مسرحية «الوحش» اللبنانية ضوء على واقع البشر المهمشين

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» : لا يولد الإنسان وحشاً ولا شريراً، بل هو محصِّلة لظروف حياته منذ لقاء النطفة والبويضة. في مسرحية «الوحش» ومنذ لحظة اللقاء بـ»داني» على مسرح محترف الممثلين يقرأ المتلقي الأعباء التي خلّفها المجتمع على ذاك الشاب. وما هو أثر اقتصاد هذا المجتمع وسياساته البشرية على منكبيه.
إذاً «داني» هو «الوحش» في العمل المسرحي الجديد الذي أطلقه المخرج جاك مارون على مسرح محترف الممثلين. يلتقي «داني» دوري السمراني بـ»بيرتا» كارول عبود في نادي ليلي يشغلانه وحيدين. إمرأة لا تختلف هامشية حياتها عن ذاك الرجل الغريب. رجل وإمرأة يعيشان على هامش الحياة، لكل منهما عذاباته الداخلية وإنكساراته النفسية.
«الوحش» مسرحية كتبها الأمريكي جون باتريك شانلي ترجمته أرزة خضر، وقع إختيار جاك مارون عليه رغبة منه في دخول واقع الناس وكيفية تشكلهم من خلاله. في هذا العرض الجديد أراد مارون الإبحار في حياة ومشاعر المهمشين والحاملين أعباء حياة ليست بكليتها من مسؤوليتهم، وكأنها قدر. وفي ذاك الضباب الذي يلف حياة بطلي العرض ثمة محاولة لرؤية ضوء في آخر النفق المظلم.
خلال العرض يشعر المتلقي أنه ليس غريباً عن الشخصيتين اللتين تؤديانه. شخصيتان قلقتان، تعبتان ومتوترتان وخاصة الرجل، وهذا ما نلحظه خلال تنقلنا في الشوارع حيث نعيش. إذ تكثر تلك النماذج البشرية بين جيل الشباب الذين قست عليهم الحياة، وجعلت من تمردهم وعنفهم ردة فعل ليست إلا. المرأة والرجل اللذان كنا بصدد متابعة سيرتهما كانا حقيقيين، في انفعالهما وفي الجمل والكلمات التي نطقا بها. إنهما من الحياة حقاً.
في المسار الدرامي لعرض امتد لساعة وربع الساعة تبذل «بيرتا» جهداً ملحوظاً في سبيل مد جسور التواصل مع «داني». ينفر، يكفهر، يصرخ ويكرر بأن صفته بين أترابه هي «الوحش».
يخبر «بيرتا» أنه قادم للتو من معركة تركت أثراً واضحاً على وجهه، ويده الملفوفة برباط، وأثر الدم جلي عليها. بين خبر وآخر يصرخ «داني» فهو لا يفارق واقعه وصفته «الوحش» بسهولة. أسئلة «بيرتا» توتره أحياناً، فيخرج عن طوره سريعاً. يهدأ ويرتاح لمحدثته ويعلن ربما يكون أحد ضحاياه قد فارق الحياة. هذا الموت غير المؤكد يشغله. محدثته تحلل وتسأل وتستنتج «ما مات».
لـ«بيرتا» قضية أخرى موجودة في كل مكان وزمان. أجبرت على الزواج بعد حملها من صديقها. أنجبت، طلقت، وعادت لحياة العنف التي لا تفارق بيت والديها. ثورات غضب والدها لا تهدأ. خلال هياج بركانه مرة لم تجد حلاً للهدوء سوى المحرّم. أخطأت «بيرتا» مع والدها وها هي تعيش جلداً ذاتياً، وعقاباً داخلياً فرضته على نفسها. لكن هذا لا يمنع التقرب من «داني» وترويضه بحيث استجاب لدعوتها إلى منزلها. في تلك الساعات المحدودة التي قضياها معاً يصل للمشاهد حاجة شخصين صنعهما العنف العائلي والإقتصادي للحلم، للحب وللرومنسية.
هكذا وعلى مدى ساعة وربع الساعة وضع جاك مارون المتلقين أمام واقع اجتماعي ليس بعيداً عنهم. فكل منهم حاول إحالة هذه الشخصية أو تلك إلى أخرى يعرفها، أو صادفها في الشارع أو غيره. شخصيتان قويتان من حيث التمثيل، وقويتان من حيث واقعيتهما، تدخلان الأعماق، وتحثان على السؤال. والأهم أنهما مقبولتان ولا نفور منهما مطلقاً مهما اختلف أحدنا عنهما.
أما الجديد في اختيار المخرج لعرضه هذا فهو المكان. فقد عمل بمثابرة ونشاط وجهد مع فريق المساعدين، وصولاً لإعداد محترف الممثلين لإستقبال عروض «الوحش». مكان حميم ودافئ بدءاً من الصالة التي يلتقي فيها الجمهور، وصولاً إلى المسرح. أربعون كرسياً اعتلت بضعة درجات، وباتت المسافة الفاصلة بين الصف الأول من المقاعد والممثلين لا تتعدى المتر. حالة مسرحية لطيفة ومؤنسة تسمح إلى حد ما بتقاسم المشاعر بين الجمهور والممثلين، وتسمح بقراءة اقل تعبير يصدر عن أي منهما، كمثل ابتسامة «داني» حين نادته «بيرتا» باسمه الأصلي دوري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية