«مستنقع أخبار» تُديره كبيرات وادي السيليكون

حجم الخط
3

لا شك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ملأ الدنيا وشغل الناس وهو حتى لم يتم شهراً في منصبه بعد. فبغير حروب التجارة التي أطلقها ضد حلفاء الولايات المتحدة الكبار (كندا، المكسيك، أوروبا) قبل منافستها اللدود (الصين)، أشعل الرجل البرتقالي موجة جدل عالمي حول خطته للسيطرة على قناة بنما، واغتصاب جزيرة غرينلاند من الدنمارك، ومن ثم مشروعه للسيطرة وسرقة قطاع غزّة الفلسطيني وترحيل أهله إلى منافٍ كثيرة تبدأ بمصر والأردن، ولا تنتهي بألبانيا وبونتلاند (دويلة أرض الصومال التي لا يعترف بها أحد) والمغرب، ليقفز مجدداً إلى واجهة الحدث بعد مكالمته التلفونية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتي قد تكون بوابة صفقة لإنهاء عاجل للحرب في أوكرانيا.
ولا ننسى أيضاً قراراته التنفيذية الكثيرة التي أمر بها في الشؤون الداخليّة لا سيما بخصوص ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، ورفع حق الإقامة المؤقت عن فئات من المهاجرين الشرعيين، ووقف منح الجنسية الأمريكيّة لمن يولد في الولايات المتحدة لأبوين غير أمريكيين، كما إغلاق عدد من الوكالات الحكوميّة الرئيسيّة مثل «يو أس إيد»، و«فيما»(هيئة إدارة الكوارث الفيدرالية).
ولذلك، فإن وجه ترامب، وأخباره، وهراء أنصاره، والخطاب اليميني العنصري الذي يدعمه أصبحت السرديّة الغالبة على ما يراه الإنسان العادي المتصل بالأخبار والشاشات، سواء عبر نشرات الأخبار والبرامج السياسيّة، أو في مقدمات الصحف وعناوين المواقع، ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث على الإنترنت. ولكن هل يحدث هذا كلّه بالصدفة؟

كبيرات وادي السيليكون

لقد فقدت وسائل الإعلام التقليدي (تلفزيونات وصحف وإذاعات ودور سينما ومؤسسات نشر) موقع الهيمنة على صنع معارف الجمهور وآرائهم الذي احتلته طوال القرن العشرين، لا سيما نصفه الثاني وذلك لمصلحة شركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل، وميتا، وإكس، التي توفر (مجاناً كما يتخيّل الكثيرون) مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث على الإنترنت وتطبيقات قراءة ومتابعة الأخبار.
هذه الشركات لا تصنع المحتوى بنفسها، كما تفعل وسائل الإعلام التقليدي، ولكنها تُديره، وتتحكم بطريقة تقديمه وذلك من خلال خوارزميات متقدمة تقرر ما يعرض على مستخدم معين دون آخر، في وقت معين، عن موضوع معين.
هذه الخوارزميّات ليست بأي حال مستقلة بذاتها وتتخذ القرارات عبطاً، بل هي في المحصلة نتاج برمجة توجه إلى منح أولويات لأمور دون أمور، ولمصادر إخباريّة على حساب مصادر إخباريّة أخرى.
وهكذا، فإن ما نراه في المحصلة كمستخدمين أفراداً هو نتاج ما تقرر غوغل أن تُرينا إياه عندما يُجري أحدنا بحثاً على الإنترنت أو يتجول في يوتيوب، أو ما وجدت ميتا (فيسبوك وثريدز وإنستغرام) أنّه يتناسب مع ما تعرفنا عنا (وهو كثير حد الرّعب أحياناً)، أو يظن إكس إنّه الأجدى بنا الاطلاع عليه من محتوى.
إن ما يفكر به العالم، وما يراه، والسردية بشأن الأحداث إنما تحدده في أوقاتنا المعاصرة وإلى شكل كبير هذه الشركات الكبرى، التي يجمعها أنها ضخمة للغاية – لا يسهل تجاهلها – وأمريكيّة، ويهيمن على قرارها الاستراتيجي فرد أو أفراد قلائل مرتبطون بشكل أو آخر بذات النخبة التي تحكم العالم من واشنطن.

