■ تعلّم كثير منّا، خلال العقود القليلة الماضية؛ أن لا يخلط بين اليهوديّة من حيث هي ديانة توحيديّة والصهيونيّة من حيث هي حركة استعماريّة استيطانيّة.والخلط لا تغنم منه إلاّ الحركات العنصريّة المعادية لقضايانا العادلة؛ حتى وإن نمّ ذلك عن حسن طويّة عند بعضنا. على أنّ أساطير»المسلم الأصولي» على قلق هذه التسمية؛ قد لا تختلف عميقا عن أساطير «اليهودي الأصولي»؛وكلاهما يتقيّد بالأساطير ويقطع بها على أنّها حقائق تاريخية.
ولا نظنّ أنّ هناك من يجادل في أنّ قراءة هذه الأساطير؛ وهي مصدر من مصادر المعرفة، لاغنى عنه للباحث، وبخاصة ما يتعلق منها بالقضيّة الفلسطينيّة. إنّما المشكل في هذه الأصوليّة عندنا وعندهم أي تلك التي لا تميّز بين «الوثيقة الدينيّة» و»الوثيقة التاريخيّة»، ولا تدرك أنّ هذه ليست تلك، ولاتلك هذه؛ سواء أأفضى ذلك إلى تقاطع الوثيقتين أو لم يفْضِ. والسؤال هو: كيف؟ ولِمَ!؟ والمسوّغ لذلك جملة أمور، من أظهرها أنّ التاريخ لا يعيد نفسه، وأحداث الماضي لا تتكرّر؛ حتّى وإن دأبت شعوب غير قليلة، على أن تلتفت إلى الماضي، لتستظهر به أو لتستعيض عن الحاضر نفسه. وليس العرب وحدهم أمّة «ماضويّة»، وإنّما تتفاوت الشعوب والثقافات في التلفّت إلى التاريخ والاستدلال به على الحاضر؛ وكأنّ «وعي التاريخ وعي في التاريخ». ولعلّ هذا ممّا جعل البعض يستخفّ بدراسة التاريخ، مثل شوبنهاور الذي كان يؤاخذ مفكّري عصره على استمساكهم بالمنهج التاريخي. بل كان يرى أنّنا نُفيد من الفنّ معرفة أصدق وأعمق من تلك التي نفيدها من التاريخ.
وأقتصر هاهنا على مثال وقع بين يديّ؛ وأنا أعود إلى» غربة الشكل المسرحي الغربي» في ثقافتنا. ففي مسرحيّة «السبنسة» لسعدالدين وهبة،يعثر عسكريّ البوليس على قنبلة دسّها أحد ما في «الكوم الأخضر». ويخبر رئيسه الصول درويش بالأمر،فيكلّفه بحراستها،بانتظار المأمور والحكمدار وخبير القنابل. ولكنّ القنبلة تُسرق في غفلة من العسكري، فيبلّغ رئيسه.فيذعر الصول درويش ويَحَار،وهو لا يدري كيف يواجه رؤساءه ويصارحهم بأمر السرقة؛خشية أن يُتّهم بالإهمال؛ ويُحاكم ويُسجن. ويهتدي إلى حيلة، ويطلب من العسكري أن يضع مكان القنبلة المسروقة قطعة من الحديد ممّا يُستخدم في ضغط الأوراق. فأنْ يُتّهم بالغباوة وعدم التمييز بين قنبلة وقطعة حديد،أفضل من أن يُتّهم بالإهمال. ويقف العسكري كامل يومه لحراسة قطعة الحديد. ويصل خبير القنابل. وهنا تكون المفاجأة، إذْ يعلن أنّ الأمر يتعلّق بقنبلة شديدة الانفجار، وهو يعرف أنّها قطعة حديد. وذلك حتى يُوهم السلطات بأنّه كشف عن مؤامرة كبرى. وتتأزّم الأحداث،ويذهل العسكري المسكين،ويهمّ بإعلان الحقيقة.ولكنّ رئيسه الصول درويش يحذّره من العاقبة الوخيمة. ويصل الحكمدار من القاهرة،على رأس قوّة من البوليس. ولا يجد عمدة القرية بدّا من تسليمه ثلاثة «مُتهمين» لا صلة لهم بالحادث أصلا. وأمّا العسكري فيخشى أن تنفجر القنبلة الحقيقيّة المخبوءة في مكان ما في القرية. ويصارح رؤساءه بالحقيقة. ولكنّه يُتّهم بالجنون،ويُعتقل مع المتّهمين الثلاثة الأبرياء. لاأحبّ أن أسترسل في تلخيص هذه المسرحيّة. وإنّما أشير إلى أنّها تكاد تكون صورة من بلاد العرب اليوم،ونحن نشاهد جنبا إلى جنب، فلسطين المقاومة وهي تواجه عزلاء الفاشية الصهيونيّة، من جهة، وهؤلاء «الأصوليّين» من جهة أخرى؛ وأغلبهم شباب راهق العشرين أو أكثر بقليل ـ بسلاحهم ولباسهم العجيب ـ من الذين لا يدركون أنّ الإسلام حضارة وثقافة، وليس دعوة إلى قتل الناس وترويعهم وإرهابهم.
أخشى ما نخشاه أن يكون هؤلاء مكلّفين بحراسة»قطعة حديد» فيما «القنبلة الحقيقيّة»التي يمكن أن تنفجر في أيّة لحظة، مدفونة في عقول طائفة من بني قومنا.والأخطر أنّنا لم نميّز بعد بين قنبلة وقطعة حديد.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي