مستقبل “هيئة تحرير الشام” بين التكيف مع المتناقضات والارتهان للتفاهمات

حسام محمد
حجم الخط
0

عاشت سوريا خلال الأعوام الأخيرة تطورات ميدانية استراتيجية، تقلصت فيها مساحة سيطرة المعارضة المعتدلة، فيما حافظت “هيئة تحرير الشام” على المواقع التي سيطرت عليها من النظام السوري وتلك التي قضمتها من فصائل السوري الحر، حتى أصبحت الهيئة لاعباً أساسياً في آخر مناطق خفض التصعيد شمال البلاد، ومحورا تستند إليه موسكو في توجيه أي ضربات عسكرية بين فينة وأخرى، فيما يبقى مصير الحركة الجهادية السلفية مرهوناً بالتطورات الدولية وما سينتج عن الاتفاقيات والتوافقات الدولية للأطراف الفاعلة في القضية السورية.

“هيئة تحرير الشام” وهي حركة سلفية جهادية متشددة، كانت مرتبطة بداية بتنظيم “الدولة الإسلامية” قبل أن تنشق عنها بسبب الخلافات الداخلية، كما شاركت وتُشارك في الحرب السورية منذ اعتمادها مسماها الحالي في 28 كانون الثاني/يناير 2017 من خلال اندماج كل من جبهة فتح الشام (بجبهة النصرة سابقًا) وجبهة أنصار الدين ثم جيش السنة ولواء الحق وكذا حركة نور الدين الزنكي.

كما اتسعت رقعة سيطرة الهيئة وتضاعفت قوتها مع مرور الزمن، حتّى صارت لاعبا رئيسيا في النزاع في سوريا، خاصة بعد اتجاهها على السيطرة على دائرة صنع القرار شمال سوريا من خلال ابتلاع فصائل الجيش السوري الحر، وتشكيل حكومة موالية له، فيما لم تغب الهيئة عن المفاوضات الدولية حول المنطقة التي تسيطر عليها، رغم حالة الرفض لتلك المفاوضات على الصعيد العلني، إلا أن منحى سير التطورات العسكرية وعدم الاعتراض على أي خطوات أفرزتها اتفاقيات أستانة وسوتشي كان واضحاً.

التنظيم والهيئة

 

العميد أحمد رحال يرى هيئة تحرير الشام وتنظيم الدولة، وجهان لعملة واحدة، معتبراً أن الاختلاف بينهما هو بالنهج فقط، ومشيراً إلى أن ضرر الهيئة والتنظيم في مرتبة واحدة تقريباً بالنسبة للسوريين، فأحدهما يقتل من السوريين عشرة والآخر يقتل ثمانية، وبالتالي كليهما مجرم.

ولكن ما عاشه تنظيم “الدولة” لم تعشه الهيئة في سوريا حتى الساعة، ويرى رحال أن صبر المجتمع الدولي على طي هذا الملف سببه تصنيف شمال البلاد كمنطقة نفوذ روسية، وبالتالي فالولايات المتحدة الأمريكية خارج هذ المشروع.

وهنا لدينا مثال واقعي وموجود حالياً في وسط سوريا، فمجموعات تنظيم “الدولة” هناك تنشط مؤخراً، ولكن التحالف الدولي لا يتدخل لصدها أو البدء بعملية عسكرية ضدها، والسبب في ذلك، هو أن مسؤوليتها تقع على الجيش الروسي لا على التحالف الدولي، والأخير ينتظر ما سوف تفعله موسكو التي تدعي مكافحة الإرهاب في سوريا.

روسيا تتجنب الهيئة

 

ونفى رحال لـ “القدس العربي” استهداف هيئة تحرير الشام في العمليات الأخيرة التي شهدها الشمال السوري من قبل المقاتلات الروسية والنظام السوري، وإنما يتركز القصف على البنية التحتية والجيش السوري الحر، والمنظومات المدنية أو الاسعافية.

واعتبر من الطبيعي ألا توجه ضربات ضد هيئة تحرير الشام من قبل روسيا، وإذا عدنا بتاريخ المعارك السابقة، فنجد أنهم قتلوا الجيش الحر والأهالي في مخيم اليرموك على سبيل المثال، وهجروهم نحو الشمال السوري، ومن ثم حافظوا على تنظيم “الدولة” في المخيم ونقلوه نحو حوض اليرموك جنوب البلاد، وذات الأمر تكرر في القلمون الغربي، فبعد الانتهاء من الفصائل السورية، قام حزب الله بنقل التنظيم إلى دير الزور بالباصات.

استغلال الفرصة

 

روسيا ومن معها من قوى دولية ومحلية لا ترغب، وفق العميد الرحال، في انهاء ملف هذه التنظيمات، كونها الذريعة التي تبرر تواجدها الطويل في سوريا، وبالتالي وجودها يسوغ لنظام الأسد القيام بالمزيد من الجرائم، وإذا انتهت هذه التنظيمات الجهادية، فلن يكون لديهم مبررات لقتل الشعب السوري، فبشار الأسد لا يقول: نقتل الشعب السوري، وإنما نكافح الإرهاب.

المخطط الروسي في سوريا، لا يهمه في نهاية المطاف من القوى المتواجدة في سوريا، وما يعنيهم هو أمران فقط، الحفاظ على مصالحهم فيها، والمحافظة على تواجد النظام الحالي في سدة الحكم.

الغرباء هم الهدف

 

مستقبل القاعدة في سوريا حسب العميد المعارض، هو خروج الغرباء منها، وهذا المشروع تعمل عليه تركيا، فأنقرة لا تصبر على القاعدة عن عبث، وإنما لديها مشكلة في تواجد أربعة ملايين سوري محاصرين في منطقة جغرافية محددة، تسيطر النصرة فيها على نسبة 80 في المئة من مساحتها، وبالتالي لا يمكن خوض معركة وفق هذه المعادلة، فإذا كنا أمام نسبة خسارة 10 في المئة تصبح أمام 400 ألف ضحية، وإذا 5 في المئة تصبح أمام 200 ألف.

وفي شرق سوريا، لدينا 6 آلاف عنصر أجنبي متواجدين لدى قوات سوريا الديمقراطية، ولكن دولهم ترفض نقلهم إلى أراضيها، فكل الدول الغربية منها والعربية، يرفضون ذلك، رغم أن بعضهم صرف على هذه العناصر ملايين الدولارات للمراقبة، مما جعل سوريا “مكب نفايات للقاعدة” وتعداد من انضم للهيئة وما يساويها من فصائل لدينا 25 ألف مقاتل، وإذا حيدنا السوريين أصبحنا أمام 15 ألف مقاتل، والسوريون لم يكونوا قاعدة لا يحملون أي تفكير متشدد، أمام البقية فالمجتمع الدولي الذي دفعهم إلى سوريا هو المسؤول عن إجلائهم عنها اليوم.

حرب خفية

 

شهد الشمال السوري خلال الأشهر الأخيرة الماضية العشرات من عمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات وعناصر أجانب ضمن التنظيمات الجهادية، إذ بلغت الاغتيالات في محافظة إدلب، وفق مركز عمران للدراسات، 60 محاولة اغتيال، ووصلت أقصاها في شهر تشرين الأول/أكتوبر، حيث سُجلت 24 محاولة اغتيال، بينما بلغت في كانون الأول/ديسمبر 13 محاولة، وجاء شهر كانون الثاني/يناير بـ 23 محاولة.

أما بالنسبة لتوزع الاغتيالات حسب مناطق السيطرة التي وقعت ضمنها، فهي على الشكل التالي 41 محاولة اغتيال حصلت في مناطق تقع تحت السيطرة العسكرية لهيئة “تحرير الشام”، بينما وقعت 12 محاولة اغتيال في مناطق سيطرة “الجبهة الوطنية للتحرير”، أما ثالثاً فقد حل حزب “الإسلام التركستاني” الذي تمت 7 محاولات اغتيال في مناطق سيطرته.

تورا بورا

 

أجرى مركز البحوث في جامعة لورانس استطلاعًا للرأي على 4,858 من سُكّان سوريا بين 10 تموز/يوليو و28 تموز/يوليو 2017. أظهرت النتائج أنّ 77 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع لا يتفقونَ مع فكر هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات السلفية المُكدّسة في إدلب كما رفضَ 73 في المئة منهم إشراف هذه الجماعة على المجالس المحلية في إدلب فيما وافقَ 66 في المئة منهم على أنّ الهيئة هي جزء من تنظيم القاعدة في سوريا أمّا 63 في المئة منهم فيرونَ أن هيمنة الهيئة في إدلب سوف يؤدي إلى معركة تورا بورا لا مُحالة.

خيارات الهيئة

 

بيّن الباحث معن طلاع من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في تصريحاته لـ “القدس العربي” بتاريخ 12 كانون الثاني/يناير الماضي حول خيارات هيئة التحرير بعد تمددها الأخير؛ أن استراتيجية “التمدد” على حساب قوى المعارضة ليست بالاستراتيجية الجديدة على الهيئة.

فلطالما لجأت إليها لتحسين تموضعها العسكري عبر الاستيلاء على أسلحة نوعية؛ أو لتحسين التموضع الاقتصادي والإداري عبر السعي الحثيث للسيطرة على أهم القطاعات الخدمية أو التجارية كالمعابر (سواء الدولي منها أو المحلي) ومحطات التوليد الكهربائي وغيرها؛ وهي تلجأ إليها لتعزيز الأسباب الآنفة الذكر جميعاً مضافاً إليها تحسين الشروط السياسية في أي مفاوضات محتملة في حال لجوء الفواعل الدولية والمحلية إلى خيار المفاوضات والتباحث عن صيغ ما دون عسكرية.

وحول المستوى المرتبط بخيارات الهيئة أوضح الباحث أنه وفقاً “لبرغماتيتها الشديدة” فإنه يتوقع أن تطمح الهيئة لتحويل سيطرتها العسكرية إلى سيطرة مدنية وسياسية عبر مرحلتين، مرحلة انتقالية تديرها وتهيئ لها حكومة الانقاذ متبنية عدة برامج منها ما يتعلق بإعادة التشكيل السياسي والعسكري والمدني وفق صيغ تبدو شكلاً أكثر تشاركية وهي ضمناً أكثر شمولية وتسلط؛ ومرحلة نهائية يختفي فيها اسم هيئة تحرير الشام لصالح اسم جديد وفاعلية جديدة.

تكيف مع المتناقضات

 

يعتقد الباحث في الشؤون الجهادية حسن ابو هنية، أن هيئة تحرير الشام كمشروع وإيديولوجيا هي حركة إسلامية سلفية تمتاز بالبرغماتية، إذ أنها دائما كانت تتكيف مع التطورات، لذلك دائما كانت تقيم علاقات مع دول إقليمية وخصوصا تركيا في هذا المجال.

وشاهدنا بعد اتفاقات أستانة، كيف كان هناك دائماً تعاون بين تركيا وهيئة تحرير الشام، ولذلك مشروع هيئة تحرير الشام هو يحاول التكيف مع التطورات الإقليمية والدولية والتطورات الداخلية.

رهينة التفاهمات

 

هيئة تحرير الشام تحاول التماشي مع المتناقضات الدولية، مما جعلها رهينة تلك التفاهمات، ولا بد هنا من الإشارة بانه لا شك هي حركة قوية وتسيطر على إدلب، لكن قوتها موضوعية بمعنى أن الخلافات التركية – الروسية وتفاهمات أستانة وسوتشي إذ نصت هذه الاتفاقات أن تتولى تركيا مسألة تفكيك الحركة وإعادة بنائها ودمجها في مكونات الجيش الحر أو ما يسمى الجبهة الوطنية.

لذلك أعرب أبو هنية عن اعتقاده بأن هيئة تحرير الشام سوف تبقى تتكيف وتطور نفسها، لكن مسارات هذا التكيف والبرغاماتية هي محدودة على اعتبار أن الجميع يعرف هيئة تحرير الشام حركة إرهابية سواء الروس أو تركيا أو الأمريكان، ولذلك هي تنتظر ربما مسائل الحل النهائي والتوصل إلى اتفاقات جديدة مع تركيا هناك خشية من روسيا وانعطافة تركية وخصوصا بعد التقارب الأمريكي – التركي حول موضوع المنطقة الآمنة، وشرق الفرات وقضايا أخرى بما فيها تعقيدات الـ اس400.

عملية جراحية

ولذلك سوف تبقى الأمور تراوح مكانها، ولا يمكن أن تكون العملية شاملة إنما جراحية ربما للضغط على تركيا، ولكن مصير هيئة تحرير الشام مرتبط بتفاهمات جديدة بين روسيا وتركيا وآلية العمل على تفكيك هذه الحركة.

واعتبر الخبير في التنظيمات الجهادية، هذا مشروع طويل، لأن الكلف في اقتحام إدلب عالية جدا، وبالتالي سيتطور التعامل مع الهيئة مع تطور التفاهمات التركية – الروسية، لافتا إلى ان قوة تحرير الشام غير ذاتية بحتة بل قوتها موضوعية بتموضعها لاسيما ان إدلب باتت تضم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وفق استراتيجية روسيا التي لطالما بعثت بكل المهجرين من جميع الحركات وكل الرافضين لعملية المصالحة إلى إدلب وأضحت المنطقة تأوي تجمعا كبيرا يمثل ثقلا وبالتالي عملية الاقتحام العسكري مكلفة جداً.

كما لا توجد هناك حتى الآن رؤية واضحة على الصعيد النظري، ولكن تطبيق اتفاقات أستانة سوتشي في تفكيك هيئة تحرير الشام يعاني من صعوبة كبيرة ويحتاج إلى تفاهمات أخرى، وقد تذهب هيئة تحرير الشام إلى مزيد من التكيف لكن ذلك قد لا ينجيها من مصيرها المحتوم، وبالرغم من ذلك تحاول روسيا مع تركيا ان تقلل الأضرار، سواء على صعيد اللجوء والعملية العسكرية الشاملة أو تقلل من احتمالية إعادة ابنعاث الجهادية وخلق ظرف مواتي لولادة هذه الحركات من جديد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية