«مسافرو الليل» للفرنسي مايكل هيرس… كلنا نبحث عمن يؤنس وحشة حياتنا

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

برلين ـ«القدس العربي»: ربما كان « مسافرو الليل» للمخرج الفرنسي مايكل هيرس واحدا من أعذب أفلام مهرجان برلين في دورته الثانية والسبعين (10 إلى 20 فبراير/شباط الجاري). أحيانا تصيبنا الوحشة، أو نبحث عن ملاذ لأنفسنا من أنفسنا، أو من أفكارنا، فنبحث عن الرفقة في ليلنا الطويل، رفقة أشخاص نطمئن لأصواتهم ونأنس بها، عبر موجات الأثير والإذاعة. «مسافرو الليل» عن هؤلاء الباحثين عن الرفقة والصحبة. هو فيلم رقيق عمن يشبهوننا في أيام وحشتنا وصعوبة حياتنا.
تبدأ أحداث الفيلم في بدايات الثمانينيات في فرنسا، حيث تجد إليزابيث (شارلوت غانزيور) أن حياتها التي ألفتها، انقلبت رأسا على عقب. فبعد زواج طويل، أنجبت فيه ابنا وابنة أصبحا في طور الصبا، يقرر زوجها الانفصال عنها. وتجد نفسها على حين غرة بمفردها مسؤولة عن ابنيها وبلا عمل.
«مسافرو الليل» ليس ـ كما توحي بدايته ـ فيلما عن الانهيار أو الحزن، لكن عن النهوض من عثرتنا، وإيجاد سبيل جديد لحياتنا، بعد أن نظن أن السبل قد تقطعت بنا ولا ملاذ لنا. في حياتها التي تغيرت بين ليلة وضحاها تجد إليزابيث الألفة والسند لمواجهة الحياة عبر حنو ابنيها وتفهمهما، وعبر تكاتف الثلاثة لتجاوز هذه الصعاب. هناك الكثير من السبل للتعامل مع الطلاق، من بيننا الغضب والانهيار، لكن إليزابيث اختارت طريقا آخر. اختارت النهوض وتعلم عمل جديد، اختارت أن تكون سندا لإبنيها، كما اختارا هما أيضا أن يكونا دعما لها، في تجاوز تلك الأزمة.
تجد إليزابيث الملاذ من وحشتها في برنامجها الإذاعي الليلي المفضل «مسافرو الليل» وتقرر أن تسعى للحصول على عمل في هذا البرنامج، حيث تصبح مسؤولة عن تلقي الاتصالات الهاتفية لهذا البرنامج، الذي يبوح فيه الناس بما يؤرقهم، ثم تحول هذه الاتصالات إلى مقدمة البرنامج فاندا (إيمانويل بير). وفي استوديو البرنامج تلتقي إليزابيث بتالولا (نويه أبيتا) وهي فتاة في عمر ابنيها تبحث هي الأخرى عن ملاذ من وحشتها، فتضمها إليها، وتقدم لها السند والدعم والحب، لتصبح بمثابة ابنة جديدة لها.

نشاهد الفيلم فنتخفف مما يشعرنا بالخوف والقلق، ونشعر بأننا سنجد الملاذ والدعم في أحلك فتراتنا. تمضي الحياة، تضربنا أمواجها أحيانا، لكننا نتعلم تجاوز الصعاب.

تالولا شابة جميلة بلا مأوى، ولا نعرف عن ماضيها الكثير، سوى رهافتها الشديدة وإحساسنا أنها بحاجة إلى من يحنو عليها. تصحبها إليزابيث إلى بيتها وتستضيفها في غرفة صغيرة ملحقة بالشقة، ويحبها الابنان، خاصة الابن ماتياس، ذلك الصبي الذي يكتب الشعر، ويجد فيها ملهمة ورفيقة. حين نرى تالولا لأول مرة وتصحبها إليزابيث للمنزل يدور في خلدنا إنها ربما جاءت لتغيير مسار أحداث الفيلم. ربما جاءت حاملة وعدا أو جالبة تلفا سيلحق بالأسرة. لكن هذا لا يحدث. تبدو لنا تالولا فتاة جميلة معذبة، تحمل آلاما تحاول أسرة إليزابيث تخفيفها عنها. لكن الفيلم اختار ألا يقدم المزيد من التفاصيل عن حياة تالولا، فلا نتعاطف معها كثيرا، ولا نفتقدها كثيرا حين ترحل. تحمل تالولا أغراضها القليلة وتمضي، فلا تتأثر أسرة إليزابيث بذلك كثيرا. وربما كان وجود تالولا ثغرة في الفيلم، فقد جاءت الفيلم وغادرته ثم عادت إليه، دون أن تقدم الكثير للأحداث، أو دون أن تحدث في الأسرة تغييرا. قد نتساءل لماذا اختار المخرج أن يعنونه باسم البرنامج الإذاعي الذي وجدت فيه اليزابيث السلوى كمستمعة والعمل لاحقا. ربما يكمن ذلك في أن أصوات هؤلاء الساهرين ليلا وصوت المذيعة فاندا، كانت سندا لها في أحلك أوقاتها، ووجدت الألفة والسكينة في أصواتهم. علّم البرنامج إليزابيث تجاوز محنتها الخاصة، ومحاولة تقديم الدعم والسند للآخرين.
في الفيلم تتعدد مشاهد السير والانتقال في الليل حقيقة وليس مجازا. فاليزابيث تنهي عملها في تلقي مكالمات البرنامج على مشارف الفجر، ونراها تخرج إلى الطريق وتتنشق هواء الليل، وبدايات الفجر في طريق عودتها. علّم البرنامج والعمل اليزابيث ألا تخشى ساعات الليل وألا تخشى الوحشة. وهي بدورها أبعدت شبح الوحشة عن ابنها وابنتها وعن تالولا. هي التي حنت على الابنين، فأصبحا أيضا سندا لها، وسارا في حياتهما بحثا عن آمالهما وطموحاتهما. لكن الفيلم لا يحاول رسم صورة براقة غير واقعية عن دفء الأسرة والدعم الذي نحصل عليه منها. فعلى الرغم من الدعم والحب الذي قدمته إليزابيت وابنها وابنتها لتالولا، إلا أن تالولا تعثرت في طريقها، وواجهت الوحشة والظلام، لكنها عادت بعد رحلة من التخبط والألم للبحث عن الدفء وسط أسرة إليزابيث.
نشاهد الفيلم فنتخفف مما يشعرنا بالخوف والقلق، ونشعر بأننا سنجد الملاذ والدعم في أحلك فتراتنا. تمضي الحياة، تضربنا أمواجها أحيانا، لكننا نتعلم تجاوز الصعاب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية