عرض لـ«مسرح الجُرن» - من صفحة المسرح على موقع فيسبوك
منذ سنوات تربو على الربع قرن كان مسرح الثقافة الجماهيرية هو الأنشط، فمن خلاله تم اكتشاف المواهب المخبوءة في القرى والنجوع، وخرجت مئات الأعمال الإبداعية من الطاقات الشابة، في مجالات الكتابة والتأليف والإخراج والتمثيل، وظهرت أنماط مسرحية مختلفة ومتباينة، عُرف منها المسرح الحر، ومسرح الشارع ومسرح الجُرن والفرق المسرحية الجوالة، وقد أسهمت جهود الثقافة الجماهيرية بشكل كبير في دعم الثقافة الإقليمية، إلى أن تغير اسمها إلى هيئة قصور الثقافة في ما بعد، فاقتصر النشاط الثقافي فيها على بعض الاحتفالات المُرتبطة بالمناسبات، وصارت كلها تُقام من باب إثبات الحالة، وتسويد الأوراق وتسوية الدفاتر وصرف الميزانيات.
وبقيت الحالة الثقافية الجماهيرية رهينة الروتين والبيروقراطية لفترة طويلة، وبناءً علية تأثر المسرح تأثراً بالغا، وافتقرت المواهب الشابة إلى التشجيع والدعم، وأصبح كل شيء مجرد تحصيل حاصل، رغم وجود قصور ثقافية منيفة تتسع مسارحها لآلاف الزوار والمتفرجين، وربما ساعدت الأحداث الثورية خلال السنوات الماضية على اضطراب جداول النشاطات والعروض والمواعيد، فبات الأمر متوقفاً عند بعض الممارسات المحدودة من باب ذر الرماد في العيون، ولزوم صرف الرواتب والعلاوات.
ولأن الواقع المسرحي بطبيعته يحتاج إلى دراسات مطولة للنهوض به وخروجه من العثرة التي تعوقه، فقد احتاجت المُعالجة لبعض الوقت، وما إن بدأت المبادرات في احتواء الأزمة، حتى جاءت كورونا لتعطل الخطة الوزارية، التي تستهدف إعادة الأنشطة المسرحية إلى سابق عهدها الجماهيري في المدن الإقليمية، حيث كان مقرراً فتح قصور الثقافة، وتشغيل مسارحها وإعدادها فنياً، لتكون ملائمة لتقديم العروض في حضور الجمهور، بعدد من النصوص المختارة في دقة وعناية، ومن ثم إتاحة الفرصة للكوادر من المخرجين والمؤلفين لاستعادة لياقتهم الفنية، وإخراج أفضل ما لديهم من الإبداعات الجديدة والمتطورة، والمتصلة بالقضايا الشبابية.
ولأن الظروف الحالية لا تسمح باستكمال المشروع وفق الخطة الطموحة خوفاً من تفشي كورونا واتساع مجال العدوى، فقد تم التفكير في حلول بديلة ليتسنى تفعيل النشاط المسرحي بأقل الخسائر، ولهذا تفتقت الأذهان عن عودة الفرق المسرحية الجوالة، تحت مُسمى المسارح المتنقلة، وهي فكرة مُبتكرة ومجدية، تم تجريبها قبل ذلك واختبارها في ما أطلق عليه مسرح الشارع، وقد ثبت نجاحها بشكل كبير، لأنها اعتمدت على الأداء العفوي التلقائي، والتفاعل الطبيعي من جانب الجمهور مع النصوص والأفكار والأبطال. ما أعطى للفكرة رونقها وخرج بها من كونها مجرد اقتراح إلى السعي لأن تصبح واقعاً حياً هو، حماس وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم لها والحديث عنها بوصفها أهم المبادرات الجديدة الجاهزة للتطبيق خلال عدة أشهر، لكن يبقى السؤال المهم في هذا الصدد حول مواصفات المسرح المُتنقل، وحجم الاستعدادات التي يقوم عليها، وطبيعة النصوص التي يتناولها، والنجوم الذين يتم التعاقد معهم للعمل بالتجربة وإنجاحها. هذا السؤال العريض الذي تندرج تحته عدة أسئلة تفصيلية لا بد من الإجابة عليه قبل الإعلان المُسبق والحماسي عن التجربة، مع التأكيد الكامل على وجاهة الفكرة وشمولها من الناحية الفنية، فهي إذا ما نجحت ستؤدي إلى حل أزمة المسرح، وتشغيل عدد كبير من المسرحيين والفنيين والعمال العاطلين عن العمل منذ فترة طويلة، بسبب الوباء الكوروني، ومخاوف الإصابة بالمرض القاتل.
كما أن الوزيرة في تصريحها وكلامها المؤيد لمشروع المسرح المتنقل، لم تحدد المناطق المعنية بالنشاط، ولم تُفصح ما إذا كانت الأقاليم مُدرجة في الخطة المسرحية؟ أم أن المشروع الثقافي سيقتصر فقط على القاهرة والمدن الكبرى، كالإسكندرية باعتبارها العاصمة الثانية المعروفة بتميزها في الإبداع المسرحي، خاصة في فصل الصيف، الذي لا يزال يشهد إقبالاً جماهيرياً كبيراً على الرغم من الجائحة.
وزيرة الثقافة أيضاً ذكرت في بعض تصريحاتها ما قل ودل عن جائزة المُبدع الصغير، التي يختص بها الأطفال الموهوبون في المجالات الفنية والإبداعية، التي نفت أن تكون خاضعة لمسابقة بعينها، وهو ما يُثير سؤالاً آخر حول شروط المشاركة وكيفيتها وحيثيات الاستفادة منها، بخلاف الاستفسار عن طبيعة الجائزة نفسها.. هل هي جائزة مادية تُمنح للطفل الموهوب في فرع ثقافي وإبداعي ما؟ أم أنها جائزة تشمل العناية بالطفل الفائز، وتبنيه وتنمية قدراته وتأهيله علمياً وأكاديمياً؟ ثم ما هي أبعاد المبادرة التي تخص الطفل المصري تحديداً ولم يسبق لها مثيل في قارة افريقيا بأسرها؟!
تلك علامات استفهامية واجبة التوضيح، كي يكون الكلام على بينة طالما أن وزيرة الثقافة تعتزم بالفعل الأخذ بيد الطفل وتعمل على تشجيعه واحتوائه وتنمية مواهبه، فدون وضع النقاط على الحروف في ما يخص المشروعات والمسابقات والمنح تُصبح المسألة مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي ومحض دعاية تروج لها قطاعات الوزارة ويدعمها المحاسيب!
كاتب مصري