مسرحية “لمسة البعث” للكاتب المصري أحمد سراج: إيقاع الخطاب المسرحي بين التجريد والغنائية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

حضور شخصية الشاعر أو المثقف – وبخاصة إذا كان ينتمي إلى فترات زمنية سابقة – حضور مهم لأن للشاعر أو للمثقف رسوخًا ووجودًا بارزًا في المخيال العربي بدلالاته التاريخية وبدلالاته الوظيفية الآنية، وبدلالاته التي يمكن أن نغذي بها الماضي فيجعلنا هذا الحضور نعيد قراءة الماضي، ونعيد فهمنا الخاص لهذا الماضي وطبيعته وحركته. فمن خلال هذا الحضور لا نقارب الحاضر فقط، وإنما نقارب الماضي ونفهمه انطلاقا من محددات آنية.
يمكننا أن ننتبه بداية من المسرح العربي لهذا الحضور اللافت للشعراء بالرغم من اختلاف مستويات هذا الحضور بداية من (أبو خليل القباني)، وعزيز أباظة، وأحمد شوقي، وصلاح عبد الصبور والبياتي. ومستوى حضور شخصية الشاعر ودلالاته يختلف بالضرورة باختلاف التوجه الأدبي، ومفهوم التاريخ ودلالاته.
التاريخ في المسرح الشعري حتى أحمد شوقي تاريخ ثابت بحمولاته الفكرية والدلالية، ولا يتخطى حدود الحادثة في سياقها التاريخي، ويأتي حضوره مشدودًا ومحددًا بسياقه التاريخي ودلالاته الثابتة وفق نسق أو نسخة تم الاتفاق حولها. ولكن التاريخ بداية من صلاح عبد الصبور في مسرحه الشعري – ربما استجابة للحظة حضارية مغايرة – تاريخ مختلف، لأن التاريخ – فضلا عن كونه اشتباكًا بالواقع – يأتي مرتبطًا بالتجريد الفكري، ومشحونًا بالأفكار الكبرى، فيغدو التاريخ محض خيط أو وسيلة لإعادة البناء، ومقاربة هذه الأفكار انطلاقًا من مثيرات جزئية ملتحمة بحادثة تاريخية، على نحو ما يتجلى في “مأساة الحلاج”، و”ليلى والمجنون”.
مع صلاح عبد الصبور في مسرحه الشعري يقل المستوى التاريخي الإخباري أو الحرفي، وتتعاظم وتتراكم الدلالات المعرفية التجريدية المطروحة للمساءلة بوصفها نسقا مهيمنا ومحورا ومغيرا في طبيعة النسخة التاريخية استجابة للفكرة وتجليها في إطار واقع يغيّر في طبيعة مقاربتها في لحظة مباينة عن تجليات سابقة لها.
اختيار الفترة التاريخية في الكتابات المسرحية في ظل تحوّل التاريخ بشخصياته إلى وسلة نفعية برجماتية قد يكون موجها لأفق القراءة، فإذا كان اختيار المسرح الشعري بوصفه أكثر الفنون قربا من السياسة مقصودا، فإن اختيار الفترة التاريخية في مسرحية “لمسة البعث” يأتي اختيارًا له ما يبرره، ويأتي حضورًا لافتًا لمعاينة أسباب التحلل والتلاشي. وبخاصة إذا استحضر المتلقي طبيعة النظرة إلى الأندلس وإلى الشخصيات الأندلسية، فغالبًا ما تأتي الأندلس في كتابات الشعراء مرتبطة بفكرة الفقد أو الفردوس المفقود.
في إطار التحديد السابق، ومن خلال استحضار عنوان المسرحية – لمسة البعث – سوف تحدثُ زحزحة وإزاحة وإعادة تأويل للشخصيات بداية من ابن زيدون ومرورا بولادة، وختاما بالشخصيات الأخرى المحيطة، سواء أكانت شخصيات فرعية أو أساسية. وقد تتضاءل في ظل ذلك التوجه في القراءة تجربة العشق المدوية عبر التاريخ، يغدو الوطن وتغير حاله من فترة إلى فترة في دائرة الدلالة والتأويل. تتحدد ملامح ذلك التأويل من خلال إقامة قسيمين يلتحمان ويفترقان، قسيم مستقر بالموت له قدرة على التشكيل والفاعلية، وقسيم متأثر بالقسيم الأول يملك معرفة مفقودة، لا يتم الإنصات إليها في قرطبة أو في إشبيلية، وتبدو المسرحية – والحال تلك – وكأنها بحث أو مساءلة عن أسباب الفقد، ومحاولة للوصول إلى المحبة، وتعاظم على التناحر والخلاف اللذين يؤديان إلى خراب العمران. فابن زيدون هنا هو المعرفة المفقودة الذي يقدمها، ولكن لا يتم الإنصات إليها، فالسلطة لا تنصت إلا حين تريد، ومن ثم يحدث التشتت والتجزئة الفعلية للكيانات الكبرى.

الخطاب المسرحي بين التاريخ والأفكار التجريدية

القارئ لنص مسرحية “لمسة البعث” يدرك أن هناك إحاطة تاريخية بكل الروايات التي رويت عن تاريخ تلك الفترة المسماة بعصر الطوائف، وارتباط ذلك بالنزاع والصراع، بالإضافة إلى تعاون هذه الدول مع الأعداء، والوقوف بشكل لافت عند دولة بني عباد التي سيطرت على إشبيلية وقرطبة، فاتسعت رقعة الحكم، بالإضافة إلى أن بلاط هذه الدولة – وبخاصة في خلافة المعتمد – تحوّل إلى ملتقى حافل للشعراء والمثقفين.
تتشكل المناحي المعرفية استناداً إلى سمات الشخصيات الرئيسة، فابن عمار في حدود تشكله النصي وسياقه التاريخي يتولد له إطار خاص يجعله أقرب إلى الشخصية الميكافيلية، في وصوله إلى أهدافه، فهو شخصية تتصف بالدهاء والغدر، وينهي حياة من يعترضه إما بالنفي أو الحبس، دون النظر إلى أي اعتبارات أو أعراف أخلاقية، ولم يخرج عن هذا الإطار سوى ابن زيدون فقد ظلا شخصا مؤرقا له بوصفه رمزا للوعي والمعرفة.
وفي تحديد شخصية ابن عمار تتشكل ملامح إشكالية ابن زيدون في إشبيلية، فمع شخص قليل الاستناد إلى المثل العليا والأعراف في تحقيق أهدافه ومآربه، يتطور أمله ويصبح في دور التشكل الدائم. فمن فقر مدقع وتواضع الأسرة أو السياق الاجتماعي الذي ولد فيه ووصوله إلى الوزارة، تتجدد آماله، ولا تقف عند حد، وأهم هذه الآمال أن يصبح ملكا، طالما أن هناك نمطا جاهزا للسير على منواله، كما يشير نص المسرحية على لسان خادمه هادي:
فهذَا يجُوزُ البِحارَ
وَحِيدًا
شريدًا
فقيرًا
طريدًا
فتُضِحِي الجزيرةُ مِلْك يمينه

أما شخصية ابن زيدون فهي الشخصية المحورية في نص المسرحية، وهي الشخصية التي يتم من خلال اتساعها الفني، مقاربة الجزئيات الفكرية الخاصة بالبنى المعرفية، خاصة في وجود وعي فني لافت بفترات حياته بداية من مولده بقرطبة عام 394 هـ، ومرورا باتصاله بابن حزم ابن جهور وسجنه 422 هـ، وهروبه إلى إشبيلية 441 هـ، ودخوله ديوان المعتمد ابن عباد 445 هـ وظل بها حتى 463 هـ، وختاما بعودته إلى قرطبة.
وبالرغم من أن الحدث المهيمن في حياة ابن زيدون وسيرته حبه لولادة فإن المسرحية جاءت مصورة هذه المعرفة مشدودة إلى حالين من الصراع، وفي كليهما تتشكل طبيعة العصر المرتبط بالتشرذم والتناحر، ففي قرطبة جاء صراعه مع ابن عبدوس وزير ابن جهور سببا في سجنه، وفي إشبيلية بعد هروبه جاء صراعه مع ابن عمار نسقًا ممتدّاً. وتمثل عودة ابن زيدون إلى قرطبة في نهاية حياته محاولة للاكتمال المفقود بالتشظي والرحيل، من خلال إقامته بعيدا عن حبه في إشبيلية، وأول شيء قام به زيارته لولادة، ولكنها رفضت مقابلته، لكي تظل صورتها – في إشارة الكثير من المراجع – ماثلة كما كانت قديمًا.
والخطاب المسرحي غيَّر وحوَّر في الحدث المثبت تاريخيا، فجعل الزيارة من ابن زيدون- نظرا لفعل الزمن وتأثيره – شخصية غير معروفة للخادمة ميساء، ومن ثم جاء الطلب ورفضه دون معرفة شخصية ابن زيدون من الخادمة، إلا بعد رآه ابن عبدوس وتعرف عليه، فقد طلب المقابلة ليس بوصفه شخصا محددا، وإنما بوصفه شخصا غير معروف، وذلك حتى تظل فكرة البعث والاكتمال ولم الأشلاء والشتات مشروعة.
تتكامل الأفكار المعرفية الخاصة بالمسرحية في غضون تشكل هذه الشخصيات، بالإضافة إلى صورة ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي الخامس عشر، وتشير المراجع إلى ضعفه في هذا العصر المملوء بالقلاقل والمحن، وإلى سطوة الحجابة في عهده من خلال المنصور بن أبي عامر، وقد قتل والدها في ثورة الغضب العارم التي حدثت في قرطبة سنة 1025م. وهناك في السياق ذاته شخصية المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف، قبل أن يقضي على حكمه المرابطون، وكان-  كما تذكر المراجع – يهتم كثيرا بالشعر والشعراء، حتى عرف عنه أنه لم يكن ينصب أحدا وزيرًا أو كاتبا أو منصبا مهما إلا إذا كان شاعرا.
يتشكل البناء من خلال أيام محددة، وهي على الترتيب (يوم المكر الأول) ابن عمار مع أهالي قرطبة، و(يوم الرجال) يأتي لتشكيل نسق مقابل من خلال المعتمد وشخصية عبد الله من أشراف قرطبة، و(يوم يهل النسيم) حيث يرتبط بعودة ابن زيدون إلى بيت ولادة، ولم تعرفه الجارية أو الخادمة لتقدمه في العمر، و(يوم المكر الثاني) يصور ابن عمار وأصحابه من أهل قرطبة، و(يوم يأتي الماضي) لقاء ابن زيدون وابن عبدوس في بيت ولادة، وأخيرًا (يوم بألف ألف) حيث ثلاث محاكمات في أزمنة مختلفة لابن زيدون تتشكل فيها اتهامات، في عرض لوجهات نظر تاريخية، ولكنها مشدودة للآني في مساءلة غياب المعرفة، وسيطرة القسيم المقابل.
وتغيير الاسم من الفصول أو من المشاهد إلى الأيام في نص المسرحية قد يكون مرتبطا بفكرة أساسية خاصة بتقلبات الحياة والكون في محاولة استيفائها في قطاعها الطولي، وفي رصد طبيعة البشر وتصاريف الزمان من يوم لك إلى يوم عليك، ولكن هذا التأويل ربما ليس كافيًا، فهدف هذه الآلية الأساسي يتمثل في تحرير الحادثة من نسقها التاريخي لتجعلها وثيقة الصلة بالفكرة، وللتأكيد على أن هذه الشخصيات في أفعالها وسلوكها ليست إلا مظاهر لتشكل كلي يهيمن على السياق وعلى العقلية العربية في امتدادها، وأنها – أي هذه لسلوكيات – ما زالت فاعلة ومستمرة.
في ظل هذا التوجه تتحول الشخصيات إلى أفكار، فولادة لن تقف دلالتها عند حدود الكيان التاريخي بأطره المعهودة، وكذلك ابن زيدون وابن عمار وابن عبدوس ستتحول كلها إلى معان ودلالات. وتتأسس الدلالة من خلال مقاربة كلمة البعث الواردة في عنوان المسرحية، والواردة كثيرا في نص المسرحية، فنحن في نص المسرحية أمام محاولة إعادة تفعيل للأسطورة المصرية القديمة (إيزيس وأوزريس) في مقابل قوى الشر أو تعود إلى كل مجمل الأساطير المرتبط بالانبعاث من جديد، فالفراق الذي سعى إليه الوزيران (ابن عمار وابن عبدوس) انسلاخ من الوحدة ومن الانسجام، وكشف عن الموت بعد حياة سابقة، وكل محاولة للقاء هي محاولة للاكتمال عن طريق التوحد والمحبة، فالمسافة بين الاكتمال الأول والاكتمال المرتجى وجود ناقص، يتجلى ذلك حين نقرأ نص المسرحية:
تسألينني..
لا يحيا إلا بالعودة
لن يحيا إلا بالعودة
فلقاها لمسة بعثٍ
إن التغييب الذي أسسه الخطاب المسرحي لشخصية ولادة- فكل رصد لها يتم من خلال آخرين- لا يخلو من إسدال نوع من القداسة والفاعلية الخاصة بها، بوصفها واهبة الروح في الجسد الميت، وهذا يؤسس مشروعية للتلقي الذي تفترضه طبيعة هذه المقاربة، فحين تقول المسرحية على لسان ابن زيدون:
بل أنا عبدُهَا..
فاحملي ذا لها..
ولها أن تسكنَ كلَّ
نهارٍ قصرًا
قولي: لمسةُ البعثِ أنتِ
فَلا تبخلي بالحياةِ
على من يحيا لك.
ندرك أن هناك تأسيساً خاصّاً، وتأويلاً جديدًا للتاريخ لا يقف فقط عند حدود رفد الماضي للحاضر، وإنما يجعل الحاضر أيضا يرفد الماضي بتجليات لم تكن حاضرة في لحظته وسياقه التاريخيين.
وتأسيس هذا المدخل القرائي وربطه بتنضيد جديد لأسطورة إيزيس وأوزريس يجد مشروعية في التباين بين طبيعة كل توجه وكل قسيم من القسيمين، فالقسيم الأول قسيم الخير(المكوّن من ابن زيدون والمعتمد وآخرين) لديه إيمان بإمكانية البعث والصحو والاكتمال، ولكن القسيم الآخر قسيم الشر (المكوّن من ابن عمار وخادمه هادي ومساعديه من من أهالي قرطبة) لديهم يقين باستمرار الموت بالنسبة لابن زيدون، وباستمرار الحال والثبات وغياب التغيير، فابن زيدون يمثل ماضيا، فأول حضور لكلمة البعث في نص المسرحي كان من خلال صوت هادي-خادم ابن عمار الذي يمثل الشخصية المخترعة حيث يشكل من خلالها الوجه المشدود إليه نوازع وآمال وهواجس ابن عمار:
ابنُ زيدونَ ماضٍ جميلٌ
تليدٌ.. ماضٍ.. ماضٍ..
ماضٍ وأنتَ
الحاضرُ والآتي
كمدينتهِ الزهراء
وكقريتِنا العزلاء
لن تُنسى
قرطبةُ الأحلامِ.. ولكن
لن تحيا أبدًا
لن تصحو من رقدتها
أبدًا.. أبدًا

في إطار ذلك الفهم تتحلل الحكاية التاريخية، وتغدو مجرد إطار، وتتشعب لتتجلى في نمط معرفي مشدود لمعاينة المفاهيم الكبرى، وتتجسد العودة النفعية للتاريخ، في تحديد العلل المصاحبة للعقلية العربية في أصل نشأتها وتكوّنها، ولم تستطع أن تجترح مناحي فاعلة في تقليل أو محو هذه العلل، فنلمح في نص المسرحية تشكيلا ومقاربة لملامح حدود السلطة، وكيفية إنصاتها أو إعراضها عن صوت المعرفة، ومن ثم لا تفلح هذه المعرفة – الممثلة في الشاعر -في القيام بدورها الفعال في قيادة أو المشاركة في القيادة للخروج من النفق المظلم. يبدو ذلك واضحا في المحاكمة التي تعرض لها ابن زيدون. ففي هذه المحاكمة يدرك الناظر في سلوك ابن زيدون من خلال الاسترشاد بإشارات التاريخ أنه قد انضم إلى حركة تسمى حركة الجهاروة وهي حركة معادية لحكم خلفاء بني أمية( ويمكن أن يكون ذلك سببا في تفسخ العلاقة بينه وبين ولادة). وفي حدود ذلك الاتهام تتشكل حدود المحاكمة الثانية، ولهذا تبدأ المحاكمة من خلال صوت القاضي:
المتاهةُ ثانيةً..
وكأنَّ عليكَ
قضاءَ حياتِكَ في
نُصحٍ لا يُسمَع.
المعرفة الغائبة أو المفقودة – أو النصح الذي لا ينفع على حد تعبير نص المسرحية-لا تغيّب إلا في إطار سلطة لا تتم سطوتها إلا من خلال تغييب صوت المثقف أو تغييب المعرفة، وهذه العلاقة من المناحي الفكرية التي تجترح حدودها كتابة أحمد سراج المسرحية، يتجلى ذلك النسق في جمل تتكرر كثيرا من خلال الحوار في نص المسرحية، ليكشف عن التراتب الحاد بين السلطات أولا، ويكشف ثانيا عن حضور النسق الخاص بالبطش والتنكيل مع كل صاحب صوت. فابن عمار استنادا إلى فاعلية ذلك النسق في مخاطبته لهادي خادمه أو مرآته الخاصة التي تتكشف من خلالها آماله ونوازعه وهواجسه:
هُس.. هُس.. فالملوكُ إذَا
غَضِبوا أو
خَافوا ذِئابْ.
وقد تتشكل ملامح السلطة في ملامح خاصة في التنكيل بالأخ والصديق استنادا إلى نماذج سابقة دالة من التاريخ، وذلك للارتباط بالخوف على حدودها وتشكلها:
للحُكمِ دمٌ مفرَدٌ
مفرِدٌ
صارخٌ دومًا:
لكَ وحدَكَ ذا المُلك
ولكن هذا الوجه الخاص بالسلطة يقل حدة إذا انتقلنا إلى أنماط القسيم الآخر، فنجد هدهدة لتلك السلطة أو على الأقل تصبح مشفوعة بشيء من المعرفة، أو يصبح هناك صوت يدرك هذا التكوين، ولا يستطيع له دفعا، فتقف مهمته عند حدود المراقبة دون قدرة على التغيير، فهذه السلطة مشدودة إلى نسق عام يقلل من قدرتها وفرادتها، ويقضي على قدرتها على الفعل والتغيير، حتى إذا كان لديها وعي بالمنحدر التي تنزلق إليه. فالمعتمد في وجه من وجوهه يمثل السلطة المشفوعة بالمعرفة، ولكن هذه المعرفة لا تقوم بشيء سوى أن تجذره داخل وعي خاص، وليس في القدرة على التغيير. يكشف عن تعامله الخاص مع ابن زيدون:
أمةٌ في مواجهة المحوِ تأكُلُ قُوَّتَها
يتقاتلُ أبناؤها..
يتنازلُ أبناؤها
ليتهُم خاطبُوا عدوهم
مثلما خاطبوا إخوتهم
يتأسس هذا المنحى على لسان عبدالله أحد وجهاء قرطبة، وذلك من خلال توصيف الحال، ووقوف معرفته أو إدراكه عند حدود المقاربة:
ماذا يحمي أهلي إن خنت أخي؟
ماذا يبقى من شرف أو أهل..؟
تبدو المحاكمة المتخيلة لابن زيدون في ظل هذا الفهم في الجزء الأخير من المسرحية (يوم بألف ألف)، محاكمة للمعرفة الغائبة واستظهاراً لحدودها، ومحاكمة لغياب الدور الذي لم تقم به ولم تؤده حتى يتمّ تجنب هذه المزالق الخطرة نتيجة للصراع والتشرذم والخلاف. وتتوزع كل محاكمة أو مساءلة من المحاكمات الثلاث إلى مرحلة عمرية مختلفة، وسن ابن زيدون فيها على الترتيب تسع وستون، وخمس وأربعون، وثلاثون سنة، وفي كل واحدة من هذه المحاكمات هناك سلوك من ابن زيدون يستعصي على التفسير والتأويل، ويسهم الحوار في تقديم وجهات نظر متباينة، وفي تفنيد اتهامات، لأن هناك بشكل مبشر حضورا للمعرفة وكشفا عنها.
تقوم المحاكمة الأولى وسنه تسع وستون سنة في ارتباطها بدور ابن زيدون بتسليم قرطبة للمعتمد، وفي اختلاف ردود الفعل ضد المستكفي والخلفاء الأمويين المتعاقبين. وضد القاضي الحكم بن جهور (ملك الطوائف في قرطبة)، ودوره المتباين بين الثورة على الأول والتسليم للأخير، وتتكامل ردوده في النص المسرحي إلى إطار مشدود للضعف العام، وإلى محاولة إعادة الحياة إلى قرطبة الزهراء.
أما المحاكمة الثانية فتتأسس في ارتباطه – وهو الوزير- بولادة ابنة الخليفة المستكفي، وكأن في ذلك من وجهة نظر القضاة والمحاكمة نزوعا إلى السلطة ومحاولة الاستيلاء عليها، ويأتي رده كاشفًا عن كون المحبة الحقيقية لا شأن لها بالسياسة، وأنه كان يتمنى في ظل ذلك التصور أن يهرب بمحبوبته بعيدا.
أما المحاكمة الثالثة – وهو في سن الثلاثين من العمر- فتتشكل في وجود قاضية لإسدال تماه بينها وبين ولادة، وكأنها بديل لها، واستجابة لبعض الدعوات الأوربية التي جعلت من ولادة نمطا من أنماط النسوية ومحاولة استعادة تشكيلها في ظل هذا الإطار، فالنص المسرحي أسس من خلال تغيبيها الجسدي وحضورها في أصوات الآخرين نسقا متعاليا قادرا على الفعل بالرغم من الغياب، وفي تلك المحاكمة يدافع عن نزوعه في تعلقه بجارية سوداء عذبة الصوت، ويقال أنه فعل ذلك لإثارة غيرة ولادة حين رآها تقترب من الشاعر الوزير ابن عبدوس، وكتب على لسانها الرسالة الهزلية في هجائه. يجعل النص المسرحي هذا الحدث – ارتباط ابن زيدون بجارية سوداء –  مشدودا باستمرار إلى احتدام العاطفة، وزيادة اشتعالها حتى لا تخمد.

إيقاع الخطاب المسرحي والغنائية

في مسرحية “لمسة البعث” هناك مساحات كثيرة للتماهي والتداخل بين الذات الكاتبة وبطل المسرحية، فكلاهما مشروع معرفة ووعي، وكلاهما يعلن الانتساب إلى الفن، وإلى الوعي بحركة التاريخ وسياقاته وتقلباته، ومن ثم تتشكل حدود الذاتية في المسرحية في حدود مجالات الاستبطان الذاتي، وغالبا ما تأتي عندما تتعرض هذه الذات للآمال والإحباطات والهواجس التي تنتابها، خاصة إذا كانت هذه الشخصية تشكل رمزًا لحال أو لنسق فكري، وتبقى للمؤلف ميزة مهمة تتمثل في القدرة على تمثل المواقف لكل الشخصيات والبحث عن تبرير منفتح على الغنائي يكيف سلوكها وخياراتها.
الغنائية التي تأتي بشكل محسوب بدقة في المسرحية تشكل إيقاع الخطاب المسرحي وتوزعه بين الحرفي التواصلي الدرامي، وانفتاح الخطاب على الذاتي الغنائي، في ظل ارتباطه بآمال مطروحة للتحقيق في رحم الغيب، ومعاينة وترقب نبوءات وهواجس تتعلق بها وتفرق منها. يتجلى ذلك واضحًا في اليوم الأول (يوم المكر الأول) في صراع ابن عمار الداخلي مع مخاوفه وهواجسه وخوفه من النبوءة التي ستحقق فيما هو قادم، وكذلك في خطاب هادي – مرآة ابن عمار- حيث يكشف عن ارتهانات حادة في الوعي بالذات واشتباكاتها.
وقد تصبح الغنائية موفورة الحضور في النص المسرحي لإظهار الجدل المسرحي بين شخصين، حين تقدم رؤية لا ترضى عنها الشخصية المقابلة، فتتولد الغنائية مقابل غنائية فيحدث تحديد وتنميط أقرب للصواب لملامح الشخصية المتحدث عنها، وكأن هذه الغنائية التي جاءت بوصفها رد فعل، غنائية تصحيح مسار لحركة الحوار، يتجلى ذلك في خطاب هادي واختلاف رأيه عن رأي ابن عمّار في ابن زيدون. فوجهة نظر هادي تتمثل في أن إشكالية ابن عمار ذاتية نابعة من طموحه وسلوكه غير الأخلاقي غير المشدود إلى عرف مقبول، بينما يراها ابن عمار إشكالية نابعة من حضور وتأثير الآخرين، وأولهم ابن زيدون، فكأن خطابه- خطاب هادي الخادم المشدود للغنائية- فعل تحقيق للقيمة وثباتها:
هذا الفانِي..
تتقلَّدُ أشعارَهُ الغانياتُ الفواتن!
هذا الفاني
كالبروقِ تسيلُ قصائدُهُ
كمياهِ السِّماءِ بقدْرٍ
محسوبٍ
محمودِ
محسود!
هَذا الفَانِي
هاتِ امرأةً
لا ترَى حُلمَها
إلا في قوله!
هاتِ فاتِنةً
لا تخلقُ من شوقٍ
حين تسمع صوتَه
هاتِ غانيةً
لا تحطُّ على حسنها
عطرًا من قصائدهِ
عقدًا من فرائده
إذا كانت الغنائية في المسرح في أغلب الأحيان تتشكل من التماهي، ومن توحد الصوتين- صوت المؤلف بصوت الشخصية لاستيلاد صوت جديد – ومن القدرة على استحضار وجهات النظر المتباينة لتصحيح المسار والحركة، فإنها في بعض الأحيان تتحول إلى تمدد لافت، ويكون المحاور على الجانب الآخر ليس إلا مثيرًا لاستكمال هذه الغنائية من خلال حضوره بلفظه أو من خلال إشارة تعكس – وكأنه مرآة – مدخلاً أو مسربًا لفتح منافذ جديدة لهذه الغنائية لكي تتمدد.
هذا النوع من الغنائية الدافقة لا يتحقق إلا في الأصوات المتجاوبة التي تشكل توجها متشابها إلى حد ما، كأن الشخصية حين تتحاور معها تتحاور مع نفسها، فهناك توجه في الآمال والتطلعات واستناد إلى كم محدد ومعروف من الإحباطات، على نحو ما يمكن أن نرى بين ابن عمار وخادمه هادي، أو بين زيدون – بوصفه غريبا غير محدد الشخصية – وميساء خادمة ولادة حيث يخلق الارتباط الخاص بكل شخصية منهما بولادة توجهًا متجاوبًا، فتتلاحم الرؤى وتصير غنائية ممتدة، كلما خبت بهاؤها على لسان قدمت لها الشخصية الأخرى إشارة أو كلمة تشكل منحى جديدا للتمدد. يتجلى ذلك أيضا في الحوار الممتد بين ابن زيدون وابن عبدوس بعد أن منع عنه جنود المعتمد، فيغدو ابن عبدوس وجها آخر للذات، وبخاصة حين تذوب الإحن وتنتهي سعايات الكيد بفعل تقدم العمر، وبفعل الشخصية النموذجية المقدمة لابن زيدون فيقدم الحوار تصورا دافقا بالغنائية (للزمان، والمكان، والحنين، والفراق، والغياب)، وتطل بوصفها مرتكزات جديدة للانطلاق، وللكشف عن طبيعة الذات وتشكلها المجرد للالتحام بفكرتي المعرفة والوعي.
ما يقدمه المحاور نابع – وفق إيقاع الخطاب – من شعور الكاتب بطول هذه الغنائية، ومن ثم يحاول هدهدتها بألفاظ الشخصية المتحاورة مع الشخصية صاحبة الصوت، ولكن هذه الألفاظ البسيطة لا تفلح في تأسيس نسق درامي مباين يكسر حدة هذه الغنائية، مما يجعلنا نشعر بوجود حالة خاصة من التوحد في الرؤى، واندماج في نسق واحد لتوليد حالة من حالات التماهي.
مسرحية “لمسة البعث” مشدودة إلى سبيلي التأمل للسياقات الحضارية للوعي، ومساءلة هذا الوعي بثباته وركونه واستمراره، بالإضافة إلى مساءلة المعرفة المستندة والمولدة من هذا الوعي، بسجنها داخل إطار يحجم من وجودها، ويقلل من فاعليتها وتأثيرها، فنراها دائما  واقفة عند حدود ثابتة ليس لديها قدرة على النفاذ والتأثير.

أحمد سراج: “لمسة البعث: من أيام العاشق الأندلسي

دار نهضة مصر، القاهرة 2019

144 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية