مسرح شكسبير وبريطانيا اليوم: دراما الواقع السياسي

أورلايث دارلينغ | ترجمة: حيان الغربي
حجم الخط
0

ما فتئت السنوات القليلة الماضية تقدم للمراقب السياسي المتحمس العديد من الإلماعات إلى أعمال شكسبير الأكثر شعبيةً، ونخص بالذكر أربعاً من مسرحياته. علاوةً على ذلك، قد ينطلق الناخبون من حلم ليلة منتصف الصيف» الذي يعتقدون أنهم يعيشونه، بينما ينظرون باستحسانٍ إلى مجلس النواب على قاعدة أن الأمور بخواتيمها (فهل الخاتمة جيدة حقاً؟).
غير أن الإحالات الظاهرية ليست الوحيدة التي تنطبق في هذه الحال، إذ تمنحنا أعمال شكسبير المقدرة على استكناه طبيعة السلطة وكيفية ممارستها. شهد شكسبير فتراتٍ من الاضطراب السياسي خلال حياته، وقد تعاقبت فترتان ملكيتان (الملكة اليزابيت الأولى والملك جيمس الأول) على مسيرته المهنية في عالم كتابة المسرحيات. كانت إنكلترا، التي كتب عنها في مسرحياته، تعيد بناء نفسها بعد حرب الوردتين (1455- 1487) التي نجم عنها تنصيب سلالة تيودور. كما أعطت تلك الأحداث الزخم لوقوع أكبر شقاق سياسي في ذلك العصر إثر الطلاق سيئ الذكر بين الملك هنري الثامن وزوجته كاثرين أراغون، ما أدى إلى الانفصال عن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية.
لا يفاجئنا إذن أن تتكرر في أعمال شكسبير مواضيع من قبيل المرجعية الأخلاقية والحق في الحكم وطبيعة القائد الجيد. لعل الأحداث السياسية الأخيرة في إنكلترا مأخوذةٌ حرفياً من صفحات هذه المسرحيات الأربع.

«العين بالعين»

تتمحور هذه المسرحية حول العدالة وتطبيق العقاب المناسب، وتدور أحداثها في إيطاليا، إذ ينغمس السكان في الفساد تحت حكم دوقٍ ضعيف.
وإذ يستسلم الدوق للإحباط واليأس حيال تخليص سكان المدينة من فسادهم المستشري، يدعي أنه على سفر ويكلف مساعده، أنجلو، بإدارة شؤون المدينة لحين عودته. لكنه سرعان ما يعود متخفياً في هيئة راهبٍ ليراقب سير الأمور عن كثب. يستهل أنجلو إدارته باتخاذ إجراءات نزيهة وتطبيق العقوبات بعدالة تامة، بيد أنه لا يلبث أن يسقط في الخطيئة جراء رغبته العارمة براهبة متدربة ضارباً بالتزامه الأخلاقي عرض الحائط. ويقتحم الدوق المشهد في اللحظة الأخيرة ليشرع باسترداد النظام العام، بيد أن الجمهور يُترك مع سؤال لم تجب المسرحية عنه، إذ كيف فسر الدوق غيابه في المقام الأول؟
ما يخطر على بالنا على هذا الصعيد هو استقالة رئيس الوزراء الأسبق، ديفيد كاميرون، من الحكومة في أعقاب الاستفتاء على مغادرة الاتحاد الأوروبي، وقد بدا غناؤه المكتشف بمحض الصدفة بعيد استقالته بمثابة الخيانة وعدم الاكتراث بهزيمة البريكست. كما تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، الذي انتهت رئاسته للوزراء المبهمة على الصعيد الأخلاقي بتمضيته سلسلة من العطلات الفاخرة تاركاً الأوضاع السياسية في المملكة تؤول إلى الانهيار.

«الملك لير»

لم تنفك هذه المسرحية تطل برأسها طيلة فترة جونسون العامرة بالفضائح، كيف لا وهي تروي حكاية ملكٍ منفصلٍ عن الواقع؟ المنافقون يروحون ويجيئون في بلاط الملك لير، مسدين له أردأ أنواع المشورة حتى لم يعد بمقدوره أن ينصت إلا إلى نفسه ورغباته. ولعل المقارنة تبلغ أوجها خلال المواجهة الأخيرة لحسم زعامة حزب المحافظين، حين تلقى جونسون دعم عددٍ كافٍ من الموالين للعودة إلى زعامة الحزب. بيد أنه لم يكن ثمة داعٍ لهذا التفاني من قبل مواليه طالما أنه قرر الانسحاب من المنافسة. مسرحية الملك لير هي أيضاً دراما نفسية عائلية، إذ إن الملك يؤلب بناته ضد بعضهن بعضا طالباً منهن أن يثبتن مدى حبهن له. وحين تأبى كورديليا القيام بذلك على نحو مرضٍ، تتعرض للنفي لترث شقيقاتها المملكة ويسارعن إلى الإطاحة بوالدهن. تحيل الخيانة في هذه المسرحية بصورةٍ مباشرةٍ إلى النزاع الداخلي الذي لا ينتهي في حزب المحافظين. غير أن ما يلفت الانتباه في المسرحية بصورةٍ خاصة، هو عمق الندم الذي يشعر به لير، وهو الأمر الغائب تماماً في حالة حزب المحافظين. وإذ يُلقى بلير خارج قصره، يقيض له أن يجرب الحياة كواحدٍ من رعاياه، وأن يستحيل فقيراً معدماً لا فرق بينه وبين أي حيوانٍ شارد.

قد نركز غالباً على شخصيات شكسبير الرئيسية لتحليل مسرحياته، أصبح اليوم واجباً تفقد الأضرار الجانبية. فلربما تشبه الدراما النفسية المتواصلة لدى حزب المحافظين اليوم مسرحياتٍ ترفيهيةً من عصر اليزابيث الأولى، لكن بخلاف مسرحيات شكسبير تلك، الآثار المترتبة ها هنا حقيقية.

وفي مشهدٍ يتردد صداه بارداً في الشتاء الذي يشهده الكثير من البريطانيين في الوقت الراهن، نتيجةً لارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، يبدي لير ندمه حيال تجاهله لشعبه:
أيها الفقراء المساكين التعساء أينما كنتم،
تجابهون قسوة هذه العاصفة الهوجاء،
أنى لكم الأمان ولا سقف يقي رؤوسكم أو طعام يقيم أودكم؟
وأنى لهذه المزق الرثة البالية أن تدفئ جنباتكم في شتاءٍ كهذا؟
ويحي كم أهملت شؤونكم!

«أنطونيو وكليوباترا»

لعل هذه المسرحية تلائم تماماً فترة ولاية خليفة جونسون، ليز تراس، ووزير ماليتها كواسي كوارتينغ، فلم تعمر هذه الحكومة طويلاً، بل آلت إلى مصيرٍ مأساوي. فمنذ المشهد الافتتاحي، يجاهر أنطونيو بعدم اكتراثه بالواقع، ويبادر إلى طرد الرسل الموفدين من روما معلناً في وجوههم: «فلتذهب روما في نهر التيبر، وليسقط صرح الإمبراطورية الشامخ، إن الإمبراطوريات إلا طينٌ زائل». وإذا كان الحب قد أطاح بحكمة القيادة لدى أنطونيو وكليوباترا، فإن الخطأ القاتل الذي ارتكبته تراس مع وزير المالية كوارتينغ هو حبهما اللامحدود لاقتصاد السوق الحر على حساب الواقع.
لكن لا شك في أن كلاً من تراس وكوارتينغ يعلمان في النهاية المفجعة التي آلت إليها مأساة أنطونيو وكليوباترا بموتهما معاً، ففي ظل الفترة الوجيزة لرئاسة تراس للوزراء، تدهور الاقتصاد الإنكليزي وكذلك تداعى موقفها. ولعل فصلها لكوارتينغ، في ما بدا أنه محاولةٌ منها لإنقاذ ولايتها، لهو موقف شكسبيري بحد ذاته. بيد أن هذا لم يحل دون اضطرارها إلى الاستقالة لتكون رئاستها للوزراء هي الأقصر في التاريخ البريطاني. نهايةٌ مفجعة حقاً، وهذا أقل ما يقال فيها. والعبرة التي قد نستخلصها من حكايتي أنطونيو وكليوباترا وتراس وكوارتينغ هي أن ما تعلي من شأنه بما يتخطى سائر الحدود، سواءً أكان المحبوب أم السوق الحرة، هو نفسه ما سيتكفل بالقضاء عليك.

«تيتوس أندرونيكوس»

غالباً ما تنتهي مسرحيات شكسبير باستعادة النظام بعيد الصراع على السلطة، إذ تنتهي مسرحية «ريتشارد الثالث» مع بزوغ فجر عهد تيودور، وفي مسرحية «ماكبث» يعتلي الوريث المستحق العرش. ويرى البعض ريشي سوناك، خليفة تراس، أهلا للثقة والأمانة. لكن المسرحية الشكسبيرية الأنسب على هذا الصعيد هي «تيتوس أندرونيكوس» ففي تلك المسرحية الأكثر دمويةً بين أعمال شكسبير لا يخرج أحدٌ سالماً، والعنف يستجر العنف، وعداد القتلى يرتفع فيما يحتدم الصراع بين الرومان والقوطيين وهارون المغربي. فإذ يعجز سوناك عن إجراء انتخابات عامة في مواجهة الاستفتاء المريع والقرارات الصعبة التي يوشك على الاضطرار إلى اتخاذها بشأن الإنفاق العام، لا شك في أنه يجد نفسه إزاء مهمة مهولة. وبالتعبير الشكسبيري على لسان شخصيته، الملك هنري الرابع: «يشق النوم على رأسٍ تحمل التاج».
وبينما قد نركز غالباً على شخصيات شكسبير الرئيسية لتحليل مسرحياته، أصبح اليوم واجباً تفقد الأضرار الجانبية. فلربما تشبه الدراما النفسية المتواصلة لدى حزب المحافظين اليوم مسرحياتٍ ترفيهيةً من عصر اليزابيث الأولى، لكن بخلاف مسرحيات شكسبير تلك، الآثار المترتبة ها هنا حقيقية.

عن موقع: ذا كونفرزيشين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية