير حاليا بإشراف جيش الاحتلال، ودعم بعض الدول الغربية، بأحد الموانئ القبرصية، وحتى اللحظة، وصلت سفينة واحدة تقل كمية قليلة من المساعدات قدرت بحمولة شاحنتين فقط، ألقت حمولتها قبالة سواحل غزة، وجرى قطرها عبر مراكب صغيرة، بانتظار أن يكتمل بناء الرصيف على ساحل غزة، ليتم فيه إفراغ حمولة تلك السفن.
وحتى اللحظة لم يكشف عن المخطط الرئيسي لهذا الممر، ولا شكل المرفأ في مدينة غزة، ولا الهدف منه، وسط مخاوف فلسطينية من أن يستغل في تهجير السكان لاحقا، ولا الجهة التي ستمول بناءه، فيما يتردد أنه بات مدعوما من قبل جهات غربية كثيرة وأولها الإدارة الأمريكية، لكن ما يعرف هو أن بناء «اللسان البحري» لهذا الرصيف، يجري تشييده بحطام المباني التي دمرتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، منذ اليوم الأول للحرب، وهي كتل خرسانية تكسوها دماء وأشلاء الضحايا الذين سقطوا جراء استهداف منازلهم، وعددهم بالآلاف، فيما لا يزال الكثير من الضحايا الفلسطينيين عالقين تحت هذا الركام، لعدم وجود آليات إنقاذ لانتشالهم، وربما يجري حمل جثثهم لاحقا ضمن كميات الركام لإطالة ذلك «اللسان البحري» حتى يصل إلى المدى المخطط له.
وقد أكد على ذلك رئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينية الدكتور محمد اشتية، حين قال «هل يعقل أن رصيف الممر المائي الذي يتم بناؤه على شاطئ غزة من مخلفات المباني المهدمة، معجون بجثامين الشهداء التي كانت مدفونة تحت الركام؟» وأضاف «هذا رصيف لممر مائي برائحة الموت».
ويأتي ذلك أيضا في ظل الخشية من أن يصبح هذا الممر المائي، بديلا عن المعابر البرية، خاصة المعبر الذي يربط قطاع غزة بمصر، وإخضاع هذا الممر للإشراف والإدارة الإسرائيلية، من أجل إبقاء احتلالها وتحكمها في قطاع غزة.
وفي دلالة على ذلك، لا تزال سلطات الاحتلال ترفض أي عمل إغاثي في مناطق مدينة غزة وشمالها لأكبر وكالة أممية تعمل في القطاع وهي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» في وقت تشتكي باقي المنظمات الإغاثية بأن غالبية طلباتها التي تقدم لسلطات الاحتلال لإيصال مساعدات البرية لتلك المناطق تقابل بالرفض، وقد شددت على ضرورة تسهيل وصول المساعدات، وحذرت من مجاعة أكبر تتفشى مع مرور الوقت.

تحذيرات دولية

ولذلك فقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش عند زيارته للجانب المصري لمعبر رفح، الذي تمر منه المساعدات إلى غزة، المجتمع الدولي لتقديم «الدعم الكامل» لوقف مجاعة وشيكة بغزة، وأكد أنهم يواجهون «عراقيل إسرائيلية» في إدخال وتوزيع المساعدات.
وقد اختار المعبر في رسالة تأكيد على أن الدخول البري للمساعدات بدون قيود هو الطريقة الأمثل لمساعدة جوعى غزة، وليس طرق المساعدات الأخرى سواء الجوية أو البرية.
أما المفوض العام لـ «الأونروا»، فيليب لازاريني، فكان قد أشار إلى استمرار منعه من قبل سلطات الاحتلال من الدخول إلى غزة، وقال إن ذلك يأتي في نفس اليوم الذي ظهرت فيه بيانات جديدة عن المجاعة في غزة، وأضاف «إن المجاعة وشيكة في شمال قطاع غزة، ومن المتوقع أن تتحقق المجاعة في وقت من الآن ولغاية شهر أيار/مايو» لافتا إلى أن مليوني شخص أو ما يعادل جميع سكان غزة، يعانون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي أو ما هو أسوأ من ذلك.
وأشار إلى أن نصف السكان استنفدوا تماما الإمدادات الغذائية وقدراتهم على التكيف، وأنهم يعانون من الجوع الكارثي (المرحلة الخامسة للأمن الغذائي المتكامل) والمجاعة، موضحا أن ذلك يمثل أكبر عدد من الأشخاص يتم تسجيله على الإطلاق على أنهم يواجهون جوعاً كارثياً من قبل نظام الأمن الغذائي المتكامل، وهو ضعف العدد الذي كان عليه قبل ثلاثة أشهر فقط، وقال وهو يشير بأصابع الاتهام لإسرائيل كونها المتسبب في الأزمة «إن هذه المجاعة التي هي من صنع الإنسان تحت أعيننا هي وصمة عار على جبين إنسانيتنا الجماعية» وأضاف «لقد ضاع الكثير من الوقت، ويجب فتح جميع المعابر البرية الآن».
وحذر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية «اوتشا» من أن «الوقت ينفد، ولا تزال عوائق الوصول لتقديم المساعدات قائمة في قطاع غزة» وأكد في بيان أصدره أن هناك أكثر من 1.1 مليون شخص في غزة يواجهون مستوى شديداً من «انعدام الأمن الغذائي» وشدد على أنه لا بديل عن توصيل المساعدات برا لإنقاذ الأرواح لا سيما في شمال قطاع غزة.
وكانت «اليونسيف» قد حذرت في وقت سابق، من أن عدد الأطفال دون السنتين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد قد تضاعف خلال شهر واحد وأن الأطفال يموتون الآن من الجفاف والجوع.
أما المنسق الأممي للشؤون الإنسانية بالأراضي الفلسطينية، فقد أكد أن الطريقة الوحيدة لإدخال كميات كبيرة من المساعدات لغزة هي عبر الممرات البرية، ويؤكد أنه يوجد في غزة أكبر عدد من الأشخاص يواجهون سوء التغذية، وأن هناك مجاعة مرتقبة بحلول شهر أيار/مايو ما لم نتدخل بسرعة.
في حين أكد برنامج الأغذية العالمي، أن المجاعة باتت وشيكة في شمال غزة وأن 70 في المئة من السكان قد يواجهون جوعا كارثيا، أما منظمة الصحة العالمية، فقد أكدت أن هناك مجاعة في قطاع غزة، وأن كثيرا من الفلسطينيين لا يحصلون على الأغذية، وطالبت بضمان وجود الآليات كافة لإيصال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، وأشارت إلى أن الفلسطينيين يعيشون حالة مروعة بسبب انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة المياه الملوثة وتدهور الأنظمة الصحية.
ومؤخرا وبسبب خطورة الوضع والتحذيرات التي أطلقتها جهات دولية، انضم عدد من القادة الأوروبيين للنداءات المطالبة بفتح المعابر ودخول المساعدات، حيث أكد رئيس الحكومة البريطانية، على أن الوضع الحالي في غزة غير قابل للاستمرار، وأن هناك حاجة إلى تحرك عاجل لتجنب حدوث مجاعة.
أما المستشار الألماني أولاف شولتس، فأكد أن وقف إطلاق النار في غزة للسماح بوصول مزيد من المساعدات الإنسانية للفلسطينيين يبدو أكثر واقعية الآن.
وكان مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، قال وهو يعلق على الأمر «غزة تتحول إلى مكان بلا نظام ما يضع سكانه أمام خيار المغادرة أو العنف» وأضاف «نشهد مجاعة في غزة تؤثر على آلاف الأشخاص ولا يمكننا الوقوف متفرجين بينما يجوع الفلسطينيون» وأضاف «إسرائيل تخلق مجاعة في غزة وما يحدث من صنع من يمنع دخول المساعدات إلى القطاع ومن يتحكم في الحدود».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية