تواصلت آخر ندوات جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، في أصيلة، على امتداد خمسة أيام من يوم الأحد 7 إلى غاية الخميس 11 يوليو/تموز. إذ حاول المشاركون فيها البحث في الدوافع والحوافز التي من شأنها أن تولد التغيير الذي تحتاجه المجتمعات الافريقية. في هذا السياق، شكل «الإبداع الافريقي في افريقيا والمهجر»، وهو عنوان الندوة، محور مختلف المداخلات، حيث استمد النقاش فيها وجاهته من مفارقة مثيرة قوامها أن القارة السمراء غنية ثقافيا، لكنها تتخلف عن الركب الحضاري العالمي.
استعاد الشاعر السنغالي أمادو لامين صال النبرة الشعرية الحالمة، التي كان يتمتع بها ابن بلده الرئيس والشاعر ليوبولد سيدار سنغور، وهو يتحدث خلال الجلسة الافتتاحية لندوة «الإبداع الافريقي في افريقيا والمهجر». إذ اعتبر لامين صال أن الإبداع والفن يشكلان الجسر الذي يسمح بالانتماء إلى الإنسانية والعيش في عالم يسوده السلام.
وقد استهل الشاعر السنغالي، الفائز بجائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الافريقي، كلامه بمحاولة الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها الندوة الأخيرة من موسم أصيلة الثقافي هذه السنة. إذ صور افريقيا بامرأة غير جميلة، لكن «علينا أن نجعلها حسناء، لأنها بيتنا ومستقبلنا وعلة وجودنا، علينا أن نقول حقيقتها وأن نعبر عن أحلامها». ثم سرعان ما وصف القارة السمراء بأنها أجمل النساء، لكنها تعاني وتبكي، محملا المسؤولية في ذلك للساسة، كونهم يمتلكون عوامل تغييرها، ويقصد بذلك المال والقوة والذكاء، لكنهم لا يبذلون جهدا من أجل ذلك. وخلص إلى القول إن القرن الحادي والعشرين هو قرن الشباب الافريقي، حيث دعا إلى الإنصات إليهم وفهم رغباتهم وتطلعاتهم، منبها في الآن ذاته إلى مخاطر العولمة التي تهدده.

بدوره، تساءل حكيم بنحمودة، وزير الاقتصاد والمالية سابقا في تونس، عما إذا كانت افريقيا قادرة على تجنب موجة الشعبوية الصاعدة في كل أنحاء العالم التي تعمل على إقصاء الأقليات. إذ لاحظ المتدخل أن الكثيرين يضعون افريقيا على هامش العالم، منبها إلى أن المنطقة جزء يتأثر بحركة العالم السياسية والاقتصادية والثقافية ويؤثر فيها ماديا ولاماديا، بالأفكار والموارد، الخ. في هذا السياق، توقف بنحمودة عند بعض المحطات الكبرى التي ساهمت من خلالها افريقيا في الحركة العالمية، مشيرا في البداية إلى الحركات الوطنية والقومية الافريقية الرامية إلى نيل الاستقلال، ثم إلى الحركة الليبرالية، خاصة في الثمانينيات. كما اعتبر أن الحركة الحقوقية والسياسية، وكذا حركات الانتقال الديمقراطي في الكثير من الدول خلال السنوات القليلة الماضية والانتفاضات الشعبية في تونس ومصر وليبيا والجزائر والسودان وغيرها، تؤشر إلى تأثر افريقيا بالحركة العالمية وتأثيرها فيها.
وتساءل نجيب بريجي، المدير الجهوي للمعهد الدولي للسلام في الشرق الأوسط، عن الوسائل التي من شأنها أن تسمح اليوم بالحديث عن رؤية وتجربة افريقية خاصة. كما تساءل عن إمكانية استقلال الأفارقة عن أوروبا التي تربطهم بها اليوم علاقات واسعة ومتداخلة. في هذا السياق، اعتبر بريجي أن افريقيا مطالبة بمواجهة الاختلالات والعوائق التي تعرقل نموها ونهضتها، والمتجسدة في الفساد السياسي والمالي والأوبئة والأمراض والحروب وهجرة الأدمغة، الخ. وألح بريجي على أن تكون الثقافة جزءا من أي سياسة تروم النهوض بافريقيا، داعيا إلى جعل التعليم وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين ومحاربة الكراهية عناصر أساسية في البرامج والمقررات الدراسية الافريقية.
وفي الوقت الذي قال فيه عبد الرحمن نغايدي، الباحث الموريتاني في التاريخ في جامعة الشيخ أنتا ديوب السنغالية، إن المثقف مطالب بنقل رسائل المجتمعات التي ينتمي إليها وأن يتفاعل مع واقعها وبيئاتها المختلفة، أشار إلى أن الأفارقة لا ينتجون أنماطا فكرية، وإنما يتبنون أنماطا مفروضة عليهم، لا تساير ما يؤمن به الأفارقة. غير أنه شدد على أهمية استعمال اللغات، مشيرا إلى أن القارة الافريقية بدأت تتخلص تدريجيا من هيمنة الفرنسية، وبدأت تتجه نحو اعتماد اللغة الإنكليزية. وفي هذا السياق، أكد على أهمية الازدواجية اللغوية (إنكليزية/ فرنسية) بالنسبة للثقافة الافريقية، منبها الأفارقة إلى ضرورة وعيهم بأهمية الفكر الذي يجب أن ينقل إلى الأجيال المقبلة، والحاجة إلى تحليل مجتمعاتهم تحليلا موضوعيا وذاتيا في الآن ذاته.
الثقافة هي الحل، لكن الحكومات تضع الثقافة على هامش سياساتها، كما أوضح بيير ميشيل نغيبي، مدير مركز «جيريا» في الكونغو برازافيل.
من جانبه، اعتبر فكتور بورغيس، وزير الخارجية والتعاون سابقا في الرأس الأخضر، أن الإبداع ضروري لإحداث أي تغيير في المستقبل الافريقي على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مشيرا إلى أنه يمثل مكونا أساسيا ضمن مكونات الهوية الافريقية اليوم. وأضاف قائلا إن ما نشهده اليوم هو نتاج سياق الأمس، مشيرا إلى أن ذلك يعبر عن تفتح قرائح الافارقة والافريقيات. وفي الوقت الذي اعتبر فيه بورغيس أن مهمة فك الطابع الاستعماري عن الإبداع الافريقي صار خلف الجميع، قال إن المقاومة بتعبيراتها المختلفة مازالت تفرز عناصر الهوية. كما أكد على أن ما حققه الأفارقة اليوم ما كانوا ينوون الوصول إليه بالأمس، وأن ما يودون تحقيقه غدا ينبغي أن يكون مختلفا عن الطموحات والأحلام السائدة اليوم. كما أشار بورغيس إلى أن الإبداع الذي يحتاجه الأفارقة اليوم لصوغ هوية المستقبل، ينبغي أن يتجاوز السياسات الحالية. لكنه اشترط أن تتحقق للإبداع أجواء الحرية والاستقرار، مشيرا إلى أن تنمية الإبداع مقرونة بالحكامة أيضا. من هنا، دعا الحكومات الافريقية إلى خلق الشروط والعوامل المساعدة على ازدهار الإبداع والثقافة. وختم بورغيس بالقول إن المبدعين يصوغون تاريخ الشعوب، ليوجه بذلك دعوة للمبدعين الافارقة إلى إغناء التجربة التاريخية الافريقية.
من جانب آخر، قدم ماريو لوسيو سوسا، الشاعر والفنان الموسيقي من الرأس الأخضر، الفقرات الفنية المتعلقة بالموسم الأول للموسيقى الافريقية في دورتها الأولى المنظمة ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي. إذ قال إن الغاية من إضافة هذه الفعالية إلى أنشطة موسم أصيلة الثقافي يروم الانفتاح على الإبداع الموسيقي الافريقي واستقطاب كبار الموسيقيين الأفارقة إلى أصيلة.
وإذ تحتاج افريقيا إلى قطيعة جذرية مع الماضي، ماضي التخلف والجهل والأمية والماضي الاستعماري، فإن هذه القطيعة لا تتم، كما قال فكتور بورغيس وزير الخارجية في الرأس الأخضر، بدون الأخذ بعين الاعتبار العوامل والظروف القائمة الآن التي تقتضي التفكير الجاد، بما أنها تعاكس رغبة الأفارقة في إحداث التغيير المنشود؛ أي أن يصير واقعهم مختلفا غدا، بدون أن يفقدوا الهوية والروحية الافريقية.
الثقافة هي الحل، لكن الحكومات تضع الثقافة على هامش سياساتها، كما أوضح بيير ميشيل نغيبي، مدير مركز «جيريا» في الكونغو برازافيل. إذ اعتبر هذا الأخير أن وزارات الثقافة الافريقية لا تنخرط في العمل السياسي الذي من شأنه أن يرتقي بالإبداعات الثقافية المختلفة إلى المستوى المطلوب. من جهة ثانية، دعا الحكومات إلى الاعتراف بأهمية المرأة وأدوارها الاجتماعية والاقتصادية، وخلق شروط إدماجها في السيرورة الاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمعات الافريقية.
في هذا السياق، أشارت نديورو نداي، الوزيرة السنغالية السابقة والمديرة العامة السابقة للمنظمة الدولية للهجرة، إلى أن سيرورة التنمية في افريقيا ينبغي أن تنطلق من الثقافة، مشددة على ضرورة هذا المدخل اليوم. غير أنها تساءلت عما إذا كان الافارقة يستفيدون من نوعية التعليم نفسه اليوم، حيث طالبت بأن تحدد النماذج التعليمية في البلدان الافريقية أهدافها بوضوح، وفق ما يقتضيه النموذج التنموي في كل بلد، وحسب موارده وكفاءاته البشرية وقدراته الاقتصادية وطموحاته المستقبلية. فضلا عن ذلك، طالبت نداي الافارقة بتفكيك النموذج الليبرالي الغربي وبناء نموذج افريقي، مع إشراك المهاجرين الافارقة في هذا الأمر. كما اعتبرت أنه لا يمكن خلق نموذج تنموي افريقي في غياب الثقافة وتهميش دور المثقفين.
ولاحظ إبريما صال، المدير التنفيذي سابقا لمجلس تنمية البحوث الاجتماعية في افريقيا، وجود مفارقة صارخة بين التطور الاستثنائي في وسائل التواصل المعاصرة، وبين الغياب اللافت للنظر لدى الساسة الافارقة وغياب سياسة تواصلية عند الحكومات الافريقية التي من شأنها أن تجعل المواطن الافريقي على علم بمجريات الأحداث في بلاده. كما لاحظ وجود مفارقة ثانية بين ضعف دور الصحافة في القضايا الحساسة، خاصة في البلدان التي تشهد انتقالات ديمقراطية أو تحولات سياسية، مثلما يجري حاليا في أوغندا والسودان والجزائر، وبين دور وسائل الاتصال في ارتباط الأفارقة في المهجر ببلدانهم الأصلية. لكنه قال إن وسائل التواصل غيرت منهجية البحوث العلمية وساهمت في انتشار المعرفة والإبداعات الأدبية والثقافية بين الافارقة.