تحذير بريطاني من «مستنقع الأخبار» الأمريكي

البريطانيون، على الأقل نخبتهم المثقفة، تدرك خطورة هذه الهيمنة (الأمريكيّة) غير المتكافئة على إدارة الوصول إلى المعلومات، لدرجة أن أليكس ماهون، رئيسة القناة الرابعة – وهي إحدى التلفزيونات العاملة في البلاد – دعت الحكومة في خطاب ألقته مؤخراً إلى إجبار منصات التواصل الاجتماعي العاملة في المملكة المتحدة على برمجة خوارزمياتها بشكل يعطي فرصة متوازنة للمحتوى الذي تقدمه وسائل الإعلام البريطانيّة التقليديّة، وبما يمنع انزلاق المعروض على الجمهور في المملكة المتحدة إلى ما سمته «مستنقع الأخبار الأمريكية».
ما عنته ماهون بذلك، وما يجب أن يُقلق كل المستخدمين، هو أن مصادر موثوقة نسبياً تجد أن محتواها قد توارى لمصلحة جهات شعبوية تُثير النعرات وتفتح بوابات الجدل العنصري أو الطائفي أو السياسي، لأن ذلك ببساطة يستقطب فضول المستخدمين، وبالتالي يحقق انتشاراً أوسع، وحكماً أموالاً وفيرة من وراء بيع معلومات المستخدمين للشركات التجاريّة وفرض الإعلانات عليهم خوارزميات تقرر وفق ما يتطوعون بتركه من أثر على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبالطبع، لا يقتصر خطر خوارزميات المنصات الأمريكية على التمكين لنشر المعلومات المضللة عبر الإنترنت ومن مصادر غير خاضعة لأي شكل من أشكال التنظيم أو الرقابة، بل إن السلطات وجدت بشكل متكرر أن تلك المواد المنحازة والمسمومة تؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعيّة والاستقطاعات في المجتمع، مما ينعكس سلباً على الجماهير الأصغر سناً على وجه الخصوص.

الدول الكبرى حائرة فكيف بمجتمعاتنا العربيّة

إن تراكم قوة وجبروت شركات التكنولوجيا الأمريكيّة الكبرى وارتباطها العضوي بنفوذ الولايات المتحدة المعولم، يصعّب مهمة فرض توازن ولو نسبيّ على نوعية المحتوى المفروض على مواطني دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ولك أن تتخيل إذن تلك الاستباحة التامّة التي يتعرض لها المواطنون العرب في دولهم المتفرقة من خلال تفرّد تلك الشركات الكبرى بالسردية المتوفرة أمامهم في كل وقت.
اقترحت ماهون على الحكومة البريطانية البحث عن أدوات للتأثير تتراوح بين العصا – فرض القوانين الناظمة وعقوبات على عدم الامتثال – والجزرة – إلى تقديم محفزات ضريبية وتسهيلات استثماريّة للشركات التي تمتثل، لكنه من المبكر القول إن أيا من هذه الأدوات سينجح بتغيير الخوارزميات فعلياً، لا سيما بعد فشل بريطانيا – وهي من هي في العلاقة مع الولايات المتحدة – في فرض تشريع يُحتّم على شركة أبل الأمريكية فتح بوابة خلفية إلى نظام المعلومات عن مستخدمي الآيفون تسمح للسلطات بالوصول على مواقع ومعلومات جهات جرميّة أو إرهابيّة، قبل أن يتدخل الأمريكيون ويهددوا لندن بالويل والثبور إن هم لم يدعوا أبل لشأنها، وهو ما كان.
ولعل هذا كله يشير إلى صعوبة أن تتولى دولٌ عربية متفرقة الدخول في مواجهات من هذا النوع مع موردي التكنولوجيات، ما يحتم اللجوء إلى نوع من تعاون عربي عابر للحدود، لبناء كتلة مستخدمين وحجم سوق يخشى معه مالكو شركات التكنولوجيا من خسارة موارد مهمة لهم إن لم يأخذوا برغبات الكتلة العربيّة بعين الاعتبار. وسوى ذلك، فليس لكل واحد منا خيارات بديلة عن استهلاك ما تردنه كبيرات وادي السيلكون لنا، مستنقع أخبار مضللة كان أو بستان أوهام مؤدلجة. وفي الحالين سنقرأ، ونسمع ونشاهد ترامب وحاشيته كثيراً خلال السنوات الأربع المقبلة.

 إعلامية وكاتبة – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية