مسرح الانزياح… الفعل والتلقي في مسرح ما بعد الحداثة

هل ما زال سؤال التأصيل ملحا إلى هذه الدرجة في الفعل المسرحي في المغرب؟ ألم نتجاوز مرحلة وضع أسس إبداع مسرحي ينهل من الهوية ويتوخى طابعا متجذرا في تربتنا المغربية/العربية؟ إن التأرجح بين مسرح مقتبس من الغرب دون أي مجهود، والعودة إلى التراث بدون تملكه، وحضوره بشكل فلكلوري لا يستفيد من المنعطفات المهمة، التي انطلقت منه في إبداعها المسرحي ولا يتجاوزها، هو ما جعل أغلب النقاد والأكاديميين يصفون مجمل التجارب الحالية والشابة في المسرح المغربي بـ«الحساسيات الجــــــديدة»، وهـــــو نوع من الإقرار بكونها في غالبيتــــها عاجزة عن رســم معالم أفق مشــترك يجعلها ترقى إلى مستوى الموجة الجديدة أو التيار الواضح المعالم. ما الذي يجعل النقاد يحصرون هذه المجهودات الفردية المشتتة هنا وهناك في كونها حساسيات جديدة ليس إلا؟ هو حتما غياب الآفاق الواضحة للاشتغال في كل تجربة بمشروع جمالي واضح والانطلاق من وعي نقدي وتنظيري، يبدو واضحا في مخرجات المختبر التجريبي لكل تجربة/ مقترح، حتى إن أراد المبدع إضماره، فهو يظهر بقوة في اللاوعي الذي يتغدى منه فعله الإبداعي.

الفعل المسرحي

إن الإبداع المسرحي اليوم، أيا كانت البقعة التي ننتمي لها في العالم، لا يمكن أن يكون بمعزل عن معطيات ما بعد الحداثة، التي غدت تحكم العالم والعلاقات الفردية والجماعية داخله. الناس تشاهد التلفزيون، وتسمع للمذياع في الآن ذاته، الذي تبحر فيه في الإنترنت على حواسيبها أو هواتفها الذكية، منخرطة في مونولوجات نرجسية طويلة، قد تخالها منصات للتناظر أو فضاءات تفاعلية. حتى طريقة تلقي الفنون الحية والسمعية البصرية اختلفت، وصارت لغة الإنترنت وسوقها وإيقاعها تحكم كيفية التلقي هذه. هكذا صرنا نشاهد الموسيقى والغناء على شكل فيديو كليب قبل أن نسمعها كأغاني ومعزوفات، ونتلقى السينما أمام الحاسوب قبل أن نختبر هل لدينا الرغبة والاستعداد، لتلقيها داخل طقس الفعل الجماعي/ المجتمعي، الذي تشكله قاعة السينما. هذه الوصفات الفنية الجديدة قوّت فردانيتنا وانعزالنا بشكل غريب، غذاه انغماسنا في عوالم افتراضية نشكل فيها بدورنا جماعات ومجموعات افتراضية؛ حتى غدونا نخال أننا لسنا في حاجة إلى التلقي الجماعي، وما يمثله من ذريعة جميلة للقاءات الجماعية، وتقاسم لحظة التلقي ونقاشات ما بعد التلقي، أو ردود الفعل المختلفة خلال التلقي نفسه.
إن هذا الغزو الرهيب للصور، جعل الإنسان/المواطن في حاجة أكثر ــ على عكس ما يبدو ــ إلى الخروج من عزلته الخانقة والمؤثثة بفوضى العالم وضجيجه، نحو لقاء حقيقي مع إنسانية هذا الإنسان، وهو ما يرسم «العودة إلى العروض الحية» كنتيجة للاستهلاك الهستيري للصور، لكن هذه العودة لا تكون إلا ضمن نسق عام يأخد بعين الاعتبار، أساليب التلقي الجديدة (المابعد حداثية) ويقترح مواعيد/عروضا تعلن عن نفسها داخل «الهندسة السردية» لهذه الأساليب/المنصات، بحيث تصير حلقة ضمنها. ذلك أن العرض المسرحي اليوم عليه أن يبحث عن جمهوره داخل العوالم الافتراضية، التي يسبح فيها (شبكات التواصل الاجتماعي – القنوات الإلكترونية) ويقنعه إلى التوجه نحوه للتمتع بلحظات انزياح وتفكير بأبعاد جمالية وحسية يشارك فيها ولا يكون مجرد متلق سلبي.

القالب المسرحي المتداول قالب عالمي، وهو حصيلة جهود البشرية في أزمان وأماكن مختلفة، واستخدامه لا يضير المسرح العربي إذا أحسن العرب استخدامه وعرفوا كيف يسيطرون على هذا القالب ليجعلوه وسيلة لعرض هموم الإنسان العربي وتطلعاته.

هل يوجد مسرح عربي؟

المسرح الذي تنتظرونه، حتى في الشكل الحديث تماما، لا يمكنه أن يكون المسرح المرتجى. في الواقع، إذا كنتم تنتظرون مسرحا جديدا، فإنكم تنتظرونه بالضرورة داخل إطارأفكار، هو في المسبق أفكاركم. في المقابل هل يجب التحديد أن ما ننتظره هو موجود أصلا بشكل ما.
لا أحد بيننا يمكنه أن يقاوم أمام نص أو عرض تلك الرغبة في القول: «هذا مسرح» أو «ليس هذا بمسرح». ما يعني أن لديكم فكرة عن المسرح متجذرة تماما.
في حين أن الأشياء الجديدة، حتى في المطلق، تعرفون بما يكفي، أنها ليست أبدا مثالية، ولكنها ملموسة. وبالتالي فإن حقيقتها وضرورتها تافهة ومملة ومخيبة للآمال: إما لا نعترف بها أو نناقشها بمرجعية العادات القديمة.
اليوم تنتظرون كلكم مجيء مسرح جديد، والفكرة التي تكونوها عنه ولدت داخل المسرح القديم»، ذلك أن مجتمعاتنا المغاربية والعربية مازالت تحاول التأقلم مع مفاهيم الحداثة ومبادئها، في وقت انخرطت فيه المجتمعات الغربية في ما بعد الحداثة، وما قد يأتي بعده. هكذا يظل الفعل والتحليل المسرحيين حبيسين لمفاهيم مسرحية توصف بالحديثة، وإن غدت قديمة وكلاسيكية ومستهلكة في سيرورة التطور العالمي للمسرح الذي شهد غداة ظهور الإنترنت تجاربا للمسرح ما بعد الدرامي والمسرح ما بعد الحداثي. من جهة أخرى تم تضييع الكثير من الوقت في محاولة تأسيس مسرح عربي الشكل من خلال الاعتماد على أشكال ما قبل مسرحية، هي ظواهر وطقوس غير مسرحية أو على نصوص وأجناس أدبية لها القابلية لأن تكون من خلال مواضيعها وشخوصها وعوالمها مادة خاما لمسرح ينهل من التراث، لكن لا يكفي حشد هذه العناصر من التراث داخل عمل مسرحي ليكون ذا قيمة فنية.
ذلك أن ما وجد في تراثنا من ظواهر قد تحتوي على بعض العناصر المسرحية ليس مسرحا، وأن الإصرار على اعتباره مسرحا، وعلى اعتباره ـ بالتالي- شكلا لمسرحنا العربي الحديث قد يسيء إلى تراثنا وإلى مسرحنا أكثر مما يحسن إليه، لأن البناء على أرض هشة لا يدوم، بل لابد أن يتداعى عاجلا أو آجلا. ولن يضير العرب في شيء أنهم لم يطوروا مسرحا، فلقد طوروا الشعر والخطابة، وجوّدوا فيهما، ولكنهم لأسباب قد يكون الباحثون ذكروها أو لم يذكروها لم يأخذوا عن اليونان مسرحهم، ولم يطوروا لنفسهم مسرحا، فلماذا نصر على مسرحة ما لم يكن ممسرحا؟ وعلى بعث مسرح عربي جديد من مسرح عربي قديم لم يوجد أصلا؟

مسرح الانزياح

إن القالب المسرحي المتداول قالب عالمي، وهو حصيلة جهود البشرية في أزمان وأماكن مختلفة، واستخدامه لا يضير المسرح العربي إذا أحسن العرب استخدامه وعرفوا كيف يسيطرون على هذا القالب ليجعلوه وسيلة لعرض هموم الإنسان العربي وتطلعاته». ولعل التجارب العربية الناجحة في استقراء التراث والنهل منه في تشكيل مادة مسرحية هي تجارب طوعت القالب المسرحي العالمي، وتمكنت من التقنية المسرحية، بدون تضييع الوقت في التنظير لهوية مسرحية قومية.
إن مسرح الانزياح محاولة للتأسيس لمسرح ما بعد حداثي في المغرب يخلخل المفاهيم الجاهزة في الشكل والمضمون المسرحيين، معتمدا على فعل الانزياح الذي يحضر كمنطلق تجريبي أساسي في مقترحنا الجديد. فما هي أسس هذا المقترح وركائزه؟

٭ مخرج مسرحي ـ المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية