بيروت – «القدس العربي»: كسر مسرح المدينة الخوف من كورونا وكان سبّاقاً في تنسيق حفل أول في 14 الشهر الجاري ستتبعه حفلات أخرى تمتد إلى 26 آب/ أغسطس تحت عنوان «هيصة المدينة».
ضُرب موعد الحفل في السابعة مساء وبدأ في الثامنة والنصف. حضر من سجلوا أسماءهم مسبقاً وآخرون، واستقبلهم حاجز قياس درجة الحرارة، تلاه آخر إجباري لتطهير اليدين، والكمّامة من البديهيات. في بهو المسرح السفلي تجمع الحشد وفي استقبالهم كلون بلون أبيض إختار منقار ببغاء وتخفى به. بدأت هيصة المدينة مبكراً مع دي جي عليم بحاجة الحضور للفرفشة بعد طول اختباء. كانت الموسيقى غربية وحماسية اخترقها للحظات صوت وديع الصافي صادحاً «لبنان يا قطعة سما» دون أن يُكمل التالي «عالأرض تاني ما إلا». كلمات مؤلمة في بلد منهوب من زعماء الطوائف، والناس ترزح تحت خط الفقر، وعلى الرصيف المحازي لمدخل مسرح المدينة قرر «علي» وضع حد لحياته تاركاً خلفه واحدة من أبلغ الجمل المفيدة التي نطق بها زياد الرحباني «أنا مش كافر».
أوتار العود
قبل الدخول إلى المسرح تنقلت الممثلة والمخرجة نضال الأشقر بين الحضور مرحبة ومبتهجة بنجاح مسعاها، حملت المذياع لتقول بالتباعد الجسدي وليس الإجتماعي، وتؤكد ضرورة الكمامة. وفي المسرح مقاعد مغطاة بشريط لاصق لضمان التباعد الجسدي وأخرى متاحة للجلوس، والدوريات تتوالى طلباً لوضع الكمامة لكل من تبرّم منها.
الفنان زياد سحاب وفرقته الموسيقى أحيوا المناسبة. عزف سحّاب على أوتار العود بأسلوبه الخاص، لا جلوس ولا وقار شبيه بالقصبجي، فكل إبن عصره. بعد أغنية من تلحينه أدتها صبية دون التعريف باسمها، صدح صوت حنين من بين الجمهور «محكمة الشعب بدّا تصادر أموالك .. يا ظالم وين بدّك تخبي حالك..» واختارت ألين لحود أجمل أغنيات والدتها سلوى القطريب «خدني معك..» و «يا استاذ الأبجدية» شاركها الديو بديع أبو شقرا متنكراً بوهرة أستاذ المدرسة. وظهرت موهبة بديع أبو شقرا جلياً عندما غنى منفرداً من ألحان زياد سحّاب «لا تصدق حكي الإشاعة كلهم حرامية الجماعة.. والهوية ثورجية..» أما خالد العبدالله فألهب الجو بأغنية «آه يا للي علّي تغرب ولا قلّي».. وله زغردت نضال الأشقر. سامي حواط مسك الختام وله كانت التحية «مولعة» بخاصة مع أغنية «بحبك بلا ولا شي».
ملائكة زيادة الرحباني
المشاركون في احياء هيصة المدينة جميعهم أدوا ختاماً أغنية «شو هالإيام اللي وصلنالا قال إنو غني عم يعطي فقير». إنها ملائكة زيادة الرحباني وافكاره الفنية والإجتماعية وكلماته كانت حاضرة لتقول أنه حفل من بدايته إلى نهايته يرفع صوت الناس.. كل الناس.
السيدة نضال الأشقر التي تشكل بوصلة الحركة الثقافية في بيروت بعد كل انتكاسة ماذا تقولـ« القدس العربي»؟ قررنا أن نستمر، ولهذا القرار دعامات أساسية هي الأمل والثقة بهذا البلد. 2020 سنة النحس على لبنان خاصة وعلى العالم عامة. ليس لنا سوى كسر هذا النحس المستمر، وسبيلنا لذلك الفن والإبداع والثقافة.
بعد اشهر من الإقفال كيف بنيت من حولك مجموعة فاعلة؟ تقول: إنها 26 سنة من العمل مع الشباب في المسرح وهم على أتم الإستعداد لمعاودة النشاط. عبّر الفنانون الذين تواصلنا معهم لإحياء الحفلات عن استعدادهم وسعادتهم. فهم شباب وصبايا مياومون، لن يأكلوا إن لم يعملوا. هذا حال المغني وكذلك الموسيقي والتقتني.
وهل تعني بيروت الثقافة والمسرح أمراً ما للمسؤولين برأيك؟ تقول: بعضهم مثقف وبعضهم الآخر يرى المسرح هامشي. هم لا يدركون أهمية المسرح في حياة الشعوب. ولا يعرفون كم يبث المسرح في النفوس حلماً بحياة افضل.
تعرضون في 25 و28 تموز/يوليو مسرحية «عم بيقولو إسماعيل ما انتحر» لمحمد الدايخ إنها صدفة تلتقي مع انتحار «علي» على الرصيف المقابل للمسرح. ماذا تقرأين في هذا؟ تقول نضال الأشقر: لم تكن صلة بين المسرحية والإنتحار المؤلم، لكن رمزية ما باتت تجمعهما. وهذا الإنسان النبيل الفقير الذي انهى حياته أمام المسرح ترك حزناً بليغاً في قلوب الناس. حتى وإن كتب «أنا مش كافر» ففعل القتل أهم بكثير. فهل لهذه الدولة المنهارة أن تشعر بألم الناس؟ الأمل وحده دفعني لإعادة افتتاح المسرح، وبضرورة اعادة النظر في كيفية العودة، فتكرار الذات مستحيل.
وخلصت للقول: لنعود إلى الحياة الطبيعية يجب أن يتحلّى الفنانون بالتزمت الكلي حيال الإلتزام بالوقاية من فيروس كورونا.